شخصيات لها تاريخ «39» الفريق سعد الشاذلى.. مهندس حرب «العبور المَجيد»

التحق بالحرس الملكى وحارب فى فلسطين وأسس سلاح المظلات ودرس العلوم العسكرية فى واشنطن وموسكو كان قائدا حقيقيا استطاع إنقاذ القوات التى يقودها بعد قرار الانسحاب فى «يونيو1967» بفضل ذكائه وخبراته رفيعة المستوى كان يؤمن بنظرية تعليم الحرب بالحرب ويعتمد المنهج الواقعى الذى لايقلل من قوة العدو عند وضع خطة الحرب يوم وفاته خرجت جماهير الشعب المصرى فى موكب مهيب لتوديعه إلى مثواه الأخير تقديراً لدوره فى الدفاع عن الوطن

هو عبقرى من عباقرة العسكرية المصرية، وصانعُ بطولات ومهندسُ حربِ العبور المجيد فى اليوم المجيد "العاشر من رمضان 1993 هجرى ـ السادس من أكتوبر1973 ميلادى" وذلك اليوم الكبير من أيام الوطن، يحتل فيه "الفريق سعد الشاذلى" مكانة الصدارة، دون أن يقلل ذلك من أدوار وتضحيات الأبطال الآخرين من رجال الجيش المصرى، ومن ميزاته ـ رحمه الله ـ أنه كان قائدا ناجحا، وكان يمتلك معرفة واسعة بالعلم العسكرى الــتقــــدم، فهــو درس هذا العــلــم فى "واشنطن" و"موسكو" عاصمتى القوتين العظميين فى زمانه، وحارب فى فلسطين فى العام 1948 وحارب ضمن الجيش المصرى فى  "معركة العلمين" التى فرضها وجود الجيش البريطانى على أرض مصر ونصوص معاهدة 1936 التى تفرض على مصر تقديم كل إمكاناتها العسكرية للجيش البريطانى فى حروبه، وكانت الحرب العالمية الثانية ورَّطَتنا فى معركة بين الحلفاء والمحور على أرض "العلمين" وشارك ـ رحمه الله ـ فى كل الحروب التى خاضها الجيش المصرى ضد إسرائيل، ولأنه كان موهوبا فى القيادة والعلم العسكرى اختير لمنصب "رئيس أركان القوات المسلحة المصرية" ابتداءً من العام "1971" حتى نهاية العام 1973" أى أنه حارب فى "حرب الاستنزاف" وشارك فى وضع خطة "العبور" وتولى تنفيذها مع القادة والجنود واستحق المكانة الرفيعة فى قلوب الشعوب العربية وبالأخص قلوب المصريين.

الفريق سعد الشاذلى له شهادة موثقة بالصوت والصورة ضمن أرشيف قناة "الجزيرة" وهى عبارة عن مجموعة مقابلات تناول فيها كل ما يخص الصراع العربى الإسرائيلى، وأفاض فى ذكر الأسباب التى أدت إلى هزيمة "5 يونيو 1967" وفوز "إسرائيل" بنصر سريع، وذكر تفاصيل حرب السادس من أكتوبر1973، ودوره والخلاف الذى وقع بينه وبين "السادات" رئيس الجمهورية ـ القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكان ـ الشاذلى ـ كتب مذكراته ونشرها باللغة العربية وصدرت منها عدة طبعات، ولقى بسببها من العناء الكثير، ودخل السجن الحربى متهما بتهمة "إفشاء الأسرار العسكرية"، وكان صادقا فى أحاديثه ومذكراته، والدليل على صدق الرجل ما كتبه الخبير العسكرى ـ طه المجدوب ـ فى كتابه المشهور "هزيمة يونيو.. حقائق وأسرار" ـ دارالهلال بالقاهرة ـ عن مقدمات "هزيمة يونيو" والعلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية فى الأيام التى سبقت الحرب:

"ـ يعتبر يوم 2 يونيو 1967 من الأيام المهمة التى أثرت على أحداث الحرب والتطورات التى وقعت بعدها، ففى هذا اليوم اجتمعت القيادة السياسية والقيادة العسكرية بمقر القيادة العامة للقوات المسلحة من أجل المراجعة الأخيرة لخطة العمليات، وكان الاجتماع يهدف إلى استعراض الموقفين السياسى والعسكرى بعد تشكيل "وزارة الحرب" فى إسرائيل واتخاذ القرارات المناسبة، وفى هذا الاجتماع ذكر رئيس الجمهورية أن احتمال قيام إسرائيل بشنّ الحرب قد أصبح مؤكدا بنسبة مائة بالمائة، وأكّد على ضرورة الاستعداد لتلقَّى الضربة الجوية الأولى المنتظر أن توجهها إسرائيل إلى مصر، خلال يومين على الأكثر، وقد استمع هذه التوجيهات كل من نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ورئيس هيئة أركان الحرب وقائد القوات البرية، وقائد القوات الجوية، وقائد الدفاع الجوى ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، ويبدو أنه رغم هذا التحذير لم تتخذ أية إجراءات، سواء فى القوات الجوية أو فى جبهة القتال فى سيناء لمواجهة الاحتمال الذى أكده رئيس الجمهورية، والغريب أن رغم هذا التأكيد على بدء إسرائيل الحرب فى ظرف يومين، أن تجىء معلومات المخابرات فى نفس اليوم مرجحة عدم قيام إسرائيل بعمل عسكرى هجومى، نظرا لصلابة الجبهة العربية التى ستجبر إسرائيل على تقدير العواقب المختلفة المترتبة على اندلاع الحرب، ويبدو أن هذه المعلومات وغيرها، والاستنتاجات غير السليمة الصادرة عن أجهزة المعلومات المصرية قد ساهمت إلى حد كبير فى خلق حالة من التهاون والتراخى فى تنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية".

وكان "سعد الشاذلى" فى قلب المعركة، وكان الأكثر ذكاءً والأقوى فى التعامل مع القرار العشوائى الذى صدر للقوات المسلحة الموجودة، نقصد قرار الانسحاب الذى تسبب فى  فداحة الخسائر فى الأرواح والعتاد، وجعل جنودنا هدفا سهلا للطيران الإسرائيلى، وذكاء ـ الشاذلى ـ تمثَّل فى الاتجاه شرقا ودخول "صحراء النقب" فى فلسطين المحتلة، والسير ليلا فى طريق العودة، الأمر الذى حافظ على القوات وكانت نسبة الخسائر قليلة لا تزيد على العشرة بالمائة، وهذا الذكاء فى التعامل مع القرار العشوائى، منحه احترام القيادة العسكرية والسياسية، وهذه القدرات التى تمتع بها ـ الفريق سعد الشاذلى ـ لها أصول ومنابع، فهو من مواليد قرية "شُبرا تَنَا" فى مركز "بسيون" فى الغربية، والده هو الحاج الحسينى الشاذلى، وأمه السيدة "تفيدة الجوهرى"، كانت عائلته مستورة، تملك من الأطيان ما يجعلها ذات مكانة طيبة فى القرية، لكنها لم تكن عائلة إقطاعية، وكان والده يحب الزعيم الوطنى "سعد زغلول" فأطلق اسم "سعد" على ولده، والولد كانت لديه ميول وطنية فاختار الكلية الحربية، وتفوق فيها، وبعد تخرجه، وقع الاختيار عليه ليكون ضمن "الحرس الملكى" وشارك فى حرب فلسطين، وكان له دور مهم فى تأسيس "سلاح المظلات" فهو أول من أسس أولى فرق هذا السلاح، وهو قائد الكتيبة "75 مظلات" أثناء "العدوان الثلاثى" فى فترة العدوان الثلاثى فى العام 1956.

وكان قائد اللواء الأول "مشاة" فى حرب اليمن، وقائد القوات الخاصة "المظلات والصاعقة" فى الفترة من 1967 إلى 1969وتولى قيادة منطقة البحر الأحمر العسكرية فى العام 1970 وفى العام 1971 اختاره "السادات" ليكون "رئيس أركان حرب" القوات المسلحة.

ومن المصادفات التاريخية أن كان دفعة "خالد محيى الدين" فى الكلية الحربية، وعمل مع "جمال عبد الناصر" فى مدرسة الشئون الإدارية وهى مدرسة عسكرية، وأقاما فى شقتين فى عمارة واحدة فى "العباسية" بالقاهرة، وكان عضوا  فى "الضباط الأحرار" لكنه لم يشارك فى ليلة "23يوليو 1952" لأنه كان فى دورة تدريبية، وكان "عبد الناصر" يعرف وطنيته وشجاعته، فاختاره للقيام بمهمة عسكرية فى "الكونغو" بناء على طلب الزعيم "لومومبا" الــذى كــان حليفا للرئيس "عبد الناصر" فى مقاومة الاستعمار الأوربى، ووقع الانقلاب عليه من جانب رئيس الأركان، واستطاع ـ سعد الشاذلى ـ أن يؤمن خروج أسرة "لومومبا" بعد استيلاء قوات الانقلاب على مقاليد السلطة، واستطاع بخبرته العسكرية حماية القوات المصرية والسورية التى كانت تحت قيادته والحفاظ على أرواح الجنود والضباط، وكانت مهمة ـ الشاذلى ـ تحت راية الأمم المتحدة، وكان معه من الضباط المصريين "أحمد إسماعيل على"ـ وزير الحربية فى عام النصر 1973ـ وتولدت بينهما خلافات، تحولت إلى كراهية، وهذه الكراهية عانى منها ـ الشاذلى ـ عقب رجوعه إلى عمله فى الجيش المصرى، ورغم نجاح "عبد الناصر" فى منع الصدام بين الرجلين، بمنع "أحمد إسماعيل" وهو فى منصب رئيس الأركان، من زيارة سلاح المظلات الذى كان تحت قيادة "سعد الشاذلى" ولكن بعد وفاة "عبد الناصر" وانتصار "السادات" على مجموعة الوزراء الناصريين فى ما سماه "ثورة التصحيح" فى منتصف مايو 1971 اختار أحمد إسماعيل ليتولى منصب وزير الحربية واختار "سعد الشاذلى" لمنصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وهو اختيار يخدم مصالح "السادات" فهو من استدعى "أحمد إسماعيل" من "المعاش" ليكون رئيس المخابرات العامة، ثم وزير الحربية، وهو نفسه الذى سرق منه العدو الإسرائيلى "رادار" أيام كان قائد منطقة البحر الأحمر العسكرية، وبعد عزله تولى المسئولية "سعد الشاذلى" وكان السادات يقصد بهذا الاختيار، الاستعانة برجل تسهل السيطرة عليه، وكان اختياره "سعد الشاذلى" لمنصب رئيس الأركان، لأن سعدا لم يكن محسوبا على فرقة الوزراء الناصريين الذين أقالهم وأودعهم السجون ومن أشهرهم وزير الحربية الفريق محمد فوزى ووزير الداخلية شعراوى جمعة ووزير الإعلام محمد فايق.

 الكونغو وشِدوان

الكونغو فى حياة الفريق سعد الشاذلى محطة مهمة، وجزيرة شدوان المصرية محطة أكثر أهمية، الأولى كانت محطة العمل العسكرى الذى يخدم مصالح مصر فى أفريقيا، والثانية كانت معركة من أجل التراب الوطنى، والذى حدث أن الرئيس عبدالناصر، اختار "سعد الشاذلى" وكان فى رتبة "العقيد" للقيام بمهمة فى "الكونغو"، وكانت طبيعة المهمة "قيادة كتيبة مظلات" بطلب من رئيس الوزراء "لومومبا" وبالتنسيق مع "داغ همرشولد" الأمين العام للأمم المتحدة، بهدف حفظ السلام فى "الكونغو" ومنع "بلجيكا" من إعادة احتلال هذه الدولة الأفريقية، وكانت الكتيبة مكونة من خمس سرايا، أربع منها تنتمى للجيش المصرى، والخامسة من الجيش السورى، وكانت "الجمهورية العربية المتحدة" قائمة، ودولة الوحدة كما هو معروف ضمت مصر وسوريا، وكانت هناك حكومة مركزية، واندماج فى كل القطاعات والجيش كان خاضعا لهذه "الوحدة" وقام ـ الشاذلى ـ بالمهمة المكلف بها، حتى استطاع "الجنرال موبوتو سيسيكو" القيام بانقلاب عسكرى، وتمكن "لومومبا" من الهرب لكنه اعتقــل فيمــا بعد "يناير1961" وتم قتله، وكان ـ عبد الناصرـ أرسل "العميد أحمد إسماعيل" إلى حكومة "لومومبا" لمعرفة احتياجاتها العسكرية، وهنا التقى "العقيد سعد الشاذلى" و"العميد أحمد إسماعيل" ووقع بينهما الخلاف وتبادلا العبارات القاسية الخشنة، وانتهت المهمة، وعادا إلى القاهرة وفى قلب كل منهما كراهية، وجاءت حادثة "شدوان" فى العام 1970 وهذه الحادثة عبارة عن قيام جيش إسرائيل بمهاجمة جزيرة شدوان الواقعة فى البحر الأحمر، وقيام "اللواء سعد الشاذلى" بالتصدى للهجوم الإسرائيلى فى معركة استمرت ستّا وثلاثين ساعةً، والمصادفة وحدها خلقت ـ المقارنة ـ بين سلوكى القائدين، القائد "أحمد إسماعيل" سرقت منه إسرائيل "رادار" وعزله "عبدالناصر" من الخدمة العسكرية، والقائد "سعد الشاذلى حرر جزيرة "شدوان" وتصدّى لجيش إسرائيل وحرمه من السيطرة على هذه الجزيرة ذات الأهمية الاستراتيجية للجيش المصرى.

 القائد الواقعى

من يستمع أحاديث الفريق سعد الشاذلى عن خطة العبور، والاستعداد الذى سبق لحظة العبور المجيد، ومن يقرأ مذكراته التى دوّنها بعد خروجه من الخدمة العسكرية، يكتشف أن الرجل "قائد" يعتز بنفسه، لايعرف الخوف، ولايمكن كسره بسهولة، ولديه حس واقعى، بمعنى الإدراك الصادق للمتاح من قدرات وإمكانات، دون تهوين أو تهويل، فهو كان يعرف أن قدرات سلاح الجو الإسرائيلى تفوق قدرات سلاح الجو المصرى، لأن ساعات التدريب التى تلقاها الطيارون الإسرائيليون تفوق العدد الذى تلقاه الطيارون المصريون، والطائرات الأمريكية التى لدى سلاح الجو الإسرائيلى لديها قدرات أعلى من تلك التى لدى الطائرات السوفييتية، وكان يعرف أن الدفاع الجوى المصرى "الثابت" يختلف عن "الدفاع الجوى المتحرك" وفى الوقت ذاته كان يعرف نقاط الضعف التى لدى العدو الإسرائيلى، وفى ضوء هذه المعرفة والخبرة الميدانية صاغ خطة العبور، والاستيلاء على عدة كيلومترات من أرض سيناء، على أن تصبح "الوقفة التعبوية" بداية المعارك الطويلة التى لايحتملها جيش إسرائيل.

ولكى نفهم شخصية القائد العسكرى الواقعى "سعد الشاذلى" نقرأ هذه السطور من مذكراته:

ـ لم نكف عن التفكير فى الهجوم على العدو الذى يحتل  أراضينا، حتى فى أحلك ساعات الهزيمة فى يونيو 1967، لقد كان الموضوع ينحصر فى "متى يتم مثل هذا الهجوم؟" وربط هذا التوقيت بإمكانات القوات المسلحة لتنفيذه، وفى خريف 1968 بدأت القيادة العامة للقوات المسلحة تستطلع إمكان القيام بمثل هذا الهجوم على شكل "مشاريع استراتيجية" تنفذ بمعدل مرة واحدة فى كل عام، وقد كان الهدف من هذه المشاريع هو تدريب القيادة العامة للقوات المسلحة بما فى ذلك قيادات القوات الجوية والقوات البحرية وقوات الدفاع الجوى وكذلك قيادات الجيوش الميدانية وبعض القيادات الأخرى على دور كل منها فى الخطة الهجومية، لقد اشتركت شخصيا فى ثلاثة من هذه المشاريع قبل أن أُعيّن رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة، اشتركت فى مشاريع عامى 1968 و1969 بصفتى قائدا للقوات الخاصة "قوات المظلات وقوات الصاعقة" واشتركت فى المرة الثالثة فى العام 1970 عندما كنت قائدا لمنطقة البحر الأحمرالعسكرية، وقد جرت العادة أن يكون وزير الحربية هو المدير لهذه المشاريع وأن يُدعى رئيس الجمهورية لحضور جزء منها، لكى يستمع إلى التقارير والمناقشات التى تدور خلالها وقد استمرت هذه المشاريع خلال عامى 1971 و1972 أما المشروع الذى كان مقررا عقده فى العام 1973 فلم يكن إلا خطة حرب أكتوبر الحقيقية التى قمنا بتنفيذها فى 6أكتوبر1973.

ويقول سعد الشاذلى فى مذكراته عن الفترة التى أعقبت تكليفه بتولى موقع رئيس أركان حرب القوات المسلحة ورؤيته للمعركة وأهدافها:

ـ عندما عُيّنت رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية فى 16 مايو 1971 لم تكن هناك خطة هجومية وإنما كانت لدينا خطة دفاعية تسمى "الخطة 200" وكانت هناك أيضا خطة تعرضية تشمل القيام ببعض الغارات بالقوات على مواقع العدوفى سيناء، ولكنها لم تكن فى المستوى الذى يسمح لنا بأن نطلق عليها خطة هجومية وكانت تسمى "جرانيت"، وبدأت عملى بدراسة إمكانيات القوات المسلحة ومقارنتها بالمعلومات المتيسرة عن العدو بهدف الوصول إلى خطة هجومية تتماشى مع إمكانياتنا الفعلية، ونتيجة لهذه الدراسة فقد ظهر لى أنه ليس من الممكن القيام بهجوم واسع النطاق، يهدف إلى تدمير قوات العدو وإرغامه على الانسحاب من سيناء وقطاع غزة، وأن إمكانياتنا الفعلية قد تمكننا إذا أحسنا تجهيزها وتنظيمها من أن نقوم بعملية هجومية محددة تهدف إلى عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف ثم التحوّل إلى الدفاع، وبعد إتمام هذه المرحلة يمكننا التحضير للمرحلة التالية التى تهدف إلى احتلال المضايق، حيث إن هذه المرحلة الثانية سوف تحتاج إلى أنواع أخرى من السلاح وإلى أسلوب آخر فى تدريب قواتنا.

 مقتل إسرائيل

كان الفريق سعد الشاذلى صادقا، واقعيا فى تقدير قوة الجيش المصرى، وتقدير قوة العدو الإسرائيلى، وهو فى مذكراته المهمة التى تمثل وثيقة عسكرية تاريخية قال إنه كان يريد أن يفرض على الجيش الإسرائيلى معركة تضمن للجيش المصرى تحقيق هدفه وهو تحرير سيناء، وشرح هذه النظرية التى على أساسها تم وضع خطة عبور القناة وتحطيم خط بارليف بقوله:

ـ إن إسرائيل لها مقتل أول هو "الخسائر فى الأفراد، ومقتل آخر هو إطالة مدة الحرب، إن إسرائيل لاتهتم كثيرا إذا خسرت الكثير من الأسلحة المتطورة، ولكنها تصاب بالهلع إذا خسرت بضع مئات من الأفراد، إن لديها رصيدا هائلا من المعدات، أما خسائر الأفراد، فإن رصيد الشعب اليهودى من البشر، رصيد محدود ومن الصعب تعويض هذه الخسائر، كذلك فإن إطالة مدة الحرب هى السم الذى يضعف مقاومة إسرائيل يوما بعد يوم، إن الجندى الإسرائيلى الذى يُستدعى فى التعبئة هو نفسه العامل والمهندس فى المصنع وهو نفسه الأستاذ والطالب فى الجامعة، وهو نفسه الذى يقوم بجميع النشاطات الأخرى فى الدولة، فكيف يمكن لهذه الدولة أن تعيش لو امتدت الحرب ستة شهور؟ لقد كانت إسرائيل فى جميع حروبها السابقة تفضل أسلوب الحرب الخاطفة، لذلك فقد كان من صالحنا أن نفرض عليها حربا بأسلوب ليس فى صالحها، فلو أننا توقفنا شرق القناة بمسافة تتراوح بين "عشرة واثنى عشر كيلومترات" فإننا سنخلق لها موقفا صعبا، فإذا هى قامت بالهجوم على مواقعنا شرق القناة فستكون لدينا الفرصة لأن نحدث فى قواتها المهاجمة خسائر كبيرة سواء فى القوات البرية أم القوات الجوية التى تساندها، نظرا لوجود تلك المنطقة تحت مظلة دفاعنا الجوى، وإذا هى عزفت عن الهجوم فسوف تضطر إلى الاستمرار فى تعبئة قواتها المسلحة وبذلك تستنزف قوتها الاقتصادية.

ومن مذكرات ـ مهندس حرب العبور الفريق سعد الشاذلى ـ نعرف فكره العسكرى، وهو فكر متقدم، تبناه القادة بعد "5 يونيو 1967" حتى أصبح عقيدة لدى القادة المصريين، وهذا الفكر يقوم على نظرية "تعليم القتال بالقتال الحقيقى" أى أن المعارك التى يخوضها الجنود، سوف تعلمهم فنون القتال، بصورة حقيقية، تفوق "التدريبات" لأن مناخ الحرب يفرض على الجنود اكتساب خبرات واسعة ويجعلهم يكتشفون قدراتهم الكامنة:

ـ مهما حاولنا خلال التدريب أن نخلق المناخ الذى يتشابه مع مناخ الحرب، فإننا لن نستطيع أن نخلق الأثر النفسانى الذى تولده الحرب فى الجنود، هذا الأثر الذى هو خليط من الخوف والشجاعة، خليط من الكبرياء وحب البقاء، هذه الآثار النفسية على المقاتل لايمكن أن تُكتشف إلا عن طريق الحرب الحقيقية، لقد كنت أتوقع أن يلعب نجاحنا فى هذه الحرب المحدودة دورا مهما فى رفع معنويات قواتنا المسلحة بعد أن تكبّدت ثلاث هزائم خلال الخمس والعشرين سنة الماضية، لهذا كنت أرى أن الحرب القادمة يجب أن تكون مخاطرة محسوبة ويجب أن لا تكون بأى حال من الأحوال نوعا من أنواع المقامرة.

وتحقق النصر، وتحقق العبور، واستعاد الجندى المصرى ثقته بذاته، واستعاد الشعب ثقته بجيشه البطل، وذلك بفضل رجال مخلصين، وكان "سعد الشاذلى" قائد هؤلاء الرجال، فهو مصرى وطنى حقيقى، ورث الشجاعة عن جده "الشاذلى" الذى كان ضابطا ضمن جيش "عرابى" فى موقعة "التل الكبير" وهو "سعد الحسينى الشاذلى" الجندى الذى كرّمه الشعب العربى، ويوم وفاته فى فبراير 2011 خرج وراءه المصريون ليودعوه حتى مثواه الأخير، ورغم موته مازال فى قلوب الناس، جنديا من جنود الوطن الأبرار.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

وجوه على الطريق".. مجموعة قصصية جديدة " للكاتب حمودة كامل

صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص