نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية

نوران خالد كاتبة شابة من الأصوات الروائية التي لفتت الانتباه في السنوات الأخيرة، خاصة من خلال أعمالها التي تمزج بين التاريخ والدراما الإنسانية؛ مثل "فتاة من الشرق"، و"أيام ميرى الشركسية"، و"غريب في قصر الباشا".. تحدثنا معها عن تجربتها وعن أعمالها وأبرز القضايا التي تشغلها، وكان لنا معها هذا الحوار.

ما الذي حفزك لكتابة رواية غريب في قصر الباشا"؟

جاءت فكرة الرواية بعدما لفتت إحدى صدیقاتی انتباهی عقب قراءتها لكتاب للمؤرخ عبد الرحمن الرافعي عن ثورة ۱۹۱۹، إلى أن كثيرا من الناس لا يعرفون عن هذه الثورة سوى ما جرى في القاهرة والإسكندرية، بينما تغيب عنهم تفاصيل وأحداث أخرى مهمة في باقي أنحاء البلاد، ولكن معظم الناس لا يدركون أن الثورة كانت أشد عنفا وأوسع نطاقا في الصعيد وفي المدن والقرى الريفية، حيث شهدت تلك المناطق مواجهات حقيقية بين قوات الاحتلال الإنجليزي والفلاحين المصريين، وأسفرت عن وقوع مذابحكبيرة، ولا أذكر أن عملا أدبيا أو مصورا تناول هذه الأحداث بعمق، باستثناء مسلسل "جمهورية زفتى" للكاتب يسرى الجندي، وفي المقابل، تكتفى معظم الأعمال التي تتناول الثورة في الصعيد والريف بتقديمها كحكايات هامشية تدور على أطراف الحدث الرئيسي الذي يدور غالبا في القاهرة، وهذه النقطة لفتت انتباهي بشدة، وشعرت بوجود فجوة مكانية في السرد المتعلق بالثورة التي تعد الحدث السياسي المؤسس الأبرز للوطنية المصرية في القرن العشرين، ومن هنا بدأت أقرأ بتعمق في تاريخ الثورة واطلعت على أجزاء كبيرة من كتابات المؤرخ عبد الرحمن الرافعي، فاكتشفت أن مدينة أسيوط شهدت أحداثا شديدة العنف، ربما تفوق ما جرى في مدن أخرى، وأن ما حدث فيها كان تمهيدا لما سيجري لاحقا في بقية مدن الصعيد. وتتناول غريب في قصر الباشا" فترة ما قبل ثورة ١٩، وما تعرض له الفلاحون من ظلم وقسوة، إلى جانب مشاركتهم في هذه الثورة، وتدور الأحداث عبر رحلة هروب البطل والتي تبدأ عام ۱۹۱۸، وصولا إلى أسيوط، حيث تتشعب رحلته بين مسارين، الأول يتصل بأحداث الثورة وانخراطه فيها، والثاني يرتبط بقضيته السياسية التي تلاحقه ويحاول الفرار منها.

القصر في الرواية ليس مجرد مكان بل يكاد يصبح شخصية قائمة بذاتها، هل تعمدت بناء هذا البعد الرمزي للمكان ؟

إلى حد ما، ولكن هذا التصور لا يكون واضحا تماما في ذهن الكاتب منذ البداية، فمثلا في أحد مشاهد الرواية وهو مشهد الحلم الذي يحلمه البطل هو يرى نفسه محبوسا ومسحوقا بين القصر والشخصية الرئيسية فيه والتي تمثل الظلم والقسوة التي كان يتعرض لها بسبب أشخاص من أهل بلدة هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى من الحلم، كان المكبس أو جزء من المعسكر الإنجليزي والشخصية الأساسية التي كانت تمثله، والتي كانت إلى حد ما تمثل أيضا الظلم والقهر الذي كان يتعرض له من المحتل الأجنبي، كل هذه الأحداث لم تكن قائمة في خطتي للكتابة، بل تبلورت وتراكمت على مدار الكتابة، وهذا جزء من جمال الفن، إذ لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب بشكل كامل فمثلا، هناك أمور يخطط لها الكاتب مسبقا، وأخرى تتشكل تلقائيا أثناء الكتابة، وهناك أشياء يكتشف أن القارئ تلقاها بطريقة هو لم يقصدها، فالتجربة الإنسانية لكل قارئ تجعله يتفاعل مع النص بصورة متفردة، قد تختلف عما كان يدور في ذهن الكاتب نفسه، وهذا الاختلاف يجعل الكتابة والفن عموما شيئا جميلا واستثنائيا، وقادرا على التفاعل والتأثير، وأتمنى أن يكون هذا تحقق في روايتي

كيف حافظت على لغة تناسب الزمن التاريخي دون أن تكون منفرة القارئ اليوم ؟

أحب أن التزم في الكتابة باللغة العربية الفصحى البسيطة في السرد. وفي الحوارات لأنني إذا قررت أخذ لغة الحوار إلى اللغة الأصلية للزمان والمكان، فلابد أن التزم باللهجة الصعيدي وبمصطلحات ذلك الزمن، وهذا قد يكون صعبا، ليس فقط في تحرى الدقة، ولكن في الكتابة أيضا، ولكن من الضروري أن الكاتب يطعم السرد والحوارات واللغة بالمصطلحات والكلمات التي تجعل النص به حيوية، وتجعل القارئ منغمسا مع الكتابة، وقادرا على أن يشعر بالفارق فهو يقرأ رواية أحداثها تدور سنة ١٩١٩ في الصعيد، بالتأكيد لن تكون لغتها نفس اللغة لو كانت تدور بالقاهرة في القرن ۲۱، فلابد أن يكون هناك اختلاف حتى يشعر القارئ بأنه يقرأ شيئا أصيلا وينتمى لزمان ومكان الرواية، لذلك كنت حريصة على أن أطعم السرد والحوارات ببعض المصطلحات التي تكون مناسبة لهذا الزمن، ولكن في نفس الوقت ليست منفرة أو غريبة، وقد استلهمت هذا الجزء من أعمال الأديب الكبير نجيب محفوظ ومن الكاتب الكبير خيري شلبي، فقد نجحا في هذا الموضوع بشكل كبير الدرجة أن الكلمة قد تبدو عامية جدا، ولكنها تتماشى مع السياق، حتى لو باللغة العربية الفصحى.

هل أعمالك تنتمى إلى مشروع سردي واحد أم أن كل رواية تجربة مستقلة ؟

الاثنان معا لا أراه مشروعا بالمعنى التقليدي، بل إطارا أو غطاء واسعا الكتابة التي أقدمها، فأعمالي تسلط الضوء على سعى الإنسان نحو الحرية. ومقاومته المختلف أشكال القهر والظلم. حتى لو كانت مقاومة بسيطة للغاية، كان يختار أن يكون حرا في اتخاذ قرار يتعلق بحياته، أو كان قراراً مصيريا، أجد نفسي تلقائيا منجذبة إلى هذا الإطار العام في ما أكتب لكنني في الوقت نفسه أشعر بأن كل رواية تمثل تجربة مستقلة ومختلفة، وفي كل مرة أحاول أن أقدم شيئا جديدا، حتى وإن كان بسيطا، سواء من خلال بناء شخصية جديدة أو اعتماد اسلوب سردی مختلف، لذلك أسعى قدر الإمكان إلى التنوع والتجديد في كتابتي.

بعض رواياتك يدور في أزمنة تاريخية مختلفة، ما الذي يجذبك إلى الكتابة في فضاء التاريخ ؟

التاريخ مقر جدا لأى كاتب، فالرواية التاريخية مغرية لأى كاتب حتى كتاب الرعب والجريعة عادة لا يخلو سجلهم من رواية أو اثنتين عن رعب تاريخي أو جريمة تاريخية، فالتاريخ ساحر ومغر للقارئ فما بالك للكاتب، وبشكل شخصي، أحب التاريخ واستكشاف اجزاء منه، فنحن بشكل عام تعرف من التاريخ قشورا خارجية، وأحداثا عامة وهذا ما يمنعنا أن تتعلم من التاريخ. فنحن في حاجة إلى قراءة التاريخ بشكل مفصل وأكثر عمقا، وبعيدا عن المعلومات العامة التي تظهر في وسائل الإعلام أو في وسائل التواصل الاجتماعي، نحتاج نظرة أعمق التاريخ، لأن هذا سوف يساعدنا على أن تتعلم منه، ليس لأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن لأن كما قال الكاتب الفلسطيني "إبراهيم نصر الله" في إحدى رواياته "التاريخ لا يعيد نفسه. ولكن البشر يكررون الأخطاء"، فإذا كررنا نفس الأخطاء متصل لنفس النتائج، لكن اكتشاف التاريخ والكتابة عنه والقراءة فيه تجعلنا تصل لمرحلة التعلم، وعدم تكرار نفس الأخطاء.

إلى أي مدى تعتمدين على البحث والوثائق قبل البدء في كتابة رواية تاريخية ؟

اعتمد عليها بشكل أساسي، فكل رواية تاريخية لها ملف كامل يحتوى على معظم الكتب التي تمت كتابتها عن هذه الفترة، وأقرأها ثم استخلص منها الحقائق التاريخية، ثم أرتبها في ملف خاص بالرواية، وإذا كانت هناك روايات كتبت عن نفس الفترة التاريخية أقرأها أيضا. لأن أحيانا هذه الروايات تحتوى على معلومات مهمة وغير موجودة بالكتب فمثلا عند كتابة رواية غريب في قصر الباشا قرأت رواية عذراء أسيوط" الأديب اليوناني "کومتی ساجر اداس". وهو عاش في أسيوط وقت ثورة ١٩ وكان عميدا للجالية اليونانية في مصر. ومنها توصلت إلى التقسيمة الجغرافية الأصل مدينة أسيوط خلال هذه الفترة. وهذه الرواية التاريخية لم أجدها في ای کتاب تاریخ عادي، هذا أحد أسباب قراءة الروايات التاريخية التي تناولت نفس الفترة، والسبب الثاني حتى العرف على ما قدمته هذه الروايات، وهل أقدم شيئا مختلفا عنهم أم لا، وعادة في النهاية أضع كل المصادر في نهاية الرواية، وهذا لا يحدث في الكتابة الروائية، والكاتب الروائي غير مطالب أن يضع مصادر، لأن في النهاية هذا ليس بحثا علميا، ولكني أحب أن أعطى للقارئ فرصة للقراءة أكثر، والسبب الثاني أنني أحب أن أنسب الفضل لأصحابه، فأصحاب الكتب والمصادر التي استعنت بها هم اصحاب فضل علي وعلى الرواية.

النساء في أعمالك يبدون قويات رغم الظروف التاريخية الصعبة، هل الرواية التاريخية تمنح فرصة لإعادة قراءة دور المرأة في الماضي؟

أعتبر نفسي كاتبة نسوية، وأؤمن وأعمل بالتسوية، وأحب أن أدمجها في رواياتي ولكن المشكلة أن الصورة المتصدرة في وسائل التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام خاطئة تماما، فالناس تسيء فهمها، ولا تسعى إلى فهمها. بشكل صحيح في أعمالي، أحكى عن دور الشخصيات النسائية في التاريخ. ولكن ليس بنفس الصورة المغلوطة الموجودة في وسائل الإعلام، فعلا لا أكتب خطبا تسوية، أو امرأة تخرج تهتف وتحارب، وإن كان هذا حدث بالفعل في الحقيقة، ولكن دور المرأة في التاريخ وفي الكوارث التاريخية كان أكبر وأعمق وأشمل من ذلك، فهناك من ساندن وكافحن المصاعب اليومية، وهناك من ديرن الحياة بأقل القليل، وحاولن أن يعبرن بأولادهن وأسرهن من الليالي الصعبة عن طريق التخفيف، نساء كان لهن دور كبير وتسليط الضوء على هذا الدور والحديث عنه جزء من النسوية لأن هذا دور لا يستهان به أبدا، واتذكر جملة قالتها الكاتبة أهداف سويف في كتابها في مواجهة المدافع، والذي يسجل زيارتها لفلسطين المحتلة وكانت تقول ماذا تفعل النساء العربيات في الأوقات الحرجة، يفعلن ما فعان منذ الأزل، يكافحن، يكابرن، يقمن بأعمالهن المختلفة، يدبون المصاريف، يجاهدن الحماية أبنائهن ومساندة رجالهن يلجأن للأخوات والصديقات والأمهات التآزر والضحك على شر البلية"، قطبعا الرواية التاريخية فرصة لتسليط الضوء على دور المرأة على مدار التاريخ كله، وهو دور متنوع، ولولاها ما كانت هناك جماعات بشرية، أو ناس استطاعوا أن يجتازوا الفترات الصعبة أبدا، وأذكر ما قاله الدكتور أحمد خالد توفيق عندما قال لا يوجد مصطلح كتابة تسوية، ولكن هو أدب إنساني تكتيه امرأة.

في روايتيك "فتاة من الشرق" و أيام ميرى الشركسية" اهتمام بفكرة الهجرة والاقتلاع من الجذور. فكيف قدمت هذه الفكرة روائيا ؟ ولماذا قدمت الرواية على جزءين ؟

حاولت دمج الحقائق التاريخية التي قرأتها عن شعب الشراكسة وأحفادهم في أوروبا العثمانية وما حدث لهم، وكيف تم اقتلاعهم وتهجيرهم قسريا من أوطانهم. وكل ما واجهوه خلال هذه الفترة التاريخية، ودمجها مع أقرب تجربة لهم وهي تجربة الشعب الفلسطيني، خصوصا وأن القضيتين العكاس لبعضهما، فما مر به الشعب الفلسطيني جعلني الهم شعور الإنسان وما يحدث معه عند تهجيره السريا وانتزاعه من وطنه، وفي هذه الرحلة يفقد أهله وحياته كلها، وبالتالي كان من الطبيعي أن أعكس ما رأيته و شعرت به و عاصرته، في التجربة التاريخية المشابهة التي أكتب عنها. تقديم الرواية على جزءين، فكل جزء يدور في سياق مختلف مكانيا وزمانيا. فمثلا فتاة من الشرق تدور ما بين منتصف القرن 19 وأوائل القرن ۲۰ وتتناول الاقتلاع من الجذور والتهجير القسري والهروب ومواجهة الظروف القاسية والمذابح والهروب منها، أما في أيام ميرى الشركسية" فكان التركيز على كيف ينتهى الأمر بالإنسان لمكان آخر أكثر أمنا، وكيف يتجاوز كل آلام الماضي ويتعايش مع المكان الجديد ويبنى حياة جديدة، وكيف ينجح في ذلك أو يفشل، وبالتالي قررت أن أقدم العمل على جزءين، لأن كل جزء يعكس جانبا من المرحلة التي يواجهها الضحايا. وكل رواية لها أجواء مختلفة، فواحدة تدور في بلاد بعيدة مثل آسيا وأوروبا. والرواية الثانية تدور في مصر، وتحديدا خلال القرن ۲۰ وحتى فترة السبعينيات.

ما المشروع الروائي الذي يشغلك الآن؟ وهل سيبقى في إطار الرواية التاريخية أم تفكرين في تجربة مختلفة؟

لدى رواية تاريخية ولكن سوف تكون في إطار التاريخ القريب جدا أي خلال الخمسين أو الستين سنة الماضية. ورواية أخرى تاريخية الدور في القرن ١٨ فما زالت لدى أفكار المشروعات تاريخية أفكر فيها، ولكن كما قلت أنا أحب أنوع في ما أكتبه، فارغب في الابتعاد قليلا عن السياق التاريخي والعودة إلى كتابة الروايات المعاصرة، ولكن غالبا لدى مشروع تاريخي الفترة القادمة.

 	أميرة حمدى

أميرة حمدى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية

ابتلى به الإنسان من بداية الخلق .. الاختيار مسئولية

بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية

شخصيات لها تاريخ «99» إدريس السنوسى.. أول وآخر ملك فى المملكة الليبية

تربّى فى الزاوية ودرس العلوم الشرعية وكان يحب مجالس العلماء ويقربهم إليه وامتلك واحدة من أكبر وأهم المكتبات فى العالم...