يوسف إدريس نقل روح الناس فى قصصه بما فيها الشتائم نقاد اليسار الماركسى كان بيدهم رفع أى كاتب إلى السماء أو إخفاء ذكره والتسخيف من أعماله الكتابات النقدية التى أرخت للأدب المصرى منذ الخمسينيات كــانت بـــأهــواء «سياسية» أكثر منها «نقدية»
يمثل د. سامح الجباس حالة إبداعية خاصة سواء فى أعماله الروائية أو فى كتبه النقدية التى عكف عليها منذ سنوات، ليصدر مؤخرا كتاب الكشف عن "تشيكوف المصرى" للدكتور سامح الجباس عن دار نشر المحرر، ويناقش الكتاب بداية عصر القصة القصيرة المصرية للبحث عمن يستحق لقب تشيكوف المصرى.
ويدرس الكتاب عددا من أهم رواد القصة القصيرة المصرية خاصة يوسف إدريس ومحمود البدوى، وتأثيرهما على فن القصة، ويقدم الكتاب اكتشافات جديدة حول الكثير من القصص، هو هنا فى حوار خاص عن كتابه وعن رؤيته الخاصة المعمقة.
هل اتجاهك للدراسات الأدبية منذ نجيب محفوظ وجودة السحار ثم محمود بدوى ويوسف إدريس هو مشروع كامل تسعى لتحقيقه؟
بالفعل هو مشروع مختلف أعمل عليه منذ سنوات، وهدفه "إعادة قراءة الإبداع المصرى بشكل جديد ومحايد ومختلف خلال سبعين سنة". وسيكون هناك – إن شاء الله – كتب قادمة تستكمل هذا المشروع الطموح.
جديد لأن هناك مئات الدراسات الأدبية والنقدية التى سبقت دراستى قدمها الكثير من النقاد والكُتاب من أجيال مختلفة، لكنها كانت تقدم "بمعايير نقدية فى زمنها" ورؤى اختلفت الآن باختلاف مناهج النقد، والأهم هو رؤية الكاتب أو الدارس من خلال ما سأقدمه من دراسة عميقة متأنية تناسب هذا الزمن الأدبى المختلف. وأقصد بمحايد أن (معظم) الكتابات النقدية التى أرخت للأدب المصرى خاصة منذ الخمسينيات كانت تنبنى على أهواء (سياسية) أكثر منها (نقدية). فكان نقاد اليسار الماركسى هم الأشهر، وهم من بيدهم رفع أى كاتب إلى السماء أو إخفاء ذكره والتسخيف من أعماله، أو على الأقل كان يتم (تجاهله) نقديا عن عمد. والأمثلة على ذلك كثيرة:
فمثلا اتفق نقاد اليسار على تجاهل كتابات عبد الحميد السحار بسبب كتاباته الدينية، كما تجاهلوا محمود البدوى بسبب خجله وانطوائه وعدم انتمائه الى أى منظمة يسارية كما فعل يوسف إدريس مثلا. لذلك، أشعر بالإشفاق على عبد الحميد السحار عندما أقرأ روايته الدينية "أبو ذر الغفارى"، فأجد أنه قدم فى مقدمة الرواية بحثا طويلا جاء فى 50 صفحة عن "الاشتراكية فى الإسلام"!!
ألهذه الدرجة كان عبد الحميد السحار يحتاج إلى مغازلة نقاد اليسار الماركسى؟!
وحتى يوسف السباعى كان يشكو من تجاهل النقاد لرواياته بسبب ضيقهم منه لأنه أحد رجال السلطة، وحتى عندما أصبح وزيرا استمر هذا التجاهل لأنه لم يدعُ هؤلاء النقاد للكتابة فى المجلات التى كانت تصدرها وزارة الثقافة فى عهده.
لماذا تستند إلى العديد من الكتب لتفسر للقارئ معانى حول النقد الأدبى؟
بالتأكيد تعتمد كتبى على مناهج نقدية درستها وأحرص على تقديم تعريفات مختصرة عنها إلى القارئ أولا حتى تضيف إليه الجديد، وإلى من يقرأ الكتاب من النقاد ثانيا حتى لا يظن أحدهم أننى أكتب على غير منهج علمى. وأحرص على تقديم الأدلة النقدية على ما أثيره من أفكار مختلفة -وربما تكون صادمة- فى الدراسات التى أقدمها. ففى كتابى الأحدث اعتمدت على مفاهيم نقدية منها: التحليل الاجتماعى للأدب، والاستقراء، والبنيوية، والتجريد.
محمود تيمور فى ضوء محمود البدوى ما تأثير كل منهما على الآخر؟
محمود تيمور أول من حول مسار القصة القصيرة المصرية إلى مسارها الحقيقى، ورغم إنه ابن بيئة أرستقراطية، برع فى تأليف القصص التى يكون أبطالها من الناس الشعبيين البسطاء. من المهم أن أشير هنا إلى تلك المقدمة التى كتبها ناشر روايته "نداء المجهول" فى طبعتها الأولى وهى "دار المكشوف" فى بيروت والمؤرخة فى 10 يوليو 1939. ولنقرأ هذه الفقرات من هذه المقدمة للدلالة على المكانة الأدبية لمحمود تيمور: محمود تيمور زعيم من زعماء القصة فى مصر وفى البلاد العربية كافة. أخرج حتى الآن طائفة طيبة من المؤلفات تقع فى زهاء عشرة مجلدات، وهى أشبه بديوان يؤرخ المجتمع المصرى فى طبقاته المختلفة، والفقيرة منها خاصة.
محمود تيمور تأثر كثيرا بأخيه محمد، واتجه اتجاهه لخلق أدب مصرى طريف، له طابع خاص، قادر على التعبير عن حياة مصر المعــاصرة فــى أدق مظــاهــرها. ولـو نظـرنا إلى بعض عنــاوين مجمـــوعــاتــه القصصية سنجد مثلا: "خليهــا علــى الله"، و"أبــو علــى عــامـل أرتيست"، و"إحسان لله".
وفى تلك الفترة ظهرت قصص محمود البدوى الذى يبدو لى أنه بالتأكيد كان قارئا لقصص أستاذه تيمور، لأنه سار على (بعض طريقه) فى الكتابة عن الناس البسطاء خاصة أبناء الريف والصعيد. وإن تميزت قصص البدوى بالجرأة والحيوية فى اللغة أكثر من قصص تيمور.
فى تلك الفترة كانت مقاييس الكتابة تعتمد على: جزالة اللفظ، وصعوبته، والتغريب فيه، مع تقليدية الفكرة أو استلهامها من التراث. هذا جعل أحد أساتذة هذا الجيل -شيخ القصة كما كان يُطلق عليه- يقوم (بأغرب) فعل يمكن أن يقوم به كاتب. فعندما تم اختيار محمود تيمور عضوا بمجمع اللغة العربية (أعاد كتابة) ما سبق وقدمه من روايات وقصص بلغة تُرضى عنه مجمع اللغة العربية، متخليا عما كان يتميز به من بساطة وصدق، حتى أنه غيّر عناوين الكتب فى سابقة (غريبة) على الأدب: فتحولت "الأطلال" إلى "شباب وغانيات" و"أبو على عامل أرتيست" إلى "أبو على الفنان"، ثم تحولت كل أعماله التالية إلى التقليدية واللغة الرصينة التراثية البعيدة عن الواقع المعاصر.
تحدثت فى كتابك عن التكرار أو التأثر الأدبى بين السحار ومحمود البدوى.. كيف حدث وما البراهين التى تؤكده؟
لم يكن الأدباء فى زمنهم يعيشون فى جزر منفصلة، بل كان يعرف بعضهم البعض، والأهم أنهم كانوا يقرأون قصص زملائهم خاصة مع كثرة المجلات الأدبية فى ذلك الوقت، وكان أشهرها مجلة "الرسالة" التى كان ينشر فيها معظم الكتاب بمن فيهم نجيب محفوظ نفسه. لذلك ربما كان هناك بعض "التكرار" فى تقديم نفس الأفكار؛ فمثلا: فى عام 1946 ينشر عبد الحميد السحار قصة "صاع بصاع" ضمن مجموعته القصصية "همزات الشياطين" وبالدراسة المتأنية العميقة لهذه القصة نجد أن فكرتها ربما هى نفس قصة "امرأة أحلامى" التى نشرها محمود البدوى عام 1941. وتفصيل وتحليل القصتين يمكن الرجوع إليهما فى الكتاب.
لك نمط خاص فى الكتابة؛ فالرواية لديك بحث ومدلول وكذلك كتبك البحثية.. لماذا فى رأيك تميل لهذا النوع من الكتابة التى تكشف شيئا جديدا أو خفيا؟
بالفكرة التى تقول إن الفن يستطيع أن يعثر على الحقيقة فى المناطق التى يعجز العقل عن الوصول إليها أنا أؤمن. أرى أن دور الأديب -خاصة أنى قضيت عمرى فى القراءة والبحث- وأكتب منذ أكثر من خمسة عشر عاما، وربما جاء أوان أن أقدم هذه الدراسات إعادة تسليط الضوء على كل من أبدع وتم التعتيم النقدى عليه لأسباب مختلفة. يوسف إدريس نفسه كان يكتب نقدا للكتب ويقول:" لعل أحسن من يتعرض لنقد القصص.. هو من يكتبها "وأنا أستخدم منهجا فى كتبى النقدية يختصره الشاعر الكبير ت. إس. إليوت فى عبارته: "وإنما مجرد وضع حقائق أمام عين القارئ كان يمكن أن تفوته". وهذا طريق اخترته لأصنع عالمى المختلف وغير المتشابه عن العوالم الأدبية الأخرى.
فى كتابك ثمة تشريح لعصر محمود البدوى وعلاقته بعبد الرحمن الشرقاوى ومن تأثروا به.. ما الذى توصلت إليه؟
أعتقد أنك أحسنت توصيف كتابى "بالتشريح" لأنه كذلك بالفعل، حيث تقوم الدراسة على تشريح النص إلى: فكرة، فقرات، شخصيات، عبارات، حتى الوصول إلى أصغر وحدة فى النص وهى: الكلمة. أما عن علاقة عبد الرحمن الشرقاوى بمحمود البدوى، فهى علاقة اعتراف مبدع -الشرقاوى- بأستاذية البدوى واستفادته من قصص البدوى. فى فبراير من العام 1956 أصدر عبد الرحمن الشرقاوى مجموعته القصصية "أحلام صغيرة" وصدرّها بمقدمة تحدث فيها عن الأثر الذى تركته كتابات الآخرين فى نفسه. لنقرأ منها: (حتى أشرقت تجربة محمود البدوى، تضىء أمام العين والفكر والقلب كثيرا من آفاق حياتنا المصرية المعاصرة، وشعّت من كلماته الصداقة تلك الحرارة الحلوة التى تعطى الدفء والنبض لكثير من الأشياء الصغيرة التافهة).
بعد ذلك يُهدى عبد الرحمن الشرقاوى مجموعته هذه إلى محمود البدوى ويكتب: (إلى محمود البدوى، الكاتب الجسور، الذى علمنى منذ نشر مجموعته "رجل" فى سنة 1935 كيف أحب حياة الناس البسطاء، وكيف أهتز لما فيها من روعة وعمق وشعر).
آخر أعمالك الروائية "بوستة عزيز ضومط".. ما الجديد لديك قريبا؟
أحدث أعمالى صدر منذ أكثر من عام وهى رواية "بوستة عزيز ضومط" وهى رواية تكشف -للمرة الأولى- عن شخصية لا يعرفها أحد وهى الكاتب الفلسطينى عزيز ضومط الذى كان المرشح الأول للحصول على جائزة نوبل فى الآداب عام 1936 كما تتعرض الرواية لكشف الكثير من الأسرار عن التنظيمات السرية فى مصر خلال هذه الفترة.
وأنتظر صدور روايتى الجديدة مع بداية 2025 إن شاء الله، وأعتقد أنها ستكون مفاجأة كاشفة عن الوجه السرى لشخص شهير.
تقول فى كتابك إن الشتائم فى الحوار لم تكن موجودة قبل يوسف إدريس.. كيف؟
قبل يوسف إدريس كان الأدباء يعملون على "تجميل" و"تزيين" قصصهم بالمحسنات البديعية والألفاظ الجميلة المنمقة، حتى إننى أستغرب جدا، وربما أستنكر أنه فى معظم قصص محمد عبد الحليم عبد الله يخاطب الرجل زوجته بلقب "يا سيدتى" حتى إذا كان فلاحا! ثم جاء يوسف إدريس لينقل نبض وروح الناس فى قصصه بما فيها الشتائم.
المقارنات الأدبية فى الكتاب هل تستند لمراجع خاصة لتأصيلها وكيف تعتمد على قراءات قديمة محفورة فى ذاكرتك؟
لم أعتمد أبدا على ذاكرتى، بل أعدت قراءة (كل) القصص القصيرة التى صدرت لأهم الكتاب خلال أربعين عاما منذ 1939، قصة لكل أديب على حدة ممن شملتهم الدراسة فى كتابى. ولك أن تتخيلى أن كاتبا واحدا فقط مثل محمود البدوى قرأت له 375 قصة، فما بالك بقصص من شملتهم الدراسة مثل يوسف السباعى، وعبد الحميد السحار، ويوسف إدريس، ومحمد عبد الحليم عبد الله، وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ وغيرهم.
أما المراجع فقد اعتمدت على الكثير من الكتب النقدية للدلالة على ما أقدمه من قراءات واكتشافات مختلفة، وقد بلغ عدد هذه المراجع أكثر من 12 مرجعا من أهم مراجع النقد. وقد قمت بإثبات تفاصيل هذه المراجع فى كتابى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...