كشفت بعثة حفائر الإنقاذ التابعة للمجلس الأعلى للآثار العاملة بمنطقة محرم بك بحي وسط الإسكندرية عن مجموعة متميزة من العناصر الأثرية والمعمارية التي تُسهم في إلقاء الضوء على تطور الحياة الحضرية بمدينة الإسكندرية تمثل تسلسل حضاري متكامل يبدأ من العصر البطلمي مرورًا بالعصر الروماني وصولًا إلى العصر البيزنطي.
د. عبد الرحيم ريحانرئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصريةدكتوراه في الآثار الإسلامية والقبطية- جامعة القاهرة
من أبرز المكتشفات حمامًا عامًا دائريًا من طراز (Tholoi) يرجع إلى العصر البطلمي المتأخر، إلى جانب بقايا فيلا سكنية رومانية مزودة بأرضيات من الفسيفساء متعددة الطرز ومنشآت مائية متطورة، من بينها حوض استحمام (مسبح صغير) مرتبط بالفيلا الرومانية مزود بنظام متكامل لإدارة المياه ولقى أثرية من بينها تماثيل رخامية لعدد من المعبودات مثل باخوس وأسكليبيوس بالإضافة إلى تمثال فاقد الرأس يُرجح أنه للمعبودة مينيرفا وعملات ومسارج وأوانٍ فخارية وأجزاء من أمفورات مختومة تعكس في مجملها النشاط التجاري والثقافي المزدهر الذي شهدته الإسكندرية القديمة وعلاقاتها الواسعة مع محيطها في البحر المتوسط.
حفائر الإنقاذ
حفائر الإنقاذ هي أعمال تنقيب أثري عاجلة وسريعة تُجريها بعثات متخصصة مثل بعثة المجلس الأعلى للآثار لإنقاذ وتوثيق الآثار المكتشفة بالصدفة أثناء مشاريع إنشائية أو بنية تحتية (مثل الصرف الصحي أو البناء) لمنع تدميرها وتهدف إلى صون التراث العمراني من الاندثار.
ولعبت الحفائر الإنقاذية العاجلة دورًا عظيمًا في حماية الكثير من المواقع التراث العمراني والحفاظ عليها من الاندثار الأبدي بسبب التوسع العمراني خلال العصر الحديث.
أبرز أمثلة حفائر الإنقاذ، الكشف عن أطلال معبد بطليموس الرابع في سوهاج وحصن عسكري روماني في سيناء أثناء أعمال البنية التحتية.
جماليات الفسيفساء
وتشير الدكتورة إيمان محسن شهاوي المتخصصة في الفسيفساء ومدير تسجيل وتوثيق متاحف الإسكندرية ورشيد إلى القيمة الفنية والجمالية لأرضيات الفسيفساء المنفذة بتقنيات متنوعة وهو ما يعكس مستوى فني وتقني متقدم في تنفيذ هذه الأرضيات ومن خلال الصور نري أن الأرضيات منفذة بتقنية opus tessellatum باستخدام مكعبات حجرية (tesserae) من الحجر الجيري والرخام مع اختلاف في أحجامها وألوانها.
وتُظهر إحدى الأرضيات منفذة بتقنية opus sectile، حيث نُفذت الزخارف من شرائح حجرية أكبر حجمًا ومشكّلة وفق تصميمات هندسية دقيقة، بدلا من المكعبات الصغيرة.
وتعتمد هذه التقنية على تجميع ألواح من الرخام أو الأحجار الملونة بأشكال مثلثات ومعينات ومضلعات لتكوين وحدات زخرفية متكررة، وهو ما يبدو واضحًا في التكوينات الهندسية المنتظمة ويعكس هذا الأسلوب دقة في القطع والتركيب فضلًا عن استخدام خامات ذات جودة عالية.
وتنوه الدكتورة إيمان محسن شهاوي إلى الزخارف التي تغلب على هذه الأرضيات وهي الزخارف الهندسية كالمعينات والمثلثات والتكوينات النجمية وهي عناصر ترتبط بالتقاليد الزخرفية في العصر الروماني المتأخر والعصر البيزنطي، حيث شاع استخدامها في المباني السكنية والحمّامات كما يشير وجود حمّام دائري ضمن هذا الكشف إلى تخطيط معماري مميز قد يعكس مستوى من الرفاهية ويرتبط بوظائف معيشية متطورة داخل المنازل السكنية.
ومن اللافت للنظر تنوع الأساليب التقنية والزخرفية بين الوحدات المكتشفة، بما في ذلك الجمع بين opus tessellatum وopus sectile، وهو ما قد يُفسَّر بتعدد مراحل الإنشاء أو التجديد أو باختلاف وظائف الوحدات داخل الفيلا وتؤكد هذه الشواهد استمرار استخدام الفسيفساء كعنصر جمالي ووظيفي في العمارة المحلية خلال الفترات المتأخرة مع احتفاظها بسمات التأثيرات المتوسطية.
وتُظهر الأرضيات هنا درجات متفاوتة من التدهور تشمل فقد بعض الأجزاء وتفككها ويُعد هذا الكشف إضافة مهمة لدراسة عمارة وزخرفة الإسكندرية في تلك الفترات ويسهم في توضيح تطور فن الفسيفساء في مصر ضمن سياقه المعماري.
تأسيس الإسكندرية
أسس الإسكندر الأكبر مدينة الإسكندرية التي حملت اسمه في 21 يناير 331 ق.م كمدينة يونانية وأصبحت في عام 250 ق.م أكبر مدينة في حوض البحر الأبيض المتوسط، ووضع تخطيطها المهندس الإغريقي (دينوقراطيس) بتكليف من الإسكندر لتقع بجوار قرية قديمة للصيادين كان يطلق عليها راكوتا (راقودة ) وسرعان ما اكتسبت شهرتها بعدما أصبحت مركزًا ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا ولاسيما عندما كانت عاصمة لحكم البطالمة في مصر.
وكان بناء المدينة أيام الإسكندر الأكبر امتدادًا عمرانيًا لمدن مصرية قديمة كانت قائمة وقتها ولها شهرتها الدينية والحضارية والتجارية. وكانت بداية بنائها كضاحية لمدن هيركليون وكانوبوس ومنتوس.
واكتسبت المدينة الجديدة قد اكتسبت هذه الشهرة من جامعتها ومجمعها العلمي «الموسيون» ومكتبتها التي تعد أول معهد أبحاث حقيقي في التاريخ ومنارتها التي أصبحت أحد عجائب الدنيا السبع في العالم القديم.
المقومات السياحية بالإسكندرية
تمتلك مدينة الإسكندرية مجموعة من المقومات تجعلها جديرة بأن تكون من أحد أفضل الوجهات السياحية في العالم، حيث تعد متحفًا مفتوحا للآثار المصرية القديمة واليونانية والرومانية والمسيحية والإسلامية إلى جانب متاحف متنوعة.
اختيرت بالفعل كأحد أفضل الوجهات السياحية الرائجة على مستوى العالم لعام 2021، مجموعة متنوعة من الآثار أشهرها عمود السواري والكاتاكومب وآثار منطقة أبومينا 75 كم غرب الإسكندرية وقلعة قايتباي، دير أبومينا يعد من أشهر الأديرة بجانب دير سانت كاترين في رحلة الحج المسيحي منذ القرن الرابع الميلادي، بالإضافة إلى منطقة البرعسي بأبو مينا وكنيسة برج العرب وزاوية بسيلة بقرية بهيج وجامع أبو على بحي الجمرك وجامع الإمام البوصيري بالأنفوشى.
منطقة شرق الإسكندرية تشمل طابيتين وهما الطابية الحمراء وطابية كوسا باشا وثلاثة أبراج ساحلية (أبراج 1 ، 2، 3، وطاحونتان وهما طاحونة هواء المندرة وطاحونة هواء المنتزه وكشك الشاي.
وسط الإسكندرية يضم مسجدين مهمين، وهما مسجد أنجا هانم ومسجد العطارين، وطابيتين هما طابية باب رشيد (طابية محمد علي) وطابية النحاسين وبرجين هما البرج الشرقي والبرج الغربي وصهريجين هما صهريج إبن النبيه وصهريج المباهاما إلى جانب مسرح (سيد درويش)، ومبنى أتيليه ومبنى المتحف اليوناني الروماني وجرس دير سابا والمعبد اليهودي (معبد إلياهوهنبي).
الإسكندرية تعد المجمع الخامس للأديان في مصر بعد مصر القديمة وسانت كاترين وطور سيناء والبهنسا حيث يقع بوسط الإسكندرية معبد إلياهو حنابي وكنيسة القديس سابا المعروفة بكنيسة الجرس ومسجد أنجى هانم ومسجد العطارين.
معبد إلياهوحنابي يقع بشارع النبي دانيال بمحطة الرمل وهو مسجل كأثر بالقرار رقم 16 لعام 1987 ويرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1881م وهو التاريخ المدون على اللوحة التأسيسية، أما كنيسة القديس سابا فهي من الكنائس التابعة للروم الأرثوذكس في مصر والقديس سابا ولد عام 532 وهو قديس تنسّك في فلسطين على يد القديس أفتيموس وتتميز بالعمارة اليونانية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في ظل ما يشهده العالم من توالي صور القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، صار سؤال ثقيل يتردد على ألسنة كثيرين:...
"العالم إلى أين؟" سؤال أصبح ضرورة لفهم واقع يتغير بسرعة غير مسبوقة حيث أن النظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب...
كشفت بعثة حفائر الإنقاذ التابعة للمجلس الأعلى للآثار العاملة بمنطقة محرم بك بحي وسط الإسكندرية عن مجموعة متميزة من العناصر...
وصلتني هذه الرسالة بصفتى مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب من العالم الكبير الأستاذ الدكتور سليمان بن عبدالرحمن الذييب مستشار...