أولاد الأكابر «12» النص الكامل للمخاطبات بين عبد الرحمن الشرقـــــــــاوى والأزهر بشأن مسرحية «الحسين ثائرًا» كثير من شخصيات «الأرض» استلهمها والدى من قريته «الدلاتون».. والشرقاوى كان سعيدًا بالفيلم والدى حذّر من وقوع النكسة فى مسرحية «الفتى مهران» الشرقاوى نصح أبناءه جميعًا بعدم الاستسلام لغواية الأدب كنت سببًا فى أن يهدى نجيب محفوظ «الحرافيش» مرتين للشرقاوى
هذا حوار مهم.. يكتسب أهميته من أن ضيفنا ومحدثنا فيه الدكتور أحمد عبد الرحمن الشرقاوى أستاذ طب الأطفال ورث غواية الأدب عن والده الأديب الكبير عبد الرحمن الشرقاوى، لكن هذه الغواية لم تتمكن منه.. فصارت هواية واستراحة يتخفف بها من متاعب عمله ومهنته كطبيب أطفال كبير.. غير أن اللافت هنا أن الأب عبدالرحمن الشرقاوى صاحب (الأرض).. هو من حث ابنه أحمد وبقية إخوته على ألا يجعــــلوا الأدب حرفتهم.. بعد أن دفع هو ثمن حرفته كأديب شهير غاليا.. فى هذا الحوار يفجر د. أحمد الشرقاوى كثيرا من المفاجآت عن والده عبد الرحمن الشرقاوى..
فى البداية سألت د. أحمد عن بدايات ونشأة والده الكبير عبد الرحمن الشرقاوى، ليجيب: ولد عبد الرحمن الشرقاوى فى قرية الدلاتون مركز شبين الكوم ١٩٢٠ على فرع من نهر النيل..
تعلم فى الكُتاب ثم المدرسة الإلزامية بالقرية ثم المدرسة الأولية فى قرية مجاورة؛ حيث عانى الاغتراب لأول مرة فى حياته وهو طفل صغير، وتولى والده الأزهرى تدريسه وتحفيظه القرآن الكريم. وكان أهم ما يميزه حرصه الشديد على تعليمه القيم الدينية وفضائل آل البيت.
وكان تواقا للثقافة العامة.. شغوفا بالقراءة ومتابعة الشأن العام، وكان من نتيجة ذلك تنمية إحساسه الثقافى والسياسى والثورى منذ نعومة أظفاره.
وتابع عبد الرحمن الشرقاوى رحلة تعليمه بعد ذلك حين جاء إلى القاهرة وهو فى الثامنة من عمره وهو أصغر إخوته ليمكث معهم فى شارع عزيز بحى السيدة زينب، ويلتحق بعد ذلك بالمدرسة الخديوية، ومن خلال إخوته الكبار يتعرف على ألوان شتى من كتب التراث العربى، ويحفظ مختارات البارودى وأبى تمام بعدما نهل من السير الشعبية وأشعار عنترة وحفظ المعلقات، كما تعرف على أشكال كثيرة من الكتابات العالمية.
ورغم التحاقه بكلية الحقوق إلا إنه ظل مخلصا للأدب؛ حيث تأثر بأساتذة أجلاء مثل طه حسين ومصطفى عبد الرازق.
وكان مهموما بقضايا الفكر والثقافة أكثر من أى شىء آخر.
نصيحة أب
قلت للدكتور أحمد: أعرف أن لديكم جميعا أنتم أبناء عبد الرحمن الشرقاوى ميلا للأدب وشغفا به خاصة أنت، فلماذا لم ينمِّ لدى أى منكم موهبة الأديب ليرثه كمبدع كبير.. وأجاب الرجل: أنجب الشرقاوى أربعة أبناء أكبرنا د. عزة أستاذ المايكروبولوجى بكلية الطب، ثم أنا د. أحمد أستاذ طب الأطفال، ثم د. شريف أستاذ النساء والتوليد، ثم أصغرنا أيمن الذى درس الاقتصاد والتجارة وعمل بأحد أكبر البنوك.. وكما ذكرت، لدينا جميعا ميول أدبية واضحة، وأنا على سبيل المثال كان اهتمامى بالأدب ولا يزال موجودا.. وأكتب الشعر، وقد فزت بكأس الجامعة فى الشعر وأنا فى الفرقة الثانية بكلية الطب، وأصدرت ديوان شعر بعنوان (أوراق عاشق) صدر عن هيئة الكتاب فى ثلاث طبعات.. وطبعا أهديته لوالدى. وحصلت على عضوية اتحاد الكتاب.. كما أننى نشرت قصصا قصيرة بالأهرام وصباح الخير وروز اليوسف والشروق.. ومع ذلك قال لى أبى منذ البداية: اكتب أدبا كما شئت.. فهذا أمر عظيم.. لكن لا تتفرغ له ولا تجعله حرفتك التى تتكسب منها ولا تسلكه طريقا فى الحياة.. وأضاف وقتها: طبعا لا أجبرك على شىء واختر طريقك، لكن هذه نصيحة أب خبر وعرف.. يحلم بكل الخير والسعادة لأبنائه.. والمؤكد أنه استخلص هذه النصيحة من حياته هو.. فقد ترك مهنة المحاماة واحترف الأدب ودفع ثمنا فادحا.. إذ واجه صعوبات وعقبات وخاض معارك فى رحلته ومسيرته فى الأدب والحياة.. لأنه صاحب موقف وصاحب كلمة؛ لذلك كان مشفقا عليّ من ألا أحتمل ما تحمله من أهوال..
وكان يرى أن الحياة تطيح بصاحب الفضائل إن لم يكن قويا فى مجابهتها ويطلب منا نحن أبناءه أن نكون قادرين على أن نستمسك بالفضائل مهما كانت الظروف.
فى مهب الريح
سألت د. أحمد: نعرف أن عبد الرحمن الشرقاوى واجه كثيرا من الأحداث والمواقف والصعوبات، ونريد أن نتعرف عليها عن قرب.. ليقول: وجد عبد الرحمن الشرقاوى نفسه فى مهب أزمات لا مبرر لها فى أحيان كثيرة خلال مسيرته.. على سبيل المثال:
أصدر أبى رواية الأرض عام ٥٢ قبل ثورة يوليو بقليل، وكان بها فقرة عن الهجانة، فلما قامت الثورة فوجئ بصدور أمر اعتقال ضده، لأنه تناول الهجانة، واتضح أن من كان وراء صدور أمر الاعتقال هو اللواء محمد نجيب.. ولما علم جمال عبد النــاصر بمـــا حدث أوقف أمـــر الاعـتقــال.. ثــم تــدخـــل عبــد النــاصــر مرة ثــانية لإنصــاف عبد الرحمن الشرقاوى حين تم منع كتابه المهم جدا (محمد رسول الحرية)؛ إذ تشكلت لجنة وصدر قرار فورى بمنع الكتاب من النشر فور صدوره، بدعوى شكليات غريبة من قبيل كلمة رسول الحرية أو محمد هكذا بدون كلمة سيدنا.. وقتها تدخل عبد الناصر مرة أخرى وسمح بنشر الكتاب؛ بل إنه قال إن الكتاب من أعظم ما قرأ عن الرسول، وأنه من اللازم أن يتم تدريسه للطلبة.. ووقتها قدم طه حسين والعقاد إشادات عظيمة بالكتاب وأثنيا عليه كثيرا..
ثم تعرض الشرقاوى لأزمة أخرى عنيفة؛ حيث تم فصله من جريدة الجمهورية ضمن من تم فصلهم ومنعهم من الكتابة من اليساريين والاشتراكيبن، مع أن نظام عبد الناصر كان معروفا باتجاهه الاشتراكى، لكن اختلاط فكرة النقد عند نظام ناصر بوصفها تشكيكا فى النظام نفسه وبحيث بات من ينقد شيئا هو شخص يشكك فى إنجازات الثورة جعلته يفصل كتابا وطنيين كبارا ويمنعهم من الكتابة.
وهنـــا أذكر – يـــواصـــل أحـمــد الشرقاوى - أن أبى تنبه جيدا إلى كثير من مشاكل تلك المرحلة فى ستينيات القرن الماضى، وحاول بشكل غير مباشر أن يدق ناقوس الخطر لكن دون جدوى.. فقد أصدر عام ١٩٦٦ مسرحية (الفتى مهران) ومن ضمن كلماتها مثلا تلك الكلمات الشاعرة التى تقول:
قل له
يا أيها السلطان اترك عزلتك
اختلط بالشعب يصبح قلعتك
وهى مسرحية استدعى فيها الشرقاوى عصر المماليك الشراكسة.. وفى هذه المسرحية يرسل السلطان جيشا لغزو الهند، بينما خطر المغول يقترب من البلاد فيقول: لا ترسل جيشا لغزو الهند.. والخطر داهم بالباب.. ولا يخفى على فطن أنه كان يلمح إلى إرسال قوات إلى اليمن، بينما خطر العدو الصهيونى على الأبواب، وكأنه كان يحذر تحذيرا واضحا من ذلك الخطر الذى حدث بعدها، وهو النكسة.. وفى أغلب الأحوال كان الشرقاوى يستدعى التراث.. ويحاول أن يمرر مضامين لا يستطيع قولها بشكل مباشر.. ولأنه أحيانا يكون هناك تشابه فى أحداث التاريخ.. ورأى الشرقاوى وقتها أن الوطن يتعرض لخطر خارجى، بينما هناك صراعات وخلافات، فكان الرمز فى الفتى مهران هو الحل الوحيد وهو الصرخة وجرس الإنذار، تماما كما فعل نجيب محفوظ فى (ثرثرة على النيل).
الحسين ثائرًا
يواصل أحمد الشرقاوى: أما الأزمة الأخرى الكبيرة فى حياة عبد الرحمن الشرقاوى؛ فهى أزمة مسرحيتى (الحسين ثائرا والحسين شهيدا). وفى الحقيقة هى مسرحية واحدة باسم (ثأر الله) مكونة من جزءين؛ هما (الحسين ثائرا) و(الحسين شهيدا).. تحمس كرم مطاوع لإخراج المسرحية باسم (ثأر الله)، وأعد الجزءين كمسرحية واحدة مدتها ثلاث ساعات وربع عام ٧١.. وأجريت لها بروفات جنرال لمدة ٤٥ يوما على المسرح القومى.. لكن المسرحية تعرضت لحملة سياسية كبيرة وأدخلها البعض فى قضية الشيعة والسنة.. أما الأزهر فلم يرفض المسرحية كما قيل ولم يمنعها.. بل اعترض فقط على تجسيد شخصية الحسين وشخصية السيدة زينب.. وقد وافق أبى على ما انتهى إليه رأى الأزهر بعدم تجسيد الشخصيتين على نحو أن يتحدثا كبقية الشخصيات.. وأرسل بتاريخ ٨ – ٧ - ١٩٧٠ إلى مدير إدارة البحوث والنشر التابعة لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر يقول بالنص: أرجو التكرم بالموافقة على فحص مسرحيتى (الحسين ثائرا) و(الحسين شهيدا) وظهورهما على المسرح، على أنى قد أجريت تعديلات بحيث لا تظهر شخصية الحسين أو شخصية السيدة زينب، بل يلقى الكلام المنسوب إليهما عن طريق الراوى والراوية، وأردف فى ملحوظة هامة: كما يعنى أن يظهر الحسين أو السيدة زينب ليلقى كل منهما الكلام المسند إلى الشخصية بهذا القول: قال الحسين أو قالت السيدة زينب. أو رد الحسين أو ردت السيدة زينب.. وهكذا ويتكرر هذا بالقدر الذى يرسى فى ضمير المشاهد أنه يرى ويسمع راويا وراوية.. وبحيث لا يخل فى الوقت نفسه بقدرة المشاهد على الانفعال..
وكان رد إدارة البحوث والنشر على النحو التالي: السيد الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..
بناء على ما جاء بطلبكم المؤرخ فى ٨- ٧ ـ ١٩٧٠ بخصوص مسرحيتكم (الحسين ثائرا).. تمهيدا لتمثيلها على المسرح أو الشاشة نفيدكم أنه بعد مراجعة المسرحية المذكورة أنه لا مانع من تداولها ونشرها مرئية أو مسموعة أو ممثلة على المسرح أو الشاشة، وذلك بعد ملاحظة ما يلى:
التصحيحات الواردة بالصفحات ..٧ و٩.. إلخ والتى تعهدتم بتعديلها حسب ما جاء بالنسخة الأصلية المحفوظة لدينا والتى فحصت بمعرفتنا ورجعت أخيرا منكم
الالتزام بعدم ظهور شخصية الحسين والسيدة زينب رضى الله عنهما على المسرح أو الشاشة حسب تعهدكم المكتوب سالف الذكر
عرض المسرحية علينا مرة ثانية بعد تمثيلها وقبل عرضها على الجمهور، وضمان تنفيذ الملاحظات
تحريرا فى
أول جماد الثانى ١٣٩٠ هـ
الموافق ٤ أغسطس ١٩٧٠م
وهكذا تبدو موافقة الأزهر جلية بشأن عرض مسرحية (الحسين ثائرا)، غير أن الأزهر لم يبت فى مسرحية (الحسين شهيدا)، كما جاء فى خطاب أرسلته إدارة البحوث والنشر إلى والدى فى ٢١ أكتوبر عام ١٩٧١.
عقب قيام الاهرام بنشر خبر عن مسرحية الحسين ثائرا في عدد ٢٠ اكتوبر عام ١٩٧١ قالت فيه إدارة البحوث والنشر التابعة لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر نصا
السيد الأستاذ عبد الرحمن الشرقاوي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تود إدارة البحوث والنشر أن تذكر سيادتكم بما هو مدون بالكتب المرفقة والخاصة برأي الإدارة في مسرحية الحسين ثائرا وان رأىها - الذي وافقتم عليه - بأن شخصية سيدنا الحسين والسيدة زينب لا تظهر ابدا بل يستبدل بها راو أو راوية..
هذا وإدارة البحوث والنشر يدفعها حرصها على توجيه ذلك اليكم وتذكركم به اثر ما نشر في جريدة الأهرام بتاريخ ٢٠ أكتوبر سنة ١٩٧١ من صور وتعليقات خاصة بهذه المسرحية.. ونرجو أن يوفقكم الله إلى إبراز هذه المسرحية في الإطار الذي التزمتم به كتابة حتى لا تحدث أمور لا تحمد مغبتها علما بأن مسرحية الحسين شهيدا لم يصدر فيها رأي بعد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحريرا في ٢ رمضان المبارك ١٣٩١ هـ
ويضيف أحمد الشرقاوي: تتعرض مسرحية (الحسين ثائرا) لموقف تصادمى حاد ورؤية الثائر المسلم صاحب المبدأ والعقيدة.
فالحسين -رضى الله عنه- هو فى حقيقة الأمر رجل ثائر يحتكم إلى دينه ورسالة الإسلام فيستبشع ما يراه فى الواقع من مظالم.
فهو لا يطلب ملكا حين يرفض البيعة ليزيد بن معاوية، وإنما ينشد حقا وشرعا وعدلا وحرية حماية للدين ومبادئه وقيم ثورته.
وكانت كل أسلحته ووسائله هى نبل الفضائل التى أخذها عن جده صلى الله عليه وسلم ووالده على بن أبى طالب رضى الله عنه.
وكانت هذه المثالية المفرطة هى موضع اقتناصه من أعدائه.. فاقتنص من فضائله.
ونتيجة لهذا كله كان لابد أن يستشهد.
وتجسد مسرحية (الحسين شهيدا) فعلا ثوريا لا يحتمل التراجع أو المهادنة.. فهى رؤية تاريخية زاخرة بالمعانى النبيلة التى تؤكد فى النهاية على قدر الإنسان أن يكون شهيد الحقيقة وضحية قيم العدالة والحرية على الأرض.
ومنطلق الفعل الإيجابى فى استشهاد الحسين رضى الله عنه تتأكد عظمة النماذج الثائرة فى تاريخنا.
يختم الشرقاوى على لسان الحسين المسرحية بهذا المونولوج الرائع (الكلمة) الذى يمثل أعلى درجات النضج الفنى، وتعد كلماته الخالدة من أروع ما كتب فى تاريخ المسرح المعاصر.
قلت للدكتور أحمد الشرقاوى إن أزمة مسرحية (الحسين ثائرا) تفاعلت فى بدايات عصر السادات الذى كانت علاقته جيدة جدا بعبد الرحمن الشرقاوى، فلماذا لم يتدخل السادات لحل أزمة المسرحية؟.. ليجيب: بالفعل كانت علاقة والدى جيدة جدا بالسادات الذى كان معجبا بشعر وفلسفة وفكر عبد الرحمن الشرقاوى، وكان يرى أنه مفكر إسلامى وشاعر وكاتب كبير، لكن السادات فى بدايات حكمه كان يواجه أزمات كثيرة ويعد لحرب أكتوبر.. وخرجت مظاهرات طلابية تطالبه بالحرب والحسم.. وهذا الانغماس فى هذه المشاكل جعل من الصعب أن يتدخل السادات فى أزمة عمل مسرحى مهما كان إيمانه بهذا العمل وبمبدعه.. ورغم أن علاقة والدى بالسادات كانت جيدة جدا، إلا أن الشرقاوى اعترض على وصف السادات لانتفاضة ١٨ و ١٩ يناير ١٩٧٧ بأنها انتفاضة حرامية، كما اعترض أيضا على معاهدة كامب ديفيد.
ماذا عن مؤلفات الشرقاوى فى مجال الفكر الإسلامى؟
يقول أحمد الشرقاوى: لعبد الرحمن الشرقاوى كلمات شديدة الأهمية بليغة المعنى تلك التى يقول فيها (عودوا إلى الإسلام الحق تجدوه أكثر تقدما عن كل الفلسفات والنظريات البشرية).. من هنا نذر الشرقاوى جانبا كبيرا من رسالته للفكر الإسلامى فكتب: محمد رسول الحرية ومسرحيتى الحسين ثائرا والحسين شهيدا وقراءات فى الفكر الإسلامى وأئمة الفقه التسعة وابن تيمية وعلى إمام المتقين وخامس الخلفاء عمر بن عبد العزيز والفاروق عمر بن الخطاب والصديق أول الخلفاء.. وهكذا كان الشرقاوى واحدا من أهم الكتاب الذين قدموا صورة الإسلام الناصعة فى عدد غير قليل من الكتب التى أثرت المكتبة العربية.
الأرض
حين يُذكر عبد الرحمن الشرقاوى يذكر الجميع ملحمته الخالدة رواية (الأرض) التى يقال إنه استلهم كثيرا من شخصياتها من أهل قريته الدلاتون بالمنوفية.. ماذا عن الرواية والفيلم الشهير الذى أخذ عنها؟.. ويجيب أحمد الشرقاوى: الأرض هى ملحمة عبد الرحمن الشرقاوى الخالدة.. أبطالها يسكنون ذاكرتنا جميعا مثل محمد أبو سويلم وعبد الهادى ووصيفة، وهى شخصيات حقيقية ما زلنا نراها كل يوم تسعى بيننا من لحم ودم، وتضع أيدينا على كل ما يصيب الحياة الإنسانية من مظالم وتناقضات مجحفة وفساد ونضال دام للتمسك حتى آخر العمر بالحق فى الحياة مهما تكن الظروف عصيبة ومهما يكن الصراع وحشيا. وهى مازالت تدرس فى العديد من جامعات العالم كنموذج فريد للأدب الرفيع الخالد.
وقد صرح الشرقاوى من قبل بأنها بالفعل ترصد بعض أجزاء واقعية من حياته وانطباعاته فى فترة مبكرة من عمره.. كما أنها تختزن أحداثا حقيقية.
أما عن فيلم (الأرض)، فقد كان بإجماع الآراء أعظم فيلم أخرجه يوسف شاهين طوال حياته.
وقد صرح أكثر من مرة أن هذه الرواية العظيمة كانت تستحق جائزة نوبل فى الأدب، وأن الفيلم كان يستحق جائزة الأوسكار الأولى فى السينما.
وقد أدلى فى أكثر من حديث أن هذه الرواية أضخم وأعظم من قدرات أى مخرج وأنها كانت تمثل تحديا إبداعيا هائلا له.
وأعتقد أن الوالد كان راضيا إلى حد كبير عما بُذل فى الفيلم السينمائى من مجهود خارق.. ليس فقط من المخرج وإنما فريق العمل ككل، وفى مقدمتهم السيناريست والفنان العظيم حسن فؤاد والموسيقار الفذ على إسماعيل وعمالقة التمثيل محمود المليجى ويحيى شاهين وعزت العلايلى وعبد الرحمن الخميسى وعبد الوارث عسر وحمدى أحمد.
ويـضيـف أحـمـد الــشــرقــاوى: كــان عبــد الــرحمن الشـرقاوى يعتز بإبداعاته جميعا.. فهو يمثل رؤية ثورية فى اتجاه التاريخ المصرى، محاولا استخلاص النموذج النضالى للشعب المصرى من بين تراكمات الأحداث التاريخية، تأكيدا لدور الشعب ونزوعه الوطنى ويقظة الروح النضالية لديه وقدرتها على الاستمرار من أجل ترسيخ قيم العدل والحرية وحق البسطاء الشرفاء فى حياة كريمة.
وكانت رواية الأرض تمثل النموذج الساطع لريادته للرواية الواقعية الاشتراكية من منظور إبداعى متطور يرتكز على حقائق اجتماعية وواقعية تشتبك مع حركة الصراع التاريخيّ بين قوى الاستغلال والبطش فى مقابل أنات المنسحقين الضائعين على عتبات العدل والحرية.
تنويعات
يـعـتبر الــكثيــرون أن عبـد الـــرحمـــن الشرقاوى واحد من رواد التجديد فى الشعر العربى وأنه كان سابقا فى ريادة الشعر الحر.. بم تعلق؟
يجيب د. أحمد الشرقاوى: هذا الكلام صحيح جدا.. فالشرقاوى سبق بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور بقصيدته الخالدة (من أب مصرى إلى الرئيس ترومان).. فهى من أعظم القصائد التى كتبت فى الشعر الحر.. فهو الرائد الأول الذى فتح الباب للقصيدة الحداثية وللشعر الحر.. وقد أعطاه أحمد عبد المعطى حجازى حقه فى الريادة الكاملة بهذه القصيدة التى سبق بها الجميع.
أخيرا من هم أصدقاء عبد الرحمن الشرقاوى من كبار مبدعى مصر؟
يجيب أحمد الشرقاوى: أقرب أصدقاء أبى كان الأديب الكبير سعد مكاوى ابن قريته الدلاتون.. وكانت تجمعهما صداقة وطيدة أصبحت صداقة عائلية بين الأسرتين إلى الآن.. وكذلك كان الكبير نجيب محفوظ أحد أقرب أصدقاء الشرقاوى.. واذكر أن كل رواية لمحفوظ كان يهديها لعبد الرحمن الشرقاوى بكلمات من ذهب تعبر عن مدى محبته وتقديره له.. وأتذكر أنه فى شبابى وفى بداية حياتى العملية أهدى محفوظ الشرقاوى ملحمته الروائية العظيمة الحرافيش.. وأخذتها معى إلى عملى لأقرأ منها ما تيسر لى أثناء وقت الراحة.. وفى إحدى نوباتجيات الاستقبال بأحد المستشفيات استعارها صديق منى ولم يقم بإرجاعها لى وحزنت وحكيت لوالدى فقال لي: لا تحزن ستكون معك نسخة جديدة..
وبعـــدها بـــوقــت قــصيـــر جــاء أبى بالحرافيش وفى صدر صفحتها الأولى إهداء من نجيب محفوظ لعبد الرحمن الشرقاوى يقول فيه:
أخى الأستاذ الكبير
عبد الرحمن الشرقاوى
إهداء للمرة الثانية
توكيدا للحب الذى أكنه لك
وللإعجاب العظيم
المخلص
نجيب محفوظ.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...
نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...
أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة
«الأعمال الكاملة» سلسة كتب تصدرها هيئة الكتاب لاستعادة الذاكرة الثقافية «لوتريامون» أول شاعر سوداوى ترك بصماته على قصيدة النثر