بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية
يقول سارتر الاختيار ليس مجرد ممارسة للحرية، بل هو مسئولية مضاعفة لاختبار الذات أولا، ثم لاختبار القيم الإنسانية.. وعلى ذلك فالإنسان الذي يستطيع حقا التحرر من الضغوط، ويمارس حريته بوعى وبقصد تحمل تبعات أفعاله هو فقط هذا الذي يخول له أن يختار.
لاشك أن الإنسان يعتبر هو المخلوق الوحيد الذي وهب الاختيار من الخالق سبحانه.. ذلك بعد واقعة الاختيار الأول التي دارت أحداثها في السماء؛ حين اختار طاووس الملائكة قبل أن يبلس ألا يسجد لأول بني آدم خلقه الله حينما أمره بذلك، ما أدى إلى الاختبار الذي وجد آدم فيه نفسه - وحواء - أمام الاختيار بين طاعة خالقهما بعدم الأكل من الشجرة المحرمة وبين وسوسة الشيطان لهما بفكرة الخلود بالتناول منها، فكانت الخطيئة الكبرى بالاختيار الخاطئ والعقوبة بالنزول على الأرض وبداية الحياة والنسل البشرى وأيضا بدء فكرة الاختيار طويلة الأمد التي قدرت على البشرية كلها، والتي تقود في النهاية إما لجنة أو لنار.
وربما منذ ذلك الحين ومع بدء الخليقة واجه الإنسان بفطرته حقيقة أنه قد خلق في حالة اختيار دائم فرضت عليه، لذا عندما واجه تلك الحقيقة تبناها فكان عليه منذ اللحظة الأولى على الأرض مثلا الاختيار بين الفناء والبقاء، فاختار البقاء ثم الاختيار بين هذا البقاء الذي يستلزم الصراع وبين التكيف مع الواقع الذي نزل عليه، وهنا تفرق الأمر حين اختار الأقوياء الصراع حتى مع الآلهة وقوى الطبيعة كما جاء في الميثولوجيا والأساطير، في حين اختار البسطاء الضعفاء التكيف بل المهادنة درءا للشر وإيثارا للسلامة... وربما من هذا الباب للاختيار بين البدائل المتاحة ظلت الإنسانية ليست فقط في حالة اختيار إجبارى، بل في مواجهة مع نتائج هذا الاختيار وما تبع ذلك من ازدواجية التفكير واختيار كل منا مرة أخرى منهجا لحياته.
وعلى الأغلب اعتقد الإنسان خطأ أن الاختيار فى مجمله المطلق شيء حميد يجب عليه التمسك به، ما أوصل به الحال إلى المناداة به والقتال والثورة من أجل الحصول عليه، ولا شك أن في مواصلته لذلك الطريق لم يدرك أبدا مدى حجم الاختبار الثقيل الذي وقع على كاهله فيحدد مصيره على الأرض وفي السماء، وربما من هذا العناد الإنساني ما أوقع الكثيرين في فخ ما أسماه علماء الاجتماع الخيارات الوهمية" مقابل الاختيارات الواقعية المبنية على أسس مدروسة وواعية.
ومن الطبيعي هنا أن تنقسم الخيارات أمام الناس إلى اختيارات سهلة وبسيطة كاختيار الطعام أو الملبس لتتدرج ظرفيا إلى الاختيارات الأكثر تعقيدا، خاصة فيما يتصل بحالات الإدراك والمشاعر، وقد يتعقد الأمر بشكل أصعب على النفس حينما يظن البعض - بمحدودية التفكير أن اختياره كان سليما مناسبا بنسبة مطلقة، لتظهر له النتائج بعد ذلك عكس ما اعتقد وتصور.
هذا وينص مبدأ الاختيار على وجود - على الأقل اثنين من البدائل للاختيار بينهما ومرة أخرى يظن أن وجود عدة بدائل كان سيجلب مزيدا من الراحة حين الاختيار... غير أن التجربة الإنسانية قبل الأبحاث والدراسات تدل على أن وجود أكثر من بديل أمام الإنسان غالبا ما يسبب عملية التشويش والإرباك؛ إذ إن التحكيم بالطبع بين مزايا الخيارات الكثيرة المتاحة أمر شاق ولا سيما إن كانت جميعها تقترب من طبيعة وتفكير وميول من يختار بالإضافة إلى مناسبتها لقدرته الاقتصادية، وقد يزداد الأمر - بلا شك - صعوبة كلما كانت العيوب بين هذه الخيارات تمس الهوية والوضع الاجتماعي.. وهنا ربما تبرز مدى أهمية وجود المعلومات التي تدل الإنسان على الاختيار السليم وغيابها - بالطبع - ما يؤدى إلى حالة التضليل وفقد بوصلة الوصول للمبتغى الأفضل، وعلى ذلك وكما يتضح أن توفر الكثير من البدائل ليس دائما هو الحل المناسب للاختيار وأن إيجابيته تعد أمرا استثنائيا.
الحرية والعدالة والمسئولية
في أصل مفهوم الاختيار وارتباطه بالوجود الإنساني كتب الباحث محمد محفوظ في كتاب تحت ذات العنوان إن ثمة مفاهيم ومصطلحات ثرية بطبعها. والبحث في مضمونها يوصلنا إلى أبعاد علوم ومعارف وتخصصات أخرى على من هذه المفاهيم مفهوم الاختيار الغنى بفلسفته المعرفية التي تناقش مضامين مثل الحرية العدالة، والمسئولية، وهي أحد العوامل التي تشكل حجر الزاوية في منظومة القيم والمبادئ الإنسانية حتى أنه يمكننا القول بأن لا اقتراب من هذه المضامين دون التطرق إلى المفهوم الأكبر وهو الاختيار، ولاشك أن على هذا الأساس قد تشكلت العديد من النظريات والمذاهب الوضعية التي اكتمل بناؤها المعرفي على أسس هذه القاعدة.
وفي الحقيقة كي تضح صورة العلاقة بين الحرية والعدالة والمسئولية وبين فكرة الاختيار يجب النظر أولا إلى تعريف هذه المضامين؛ فالحرية على سبيل المثال وردت عنها تعريفات حتى أوصلها المفكر ايزايا برلين في كتابه "حدود الحرية" إلى منتى تعريف إلا أن التعريف الجامع الشامل والمشترك بينهم كان هو إزالة المعوقات عن طريق الاختيار الإنساني... غير أن المجتمعات البشرية لا تتأسس إلا على فكرة وجود هذا الخط الفاصل الذي يبدأ بالحرية الفردية وينتهي عند حدود حرية ومصالح الآخر دون تهديد لها قد لزم لرسم هذا الخط وجود مظلة تضمن هذه الحدود، وطبقا لرؤية جون ستيورات مل في كتابه "قيمة العدالة" أن وجود تلك القيمة هو ضامن يكفل حرية الأفراد دون الإخلال بحرية الآخرين وبدونها تصبح هناك مساواة بين حرية الشاة وحرية الذئب وأن توفر هذه القوة القاهرة ما يقف حائلا بين أن يفترس الذئب الشاة بلا شفقة.. لذا فالحرية دائما محدودة والعدالة هي من تحمى حرية الضعفاء أمام حرية الأقوياء.
وربما - من وجهة النظر هذه الإنسان كامل الحرية ذو قدرة على اتخاذ القرار والاختيار لكن بشرط ألا يتسبب ذلك في ضرر الاختيارات الآخرين، وهنا لتبين فكرة المسئولية، فالإنسان في هذه الحالة ليس مسئولا فقط عن اختياراته بل مسئولا أيضا عن ألا يمس هذا الاختيار حدود غيره، وبذلك فإن الاختيار بشكل واضح يأتي دوما مرتبطا بضمون الحرية والعدالة والمسئولية والمثل الشعبي يبسط الأمر حين يقول "أنت حر ما لم تضر".
الاثقافة الاختيار
ولاشك أننا تولد وليس لأحد منا معرفة مسبقة عن كيف يختار بل ماذا يريد على وجه الدقة، وللحق لسنا جميعا مؤهلين ولا مدربين على حسم أمرنا وتحديد اختياراتنا على نحو يقى تماما من الوقوع في الأخطاء والمشاكل.. وعلى ذلك التفت العالم حديثا إلى مسمى "ثقافة الاختيار" ووضعها عين الاعتبار بوصفها أهم وأخطر التوجهات والمهارات السلوكية التي يجب أن يكتسبها الإنسان في حياته منذ الصغر، وبخاصة في مجتمعاتنا العربية التي لا تنظر إلى هذا الاتجاه على أنه ضرورة ولا تأخذه على محمل الجد.
والبعض يراه أمرا شاقا يواجه الأجيال السابقة التي لم تترب في الأصل على ممارسة هذه الثقافة، وتبعة ذلك هو دخول الأجيال المتلاحقة في سلسلة من الأخطاء ومواجهة العقد النفسية التي جاءت نتاج قرارات وخيارات عشوائية مترددة وفاشلة.
وبالتأكيد فإن الإنسان قد خلق - وهو في المعظم الأعم - مؤهلا عقليا على ممارسة الاختيار، إنما حسن الاختيار ليس فطريا فيه ولا هو موهبة منحت له، وبالتالي أصبح عليه تعلم هذا وتنميته وتقويته وصلله بخاصة وسط ظروف وضغوط وتغيرات باتت صعبة وسريعة ومتلاحقة وعليه فإن الواقع المعاش يفرض هذا التدريب على تبني هذه الثقافة وقواعدها التي تملى دراسة مهارات الموازنة بين البدائل المتاحة، وقراءة الواقع بصورة دقيقة، مع ملاحظة الظروف المحيطة بما فيها من تحديات دائمة، بالإضافة إلى تنمية القدرة على قراءة واستشراف المستقبل بناء على معطيات الحاضر وإمكانية تطوره، وعل هذا كله من شأنه ليس دفع الوقوع تماما في الخطأ وإنما تقليل هامش خطورة ذلك.
ولاشك أن الالتحاق بركب ثقافة الاختيار يكشف مدى أهمية قضية الاختيار نفسها، فالإنسان في الحقيقة لا يمارس في حياته شيئا أكثر من ممارسة فعل الاختيار ليل نهار، وعلى هذا الأساس فهو دائما من يقرر شكل ونوعية حياته. وللحق فإن الاستسهال هنا أو التبعية هو أيضا اختيار لكنه أسوأ قرار يمكن أن يتخذه الإنسان لمواجهة مصائب عصره.
مهندسو عصر الاختيار
العد فلسفة الاختيار موضوعا شائكا معقدا شغل قديما عقول الفلاسفة والمفكرين.
وحديثا أصبح مجالا في الفلسفة يدرس طبيعة الاختيار والعوامل المؤثرة فيه باعتباره جزءا من عملية الاختيار له جانب ميتافيزيقي يتعامل كما سبق القول مع عدة مضامين هامة تشمل التحكم في الذات من ناحية والمسؤولية الأخلاقية من ناحية أخرى... لذا بات هذا المجال الحديث يطرح فلسفة الاختيار من خلال مناقشة عدد من الأسئلة التي تمس مدى حرية اتخاذ القرارات والمسئولية عن تلك الحرية وتأثير عوامل أخرى على ذلك مثل الجينات الوراثية وطبيعة البيئة المحيطة بالإنسان، وتأثيرات التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي.
وقديما بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد يعلم الله مسبقا. ومن هذا الاتجاه ظهرت مذاهب فلسفية كا القدرية والجبرية والمعتزلة والأشعرية وقد امتدت حديثا فنشأت تيارات فلسفية جديدة مثل التفصيلية" التي تناقش العوامل الجسمانية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على اختياراتنا وقراراتنا، وبالطبع ما يتفاعل معها من اختلاف التكوينات الثقافية والأخلاقية والاعتبارات العقائدية والدينية التي تتحكم أحد بعيد في تصرفاتنا، ما أسفر في الحقيقة عن مزيد من التعقيد حين النظر لمسألة الاختيار من جانب هذه الفلسفة.. غير أن من الهام هنا ملاحظة أن فلسفة الاختيار ظلت مع هذا كله ليست مجرد نظريات بحتة، بل لها تطبيقاتها العملية اليومية التي تؤثر على سير احداث حياتنا في غفلة منا.
وفي كتاب "عصر الاختيار" تشرح لنا أستاذة التاريخ صوفيا روزنفيلد عبر رحلة فكرية استكشافية مسألة تطور فكرة الاختيار بوصفها ليس ترفا بل جانبا أساسيا أثر في الطبيعة البشرية، لندرك أن مفهوم الاختيار عبر الزمن لم يكن شيئا بالفعل - هامشيا بل حجر زاوية صنع الهوية الحديثة.
ولعل روزنفيلد - وهي تتتبع الجذور التاريخية لفكرة الاختيار - توضح لنا كيف تنظر للاختيار أحيانا بتشكك بل وازدراء في بعض المجتمعات السابقة. حينما أصطدم فعل الاختيار بالمعضلات الأخلاقية والثوابت الدينية وإمكانية الوقوع في الأخطاء رغم التشيت بهذه القواعد الصارمة، وهنا تأتي تأملات القديس أو جسطين مثالا واضحا على رفض فكرة حرية الاختيار لوجود مخاطر تحيط دائما بالإرادة الحرة وتعتبر مهدا للضلال.
وفي الحقيقة في أحد الأبواب الهامة من هذا الكتاب تواصل روزنفيلد رؤيتها وهي تشرح الآليات الحديثة وراء اتخاذ القرارات في المجتمعات المعاصرة وبخاصة حين دراسة الاختيار في مجالات مثل التسوق، الحياة الرومانسية والسياسية والإعلامية والإعلانية وحقوق الإنسان لنرى من خلال هذه الرؤية حقيقة من أسمتهم "مهندسي الاختيار وتكشف كيف تلاعب بنا هؤلاء وفي طريقة اختياراتنا حتى أصبحت خياراتنا ليست كاملة تماما ولا خاصة بنا بالكامل، فقد أوقعنا مهندسو الاختيار عمدا في شباك أكثر من مؤثر خارجي يتحكم بنا من وراء ستار.
وفي النهاية تدعو صوفيا روزنفيلد في كتابها الهام للتفكير ليس فقط فيما نختاره بل لماذا نختاره ومن المستفيد الحقيقي من وراء هذا الاختيار وسط عالم يتصارع من أجل مصلحته الخاصة متشدقا بالحريات، في حين يرسم ويخطط لنا طريقا لحرية زائفة بلا أي قدرة حقيقية منا بالفعل على الاختيار.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية
تربّى فى الزاوية ودرس العلوم الشرعية وكان يحب مجالس العلماء ويقربهم إليه وامتلك واحدة من أكبر وأهم المكتبات فى العالم...