كتب مذكراته وهاجم «الثورة العرابية» وجعل من والده «الخديو توفيق» حاكمًا ساذجًا يسمع كلام الإنجليز وينفذ دون مناقشة! حاول انتزاع السلطة من «كرومر» فأهانه وجعله يتراجع ويقبل بشروط الاحتلال صاغرًا سعى إلى استخدام «الحركة الوطنية» لتحقيق نصر على المندوب السامى البريطانى ومع رحيل عدوّه «كرومر» تخلى عن الوطنيين بعد المصالحة مع «غورست» والموظفين الإنجليز عزلته بريطانيا من الحكم فى بدايات الحرب العالمية الأولى ومات فى «سويسرا» بعد حصوله على تعويض مالى عن «العرش» الذى سُلب منه
هو ابن الخديو "محمد توفيق" الذى استعان بجيش بريطانيا على قوات الجيش المصرى، وهو حفيد "الخديو إسماعيل" الذى رهن مصر للأجانب وباع أرضها وشعبها لبيوت المال الأوربية، وهو ـ عباس حلمى الثانى ـ آخر من حمل لقب "خديو" فى تاريخ أسرة "محمد على" وكان خروجه من الحكم، مع بدايات الحرب العالمية الأولى، لأن بريطانيا "البلد الذى يحتل مصر" لم يثق فى ولائه لها، وكان منحازا للدولة العثمانية التى كانت لها السيادة الاسمية على مصر، وكانت تناهض بريطانيا وتنحاز إلى ألمانيا، وفى عهده، وقعت حوادث كثيرة، مؤثرة فى مسيرة الوطن، وهو نفسه الذى حاول أن يكون حاكما له سلطات فعلية، لكنه اضطر للخضوع والخنوع، لأن دوافعه كانت شخصية، ولم يكن وطنيا، بل كان يستخدم "الحركة الوطنية" فى معركته ضد "كرومر" ولما جاء معتمد بريطانى جديد "غورست" وتصالح معه، وتركه ينهب "أموال الأوقاف" ويبيع "الرتب والألقاب" تخلى عن الحركة الوطنية، بل سعى إلى تخريب "الحزب الوطنى" ذاته..
الخديو "عباس حلمى" ـ الثانى ـ لأن فى عائلة "محمد على" التى حكمت مصر منذ "15مايو1805" شخصا آخر اسمه "عباس الأول" مات مقتولا على أيدى "غلمان" فى قصر "شبرا الخيمة" وهو ابن "طوسون بن محمد على" أما ـ عباس الثانى ـ فهو "عباس حلمى بن محمد توفيق بن إسماعيل بن إبراهيم بن محمد على"، والفارق بينه وبين أبيه "محمد توفيق" كبير، فمن حيث مستوى التعليم هو أكثر من أبيه حظا، درس فى النمسا، وأبوه لم يخرج من مصر، وتلقى التعليم المتاح فى مصر، لأنه ابن جارية، لم تكن زوجة رسمية، ومن حيث طريقة الوصول إلى "كرسى العرش"، كان صعود والده "محمد توفيق" بقرار من الدول الدائنة التى امتلكت "السيادة" على مصر، بموجب الديون التى استدانها "الخديو إسماعيل" ورهن موارد مصر من أجلها، وتم عزل إسماعيل فى 1879 وتولية "محمد توفيق" وجاءت "الثورة العرابية" واحتمى ـ توفيق ـ بالجيش البريطانى كى يبقى على "كرسى العرش" وأصبحت مصر تحت الاحتلال العسكرى البريطانى، والخديو "عباس حلمى الثانى" كان كذابا، مثل أبيه "محمد توفيق" فى روايته للثورة العرابية، والدليل قوله فى مذكراته التى صدرت عن دار الشروق فى القاهرة ـ 1993" بترجمة: دكتور جلال يحيى ومراجعة دكتور إسحق عبيد وتقديم دكتور أحمد عبدالرحيم مصطفى:
ـ تولى الأمير توفيق العرش، فى عام 1879، خلفا لوالده، إسماعيل العظيم، وأثناء أخطر الأزمات المصرية، وإذا كانت الإنفاقات الناتجة عن حفر قناة السويس "1869" وكرم "إسماعيل" الذى كان يحلم بأن تكون لمصر حضارة حديثة، مثل الدول الأوربية، قد حفرت خندقا خطيرا فى المالية المصرية، فليس أقل من ذلك حقيقة أن هذه التهورات المزعومة لهذا الحاكم المحب للفخامة ـ جدى ـ قد دفعت البلاد فعلا على طريق العمل، وصوب مرحلة من الازدهار.
ثم يواصل عباس حلمى الثانى الكذب فى مذكراته ويقول عن والده والصراع بينه وبين الثوار العرابيين:
ـ أما خليفته فكان يرغب فى التمكن من إنقاذ مصر من هذا الشقاء الذى لايمكن علاجه، وظهر أنه يوافق وبحسن نية، على الاستماع إلى نصائح الدول، فأعاد إنشاء "المراقبة الثنائية" وهى ذلك الشكل الخفى والقبيح "للسيطرة الفرنسية الإنجليزية" ووافق على قبول ممثليهم فى اللجنة الدولية للتصفية التى كانت تعمل على ضمان حقوق كل دائنى مصر، عن طريق تدخل الدول، وأخذت الأعمال الأولى لحكومة توفيق أملا فى فترة مقبلة من الإصلاح الاقتصادى وسيادة الهدوء فى البلاد ولكن هذا لم يتحقق، وأخذت الثورة تزأر ضد الحاكم فى الأوساط العسكرية، ونسبوا إليه التفضيل الزائد لعدد من الضباط من أصل جركسى، وكلفوا ضابطا مصريا، من تحت السلاح، والذى عينه والدى بعد وصوله إلى العرش فى رتبة أميرآلاى، ويسمى "أحمد عرابى الحسينى" والذى سيحصل سريعا على شهرة حزينة بعمله الثورى، على أن يقدم للخديو التماسا بطلب طرد وزير الحربية، عثمان رفقى، وعلى العكس من ذلك قام "عثمان رفقى" وبتوجيه ماكر من الأجانب، بخلق شقاق بين العناصر العسكرية، وباستدعاء عرابى وصاحبيه، والذين كلفوا بتقديم الالتماس إلى الخديو، لكى يبلغهم بطردهم من الجيش، وتعيين ضباط جراكسة، وأخيرا بالقبض عليهم بسبب موقفهم المتعارض مع القوانين والأخلاق العسكرية ..
هذا ما ذكره الخديو عباس حلمى الثانى فى مذكراته التى حملت عنوان "عهدى" وكلها أكاذيب، استهدف منها تبرئة والده من تهمة "الخيانة العظمى" وسرد الحوادث بطريقة جعلته "الخديو الساذج" المغلوب على أمره، وهو لم يكن ساذجا، بل كان متآمرا، والدليل موجود فى قبوله مذكرة "25يناير1881" التى صاغتها بريطانيا وفرنسا، وفيها طلب استبعاد عرابى وعبدالعال حلمى ومحمد عبيد، من القاهرة إلى الريف، وفيها ما يمس السيادة الوطنية، وهنا لا ينسى التاريخ محاولة "محمود سامى البارودى" لعرقلة هذه المذكرة الجائرة، لكن الخديو توفيق، قبلها، وأهدر استقلال البلاد، وتوالت الأحداث، فإذا به يسافر إلى الإسكندرية، ليكون فى حماية قوات بريطانيا، التى دخلت مصر بعد معارك خاضها الجيش الوطنى المصرى مدعوما بتضحيات هائلة من الشعب، وانتهى الأمر بالخيانة من "توفيق" و"ديليسبس" وبعض العربان "سعود الطحاوى وأمثاله" وبعض ضباط الجيش الموالين للخديو، وانتهى الجيش المصرى وتم تسريحه، وفقدت مصر سيادتها، وأصبحت بريطانيا تحتلها بقوة السلاح، ولكن "عباس حلمى" الثانى، سعى لتبرئة والده، فجعله فى صورة الساذج الخائب الذى لا إرادة له، ويسمى الخيانة "حسن نية!" ودفع الشعب المصرى ثمن خيانة "توفيق" على مدى أربعة وسبعين عاما، وكان الاستقلال بتضحيات قدمها العسكريون الوطنيون والفدائيون من المدنيين فى معارك جرت فى منطقة قناة السويس، عقب إلغاء معاهدة 1936، وجاءت ثورة الجيش "الضباط الأحرار" لتطرد بريطانيا من الأراضى المصرية، وحاولت بريطانيا إعادة احتلال مصر فى العام 1956، ردا على قرار "تأميم قناة السويس" الذى اتخذه الزعيم الوطنى "جمال عبدالناصر" والتف الشعب حول قيادته الوطنية، وفشل العدوان، واستردت مصر حريتها واستقلالها .
الخديو الأخير
بموجب اتفاقية لندن 1840 التى جعلت حكم مصر وراثة فى أكبر الذكور فى عائلة محمد على، وبموجب "المؤامرة" التى قام بها "الخديو إسماعيل" بالتواطؤ مع "الباب العالى" العثمانى، أصبح "الخديو" مقصورا على نسل "إسماعيل" وحده، و"عباس حلمى الثانى" هو حفيد "إسماعيل" من ولده "محمد توفيق"، ولما توفى "محمد توفيق" صدر فرمان عثمانى بتولية "عباس حلمى الثانى" فى "8يناير1892" وظل فى منصب "خديو مصر" حتى عزله فى "19ديسمبر1914" بقرار بريطانى، ليكون هو "الخديو الأخير" والسابع فى ترتيب أفراد أسرة محمد على، الذين حكموا مصر، وألغى لقب "خديو" وتولى "السلطان حسين كامل" عم الخديو المعزول، ثم تولى عمه الثانى "السلطان أحمد فؤاد" وهو نفسه الذى حمل لقب "الملك" بعد ثورة 1919 وكتابة دستور1923 الذى منح "السلطان" لقب "الملك" ومنحه حق التمثيل الدبلوماسى فى الدول من خلال سفارات، ومنحه حق الحكم من خلال الوزراء، ثم جاء من بعده "الملك فاروق" الذى عزله "الضباط الأحرار" ونقلت سلطاته إلى ولى عهده "أحمد فؤاد" وألغيت المملكة، وأعلنت "الجمهورية" وانتهى عصر أسرة محمد على .
وكان "عباس حلمى الثانى" الذى درس فى "المدرسة العلية" التى أنشأها والده فى قصر عابدين، ثم سافر للدراسة فى "سويسرا" و"النمسا" ـ درس العلوم السياسية والعسكرية ـ وحصل على رتبة "باشا" باعتباره أكبر أبناء "توفيق" وولى عهده، على موعد مع "العرش" والسلطة، فى يوم "الجمعة 8يناير1892"، لما وردت إليه برقية من رئيس مجلس النظار، تبلغه بوفاة والده "الخديو توفيق" وتدعوه للعودة إلى مصر، وفى اليوم التالى تلقى رئيس مجلس النظار "الوزراء" المصرى، برقية من "الصدر الأعظم" للدولة العثمانية تفيد بتولية "عباس حلمى" خديوية مصر، وفقا لفرمان وراثة "الخديوية" لكونه الابن الأكبر للخديو المتوفىَ، وسعى ـ عباس ـ للتقرب للشعب المصرى، بهدف محو أثر خيانة والده، فالشعب الذى قدم الشهداء وحارب وتصدى للجيش البريطانى، كان يعرف أن "محمد توفيق" هو "الخديو" الخائن للوطن والشعب، ومن أعماله التى حاول التقرب بها للشعب، إشاعة أخبار حول اعتزامه مقاومة النفوذ البريطانى، وممارسة "سلطاته" الشرعية باعتباره "خديو" بقرار من "الدولة العثمانية" صاحبة السيادة على مصر منذ العام 1517 عقب سقوط "دولة المماليك" ودخول "السلطان سليم الأول" العثمانى ـ القاهرة ـ وتغلبه على "طومان باى" السلطان الأخير فى دولة المماليك، وقيامه بالعفو عن "العرابيين" مثل "عبدالله النديم" و"حسن موسى العقاد" و"على قبودان" وغيرهم، وتعيينه "روليه" مستشارا له، وهو صديق له عاد معه من "النمسا" ورأى فيه القدرة على التصدى لنفوذ "كرومر" ـ المعتمد البريطانى فى مصرـ وكان "روليه" يحرض "عباس" على العمل لاستعادة نفوذه وحقوقه الشرعية، وهو الذى حرضه على مطالبة "كرومر" بإخراج قوات الجيش البريطانى من "القلعة" التى كانت مقر الحكم فى مصر، حتى عصر "الخديو إسماعيل" الذى نزل منها وحكم البلاد من "قصر عابدين" ويروى ـ أحمد شفيق باشا ـ أحد باشوات "الخديو" المقربين منه فى مذكراته ما جرى من "روليه" مستشار الخديو، وأثره على تكدير الصفو بين "كرومر" و"الخديو" الشاب :
ـ كان "روليه" قد تعرف بمسيو "إيفانوف" قنصل "روسيا" بالقاهرة، واختلط به، فكان "روليه" يفشى له بعض أسرار السراى، مفتخرا بأن "عباس" يصغى إليه ولكل ما يبديه من آراء ويعمل بها، غيرعالم بوصول حديثه إلى بعض الإنجليز، من أصحاب "إيفانوف" وهؤلاء ينقلونه إلى "كرومر" وكان أغلب الموظفين الإنجليز متذمرين من ملاحظات "الخديو عباس" عليهم لأنهم لم يألفوها من غير ـ العميدـ "أى كرومر" ولما رجع "كرومر" من إجازته الصيفية علم بمسألة "بِرِى"، مفتش الرى البريطانى الجنسية، وعلم بإرسال الأوامر من "المعيّة" إلى المديريات رأسا بخصوص الفيضان وغيره، كل ذلك لم يرُق فى عين "العميد" وخشى أن تضيع السلطة من يده، وينتهى الأمر بأن يقبض "عباس" على ناصية الحكم، ولكنه رغم ذلك لم يجرؤ على توجيه أى انتقاد للخديو، لأنه يعمل فى دائرة حقوقه الشرعية، فتربص لمناوأته عند أول خطأ يقع فيه.
ونقل أحمد شفيق عن "كرومر" ما قاله فى حوار له مع "روليه" مستشار "الخديو عباس" وهو قاصد تبليغه للخديو:
ـ إنى لا أقبل أن يتعرض "القصر" للشئون السياسية، وأعلم أن ما سُجِّل للمغفور له "الخديو السابق" من الفضل الكبير، ولاسيما فى آخر حكمه وبفضل نصائحى له، يرجع إلى اعتماده على "النظار" ـ الوزراء ـ فى إدارة دفّة الحكم، وقد رأى من الحكمة أن يخالف خطة الاستئثار التى جرى عليها "إسماعيل" وهى الخطة التى أفضت إلى حالة مصر الحاضرة، فإذا أراد "عباس" أن يتبع هذه الخطة، فسوف يكرهه الناس، بدليل أنهم يشكون ـ الآن ـ من سلوكه الاستبدادى، أوربيين كانوا أو وطنيين، فالاستياء عام وشامل، ولست أدرى لماذا لايقولون "يقصد مستشارى الخديو" لهذا الشاب :
ـ أنت مخطئ يامولاى .
حرب سياسية طاحنة
الخديو "عباس حلمى الثانى" لم تكن تعوزه الانتهازية السياسية، وكان يرى نفسه، صورة من جده "الخديو إسماعيل" وهو بالفعل، كان يسعى بذات الخطوات على ذات الطريق، رغم اختلاف الوضع السياسى، فالجد، هو الذى باع العباد والبلاد واقترض وأنفق على ما سماه، حلم التحديث، لكنه تحديث "شخصى" بمعنى أنه كان يسعى للشراكة الدولية مع القوى المالية العالمية فى تلك الحقبة، فبنى مصانع السكر فى الصعيد، وهو المستفيد بثمارها، وهو الذى شق الترعة الإبراهيمية، لتروى أرضه، والقروض التى استدانها، أنفق منها على "البنية التحتية" لكنه أنفق غالبية هذه "الملايين" على نزواته الشخصية، والخديو ـ عباس حلمى ـ حفيد "إسماعيل" هو الذى مد خط السكة الحديد بين مديريتى "أسيوط" و"جرجا" وهو نفسه الذى استولى على أراضى الأوقاف الخصبة، وهو الذى قام بترميم الآثار الإسلامية، ومنها مساجد آل البيت، وهو نفسه الذى تقرب إلى الأعيان المصريين، وهو نفسه الذى عيّن "بطرس غالى" رئيسا للنظار، وكان هو مؤسس "اللجنة السرية" التى ضمت مجموعة من الشبان الوطنيين، ليكونوا عونا له على عدوّه القوى "كرومر"، ومن المهم أن نسترجع شريط الأحداث السياسية، التى توضح لنا "انتهازية" الخديو الأخير، وولاءه لذاته، واستخدامه لكل الأوراق المتاحة بهدف تدعيم مركزه السياسى، وليس تحرير مصر من الاحتلال البريطانى، وكما يقول المصريون فى أمثالهم الشعبية "الغُربال الجديد له شدَّة"، قررـ الخديو الشاب "عباس حلمى الثانى" أن يذبح "القطة" للورد "كرومر" ـ الذى كان لقبه "العميد البريطانى" وكان هو نائب جلالة ملك بريطانيا المتصرف فى كل شىء، وكانت عملية إقالة "مصطفى فهمى" رئيس النظار ـ الصديق المخلص للإنجليزـ ولكن "فهمى" كان يعرف قوة الاحتلال، فقال لرسول "الخديو" الشاب المتهوّر، إنه من الأفضل استشارة "اللورد كرومر" قبل التسرع واتخاذ قرار إقالة الحكومة، وتحول الأمر إلى أزمة سياسية كبرى، فاللورد كرومر رفض قرار إقالة "مصطفى فهمى" ورفض ترشيح "تيجران بك" لرئاسة "النظارة" بحجة أنه "مسيحى" ورئيس النظارة لابد أن يكون من المسلمين، ورشح ـ الخديو ـ حسين فخرى باشا، بدلا عن "تيجران بك" وكان ـ كرومرـ قد أرسل برقية إلى "لندن" تضمنت محاولة "الخديو" الانفراد بقرار تعيين رئيس النظار "الوزراء" وجاء الرد من لندن :
ـ إن الحكومة الإنجليزية تنتظر أن يؤخذ رأيها فى المسائل الخطيرة، مثل مسألة تغيير النظّار، وأنه فى الوقت الحاضر، لاتبدو أية ضرورة للتغيير، لذلك لاتستطيع الحكومة الإنجليزية أن توافق على تعيين حسين فخرى باشا..
وتضمنت البرقية الواردة من ـ الخارجية البريطانية فى لندن ـ إلزام "الخديو" بإحاطة "كرومر" بكل ما يقدم عليه من قرارات والاستعانة برأيه، وفى حال عدم الالتزام، ستكون "العاقبة وخيمة" على الخديو !
وهنا ظهر الساسة لحل "المشكل السياسى" الذى أوقع فيه "عباس" نفسه، ومنهم "بطرس غالى" و"تيجران"، اللذان توجها إلى مقر "العميد" أو المعتمد البريطانى "كرومر" وتوصلا معه إلى حل، تضمن عدم عودة مصطفى فهمى إلى رئاسة النظارة، واستقالة حسين فخرى، وتعيين "رياض باشا" رئيسا للنظار، وهو مقترح من "كرومر".
ولم يتعلم ـ الخديو ـ الدرس، وأوقع نفسه فى مأزق جديد، والذى حدث هو أن "عباس حلمى" شهد عرضا عسكريا للجيش المصرى عند الحدود المصرية فى الجنوب، وانتقد أداء الضباط الإنجليز، العاملين فى الجيش، وكان "كتشنر" هو قائد الجيش "سردار" واعتبر أن هذا الانتقاد إهانة له، وأبلغ "كرومر" بما حدث، وكانت النتيجة هى إلزام "الخديو عباس" بالاعتذار وأرسل هذه البرقية، قبل أن يعود من رحلته فى "الصعيد" إلى القاهرة :
ـ قبل أن أترك الوجه القبلى وأعود إلى "مصر" أريد أن أكرر ما أظهرته من العناية وحُسن الالتفات للجيش عند زيارتى للحدود، وأؤيد حُسن رضائى الذى أبديته لكم من جهة حُسن حالة الجيش ونظامه، وأننى لمسرور من أن أهنئ الضباط الذين يرأسونه مصريين كانوا أو إنجليز، وإننى لمرتاح أيضا بأن أقدِّر الخدمات التى أدَّاها الضباط الإنجليز لجيشنا، حق قدرها، وأملنا أيها ـ السردارـ أن تعلنوا أمرنا هذا للضباط والعساكر ..
ولم يكتف "كرومر" باعتذار "الخديو" بإرسال البرقية إلى "كتشنر" بل طلب نشرها باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية فى الجريدة الرسمية وتحقق له ما أراد..!
اللجنة السرية
وكانت "اللجنة السرية" المكونة من مجموعة من الشبان الوطنيين أداة من أدوات الصراع، استخدمها "عباس" ضد "كرومر" ولما وقعت حادثة "دنشواى" وقاد "مصطفى كامل" ـ عضو اللجنة السرية ـ المعركة ضد "كرومر" فى الداخل وفى أوربا، حتى أن الفيلسوف "برناردشو" أدان "كرومر" وما جرى للفلاحين من إعدام وسجن وتعذيب، وفى العام التالى للحادثة "1907" غادر "كرومر" مصر، بهدف امتصاص الغضب الشعبى الذى تفجر ضد الاحتلال البريطانى، وجاء "غورست" واتبع سياسة جديدة فى مصر، منحت "عباس" بعض سلطاته، فاقترب من الاحتلال، وابتعد عن "الحركة الوطنية" وانقطعت المودة بينه وبين "مصطفى كامل" زعيم الحزب الوطنى، وتولى "محمد فريد" رئاسة الحزب، وعرف أن "الخديو" يريد تحقيق مصالحه الشخصية، مستخدما الوطنيين، ورفض المساعدة المالية التى عرضها عليه "الخديو" وابتعد "الحزب الوطنى" عن "السراى" واقترب "السراى" من دار المعتمد البريطانى، بعد أن ترك له أراضى الأوقاف، يعبث بها، ويضمها إلى أملاكه، وترك له بيع "الرُّتب والنياشين" للراغبين من ذوى الأملاك والأعيان، وجاءت الحرب العالمية الأولى لتضع نهاية حكم "الخديو الأخير"، فقد كان فى رحلته المعتادة إلى "أسطنبول" وتفجرت الحرب، وانحازت الدولة العثمانية إلى ألمانيا، ضد بريطانيا والحلفاء، فقررت بريطانيا عزل "عباس" ومنعه من العودة إلى مصر، الأمر الذى جعل المصريين يخترعون الهتاف المشهور "الله حى ّ..عباس جاىّ" ولم يأت "عباس" وجاء عمه "السلطان حسين كامل" وكان مجرد "موظف" يتلقى الأوامر من المعتمد البريطانى، وبعد وفاته جىء بالسلطان "أحمد فؤاد" وهو شقيق "حسين كامل" وعم "عباس" وأصغر أولاد "الخديو إسماعيل" وكان مطيعا للاحتلال، معاديا للحركة الوطنية، ومات "عباس حلمى" فى "سويسرا"ـ بعد أن حصل على مبلغ ثلاثين ألفا من الجنيهات تعويضا من خزانة الحكومة المصرية ـ فى يوم "18ديسمبر1944" وطويت صفحة الخديو الأخير، ولم يتبق منه سوى ست عمارات بناها فى وسط القاهرة، وكوبرى حديدى "كوبرى إمبابة" ومحطات سكة حديد فى أسيوط و"جرجا" التى هى "سوهاج" فى الوقت الحالى .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...
السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...
مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....
لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...