إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «14»

آخر مدير للإذاعة العراقية قبل سقوط بغداد موفق السامرائى: أوقفوا برنامجى وحولونى للتحقيق بسبب «حاحا» والشيخ إمام قالوا لى فى التحقيق: إمام ونجم عناصر معادية.. وإذاعة أغانيهما ستتسبب فى أزمة دبلوماسية مع مصر عزيز على سبق الشيخ إمام وكان صوت العراق الغاضب الأمريكان لم يقصفوا مبنى الإذاعة العراقية فقط بل دمروا ذاكرة أمة كاملة

في هذا الحوار، يفتح موفق السامرائي، آخر مدير للإذاعة العراقية قبل الغزو الأمريكى، ذاكرة مثقلة بالسياسة والإعلام والصوت الممنوع من شريط كاسيت تسلل خفية إلى أروقة الإذاعة، إلى برنامج منع بعد دقائق من بثه، بسبب اغنية للشيخ إمام.

لا يكتفى السامرائى بسرد واقعة المنع، بل يذهب أبعد من ذلك، محللا علاقة السلطة بالإعلام، وخوف الحكومات من الكلمة الصادقة، كما يفتح الباب للحديث عن تجارب عراقية موازية، وعن إرث إذاعى وثقافى تعرّض للتدمير بعد الاحتلال الأمريكي، في خسارة لا تتعلق بالمباني فقط، بل بذاكرة كاملة كانت توثق وجدان أمة.

إزاى عرفت الشيخ إمام، وإيه قصة أغنية "بقرة حاحا" مع الإذاعة العراقية ؟

عرفت الشيخ إمام لأول مرة من خلال شریط کاسیت قدمه لى أحد الأخوة العاملين في إذاعة صوت فلسطين" وكنت مشرفا عليها آنذاك عام ۱۹۷۱، وأكد لى أن الشريط يحتوى على مجموعة من أغاني المقاومة، وكنت متلهفا جدا أن أسمع أغنية مقاومة بعد نكسة ١٩٦٧ شغلت الشريط واستمعت إلى أغنيتي بقرة حاحا" و"عبد الودود" وأغاني أخرى، شعرت وقتها أن أمتنا مازالت بخير مادام فيها من يقدم هذا الغناء، وقررت أن أنشر هذه الأغاني ضمن برنامج جديد أعددت نفسي لتقديمه في إذاعتى "صوت بغداد" و "صوت فلسطين"، اسمه "سمعت قرأت رأيت، سجلت الحلقة، وتكلمت فيها عن ظاهرة إمام / نجم وجلساتهما التي بدأت تنتشر في مصر وتصلنا عبر الصحافة، وتأثير أغانيهما على الجماهير العربية التي كانت تعانى مرارة الهزيمة وكيف كانت هذه الأغاني مثل البلسم الذي يداوى جرح النكسة، وقدمت شيئا عن حياة الشيخ إمام ونجم، ثم مقاطع من أغنية "حاحا"، سجلت الحلقة، وفي موعد عرضها كنت في البيت، ولم تنته الفقرة الأولى "سمعت" حتى فوجئت بتوقف البرنامج، وبعد حوالي دقائق تم استدعائى لمبنى الإذاعة والتليفزيون للتحقيق، رحت وأنا مندهش من كل هذه الضجة وسبب قطع البرنامج، قالولي ألا تعلم أن الشيخ إمام ونجم من العناصر المعادية للنظام المصرى، وأنه صدرت بالأمس تعليمات عليا بعدم الإساءة للنظام المصرى بأى شكل من الأشكال قلت لهم: لم تصلني هذه التعليمات ولم أسمع عنها، وكل ما فعلته هو أننى كنت معجبا بهذا الثنائي الفريد من نوعه المهم كانوا يريدون معاقبتي لكنهم اكتفوا بإيقاف البرنامج، وكانت الحلقة هي الأولى والأخيرة، وأتذكر أننى التقيت بالشاعر أحمد فؤاد نجم بعدها بسنوات وتحدثت له عما جرى بالبرنامج، فقال لي: شوف هما راحوا فين يقصد الحكومات العربية) وأنا وأنت بقينا فين.

نعرف أن المنع في مصر كان علشان بيشتموا عبد الناصر والسادات لكن العراق ليه ؟

قالك إذاعة أغاني الشيخ إمام ونجم حتسبيلنا مشكلة دبلوماسية مع الحكومة المصرية إحنا مش عايزينها.

كانت واصلة أغاني الشيخ إمام وقتها للشارع العراقي؟

كانت قليلة جدا جدا، لم أسمعها في الشارع، لكن بعد سنوات أذيعت في العراق، وبدأنا نتناولها ونذيعها في إذاعة "صوت فلسطين" وانتشرت لدى الشباب في كل المناطق، وقطاعات واسعة من المستمعين أخذت تتبادل هذه الأغاني وأشرطتها من إيد لإيد.

ممکن نلاقى نسخة من البرنامج الممنوع في الإذاعة العراقية حاليا؟

لا الأمريكان لم يتركوا شيئا إلا ودمروه راحت زى ما راحت عشرات البرامج بعد ما ضربوا مبنى الإذاعة، وراحت آلاف الساعات من التراث الفني العراقي والعربي اللي كان مخزونا في مكتبات الإذاعة والتليفزيون.

سنه ٦٩ حضرتك كنت منتدبا في إذاعة صوت العرب، ودى كانت البداية القوية لأغاني نجم وإمام في مصر ما سمعتهاش ؟

أنت تعرف جيدا أنه كان سائدا في هذا الوقت الأغاني الوطنية لعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، أما الشيخ إمام فلم أستمع له إلا بعد ما رجعت العراق سنة ١٩٧١.

بحكم عملك الإذاعى الطويل تفسر بإيه محاصرة أغاني الشيخ إمام بمنع وجودها في الإذاعة ؟

لأن الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم تصديا لكل السلبيات والحكومات والعملاء وكل ما تسبب في النكسة، وكانا ينتقدان الشأن العربي السيئ، فاعتبروهما ضد الحكومة التي تمتلك هذه الإذاعة.

هل فيه تجارب شبيهة بتجربة نجم إمام في العراق ؟

كان عندنا تجربة يمكن سبقت تجربة الثنائي إمام ونجم، تجربة الفنان الكبير عزيز على، وكان شخصية فريدة من نوعها كان يكتب القصيدة ويلحنها ويغنيها لوحده، وكل أغانيه سياسية، وكأنها صفحات للأحداث التي مرت بالعراق إضافة لمجموعة من الأغاني كانت تنتقد الواقع العربي والاجتماعي، منها ما يتشابه في الطرح مع أغاني الشيخ إمام ونجم يعني مثلا أغنية "حاحا"، بتقول: "البقره تنادي وتقول يا ولادي، وولاد الشوم رايحين في النوم"، عزيز على لديه أغنية بهذا المعنى بتقول: "النواطير النيشاما الجهامة نايمين شلوم نومه مستريحبمذهبي، صلوات على النبي"، وفيه أغنية تانيه تتناغم مع كلام المصطبة"، اللي بتقول " وسط العواصف مركبة بين ريحشمال وريح يمين" ، عزيز على عنده أغنية بتقول "يا عرب كثروا الملاليح، وسفينتنا غرفت می و فوكاها معاكسنا الريح".

في أي سنوات ظهر وعاش الفنان عزيز علي ؟

عزيز على مات في السبعينيات، هو رجل قديم ظهر قبل تأسيس الإذاعة العراقية منه منه منه سنة ١٩٣٦، وكان يقدم أغاني سياسية ويتحدث عن واقع الاحتلال الإنجليزي له مثلا أغنية ضد الإنجليز بتقول " منه . منه كلها منه مصايبنا وطلايبنا كلها منه يا عرب كل من هب ودب / مشلوع افاده معذب ديصب دموع وينحب ومصيبتنا ندرى كلنا ساس الفتنة من صاحبنا عراقي وسورى ولبناني / مصرى وأردنى ويماني والسعودية إخواني / واحد ناصب للثاني". يعني كل مصايبنا من الاحتلال، وعنده عشرات الأغاني ضد الحكومات، عزيز على نموذج للفنان السياسي الملتزم، ويقال إنه لم يتوحد ذوق الشعب العراقي مثلما توحد على الاستماع إلى عزيز على.

لم يمنع ؟

بلى... منع عدة مرات وسجن في فترات معينة أيام الاحتلال، لكن الإذاعة كانت تذيع أغانيه على فترات.

المنع والحصار للأغنية السياسية أو التحريضية زي ما بيسموها، مسألة ممكن تنجح مع الفنان؟

لا، لأن كل ممنوع مرغوب، فلما تمنع الأغاني تنتشر في الأوساط الشعبية أكثر. وتلقاها في كل مكان، أغانى الشيخ إمام كانت ممنوعة، وأغاني عزيز على كانت ممنوعة، ومع ذلك تلقاهم في كل البيوت العراقية والعربية هاي مشكلة بعض الحكومات اللي تتصور أن منع الأغاني يوقف المعارضة أو يؤثر عليها، لكنها أبدا لم تحقق شيئا إطلاقا.

هل الآن موجود الشيخ إمام في العراق بين الناس؟

إنت عارف ما مر به العراق وما يمر به الآن، نحن شعب محتل وأرضه محتلة وسابقا مرينا بحروب عديدة، والمواطن العراقي الآن مشغول بهموم أخرى غير البحث عن الأغاني، لكن أقدر أقول إن أثناء ما كنت مديرا للإذاعة أثناء غزو الأمريكان للعراق، كان المواطن العراقي دائما يحن إلى الأغانى الوطنية المصرية كان المستمعون يطلبون كل أغاني المعركة التي ظهرت بعد ٦٧، "الله أكبر" و "دع سماني" و"أحلف بسماها وبترابها" وأغنية عبد الوهاب " حي على الفلاح".

وأغاني فريد الأطرش وأم كلثوم، كلها كانت تذاع في المعركة الأخيرة، لكن بعد ما استوطن الاحتلال واحتلت بغداد واتدمرت الإذاعة، انتهت هذه الأغاني.

عندى سؤال أخير أستاذ موفق... هل إحنا محتاجين أغاني الشيخ إمام دلوقت في الوطن العربي، هل فيه ضرورة معينة لتقديم النوعية دى من الأغاني؟

لكل مرحلة رموزها وشخوصها، وللأسف الشديد الذوق العربي عموما - مش المصرى أو العراقي - اتغير، يعني أنا في العراق بعد ٦٧ كنت أسمع باستمرار الأغاني الوطنية في الشارع الآن بعد سنوات طويلة أسمع "العنب" و"أحبك يا حمار" في مصر، وعندنا أيضا في العراق "البرتقالة" وغيرها نفس المستوى، تتصور های الأغاني الآن سادت واكتسحت اللون القومي والوطني، أحد الأخوة المصريين الإعلاميين ونحن نتحدث عن الواقع الإعلامي الفني قاللي الزمن الذهبي راح خلاص.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

كتابي "الشيخ إمام في عصر الثورة والغضب
ييببب
شعبان عيسى: الشيخ إمام مظلوم إعلاميًا رغم تأثيره
إمام .. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «10»
إمام .. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «9»
كيف تحوّل صوت مصرى إلى أيقونة نضال فى تونس
لااا
امام

المزيد من ثقافة

صورة مصورة - الضحك من غير «سبت»

يمشى محاطاً ببضاعته، في كتلة واحدة، كأنه مربوط فيها!

تكريم مستحق من نقابة الصحفيين مها حافظ.. أم مثالية في يوم المرأة

كرمت نقابة الصحفيين الزميلة مها حافظ نائب رئيس التحرير في مجلة الإذاعة والتلفزيون، ضمن الأمهات المثاليات من الصحفيات، في احتفالية...

يوسف إدريس.. 99 سنة على ميلاد العبقرى الذى وضع الملح على الجروح

وزارة الثقافة مطالبة باحتفالية كبرى فى ذكرى مئوية تشيكوف العرب الفقر والفقراء.. قضية محورية فى «العيب» و «الحرام» و «أرخص...

يا سيد العديسى.. هذى دنيانا الملفقة

وأنت لم تمت يا سيد لكنك قضمت قطعة من قلبي وصرت تلوكها على مهل، حتى بت أشعر بوخز أسنانك في...