د. عبدالمجيد جادو: خطوة محورية فى مواجهة العشوائيات ومخالفات البناء د. صبرى الجندى: تسهيلات غير مسبوقة لإنهاء الإشكاليات خلال فترة وجيزة
فى إطار التحركات الحكومية المستمرة لإعادة ضبط ملف مخالفات البناء، أعلنت وزيرة التنمية المحلية إدخال تعديلات جديدة على بعض مواد قانون التصالح فى تلك المخالفات، فى خطوة تعكس استمرار حالة التطوير والتعديل المتلاحق لهذا الملف، الذى لا يزال يفرض نفسه بقوة على أجندة الدولة رغم مرور سنوات على إطلاقه.
ويأتى هذا الإعلان من جانب وزيرة التنمية المحلية ليعيد فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الشارع المصري، حيث تتباين الآراء بين من يرى فى التعديلات الجديدة فرصة لتيسير الإجراءات وتسوية الأوضاع القانونية للمواطنين، وبين من يعتبرها امتدادًا لسلسلة من التيسيرات التى لم تنجح حتى الآن فى الإغلاق النهائى للملف أو الحد من المخالفات المتراكمة.
من ناحيته أكد الدكتور حمدى عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير استشارى البلديات الدولية، أن ملف التصالح فى مخالفات البناء يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا داخل منظومة الإدارة المحلية خلال العقود الأخيرة، بسبب ارتباطه المباشر بقضايا التخطيط العمراني، وحقوق الدولة، والامتداد العشوائي، والحوكمة المحلية، موضحًا أن إدارة هذا الملف تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إعادة تنظيم المجال العمرانى وتحقيق الانضباط داخل المحافظات، والتصالح لا ينبغى النظر إليه باعتباره مجرد أداة لتحصيل مستحقات مالية للدولة، وإنما يمثل مدخلًا أساسيًا لإعادة بناء قواعد التنمية المحلية وتحقيق الاستقرار العمراني، خاصة فى ظل ما شهدته مصر خلال السنوات الماضية من توسعات عمرانية غير مخططة أثرت بصورة مباشرة على البنية التحتية والخدمات العامة وجودة الحياة داخل المدن والقرى.
وأشار عرفة إلى أن ملف التصالح يمثل خطوة مهمة نحو إعادة ضبط منظومة التخطيط العمرانى بالمحافظات، لافتًا إلى أن نجاح الدولة فى حصر الكتل المخالفة، وتحديث الخرائط العمرانية، وإدخال البيانات إلكترونيًا، سيسهم مستقبلاً فى إعداد مخططات عمرانية أكثر دقة وربط خطط التنمية المحلية بالواقع الفعلى على الأرض، بما يدعم جهود الدولة فى الحد من العشوائيات ومنع تكرار المخالفات، كما أن ميكنة ملف التصالح ستنعكس بصورة واضحة على تعزيز الحوكمة داخل المحليات، من خلال تقليل التدخل البشري، وتسريع إجراءات الفحص، وإتاحة قواعد بيانات موحدة، فضلًا عن رفع كفاءة المتابعة والرقابة وتقليل فرص الفساد الإداري، مؤكدًا أن التحول الرقمى أصبح ضرورة أساسية فى إدارة المحليات وليس رفاهية إدارية، مشيرًا فى الوقت نفسه إلى أن مستوى التحول الرقمى الحالى ما زال ضعيفًا للغاية ولم يتجاوز ١٠%.
وأوضح أن تدريب نحو 11 ألف موظف يُعد خطوة إيجابية ومهمة لكنه لا يكفى وحده لضمان كفاءة التنفيذ على مستوى الجمهورية خاصة فى ظل وجود أكثر من مليون و600 ألف موظف داخل المحافظات، إلى جانب أكثر من 4700 قرية وعشرات المدن والأحياء التى تختلف فى قدراتها البشرية والتكنولوجية، كما أن بعض الوحدات المحلية لا تزال تعانى من نقص الكوادر الفنية والهندسية وضعف الإمكانيات التكنولوجية والإدارية.
وبيّن عرفة أن عددًا من أوجه القصور ظهرت أثناء تطبيق قانون التصالح، من بينها بطء بعض الإجراءات، وتفاوت مستويات الأداء بين المحافظات، وضعف التنسيق بين الجهات المختلفة، فضلًا عن محدودية الخبرات الفنية فى بعض المحليات، ووجود ضغط كبير على الإدارات الهندسية نتيجة تراكم الطلبات، إضافة إلى احتياج بعض المناطق الريفية إلى دعم تقنى وإدارى أكبر.
وشدد أستاذ الإدارة المحلية على أن غلق ملف التصالح بصورة نهائية يتطلب رفع الكفاءة المؤسسية للوحدات المحلية، من خلال استكمال التحول الرقمي، وتحديث قواعد البيانات العقارية، وتوفير برامج تدريب مستدامة للعاملين، وربط تقييم القيادات المحلية بمعدلات الإنجاز وجودة الخدمات، إلى جانب إعادة هيكلة بعض الإدارات الهندسية داخل المحليات، والمرحلة المقبلة يجب أن تشهد تطويرًا شاملًا للأداء المؤسسى بالمحليات بعد الانتهاء من ملف التصالح، عبر إنشاء منظومة رقابة عمرانية استباقية تمنع المخالفات قبل وقوعها، مع دعم اللامركزية وتوسيع صلاحيات الإدارة المحلية وربطها بالمحاسبة والشفافية.
وأضاف عرفة أن منظومة الإدارة المحلية فى مصر تحتاج إلى إصلاح تشريعى وإدارى أوسع بالتوازى مع قانون التصالح، يتضمن تحديث قانون الإدارة المحلية، وإعادة تنظيم العلاقة بين المحافظات والوزارات، ومنح المحليات صلاحيات مالية وتنفيذية أكبر، بما يحقق تنمية محلية مستدامة ويعزز قدرة الدولة على إدارة النمو العمرانى بصورة أكثر كفاءة وانضباطًا.
من جانبه أكد الدكتور صبرى الجندي، مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق، أن التعديلات الأخيرة على قانون التصالح فى مخالفات البناء تُعد من أكثر النسخ التيسيرية التى تم إقرارها منذ بدء العمل بالقانون، وأنها تأتى فى إطار النسخة الثالثة من التعديلات التى أقرها مجلس النواب استجابة لمطالب المواطنين، وكل تعديل جديد على القانون كان يصاحبه زيادة فى أعداد الطلبات المقدمة للتصالح، وهو ما يعكس أن بعض المخالفين أصبح لديهم قناعة بإمكانية الحصول على تيسيرات إضافية مع مرور الوقت، الأمر الذى يؤدى إلى تأجيل إنهاء الإجراءات بدلًا من الإسراع بها.
وأضاف الجندى أن إجمالى طلبات التصالح التى تم التقدم بها حتى الآن وصل إلى نحو 2.8 مليون طلب فى المرحلة الأولى، بالإضافة إلى نحو 2 مليون طلب جديد حتى مايو الجاري، ما يعنى أن إجمالى الطلبات يقترب من 4.8 مليون طلب، وهو رقم يفوق بكثير الحصر المبدئى السابق الذى كان يقدر المخالفات بنحو 3.6 مليون وحدة فقط، وأن ذلك يكشف أن الحصر الأولى لم يكن دقيقًا بالشكل الكافي، مشيرًا إلى أن التعديلات الحالية تضمنت تسهيلات غير مسبوقة، من بينها السماح باستكمال أعمال البناء وإلقاء الأسقف، فضلًا عن تسهيلات تتعلق بإجراءات المرافق مثل الكهرباء والمياه والغاز، حتى فى بعض الحالات التى لم يُحسم فيها ملف التصالح بشكل نهائي، موضحًا أن هذه التيسيرات غيّرت سلوك بعض المواطنين، حيث لم يعد هناك نفس الضغط السابق الذى كان يدفعهم للإسراع فى إنهاء التصالح.
وتابع أن المواطن المخالف كان فى السابق يسعى لإنهاء الإجراءات خوفًا من توقف البناء أو اتخاذ إجراءات قانونية، بينما أصبح فى الوضع الحالى أكثر ميلًا للانتظار فى ظل استمرار التيسيرات، ما قد ينعكس على وتيرة إنهاء الملفات خلال الفترة المقبلة.
وفيما يتعلق بملف العدادات الكودية ورفع شرائح استهلاك الكهرباء للمبانى المخالفة، أوضح الجندى أن الحكومة ترى فى هذه الإجراءات وسيلة ردع قد تدفع المواطنين إلى التصالح وتقنين الأوضاع، فى حين يرى بعض المواطنين أن هذه الإجراءات قد تتغير أو يتم التراجع عنها مستقبلًا كما حدث فى مراحل سابقة، وهو ما يقلل من تأثيرها كعامل ضغط مباشر، واستمرار توصيل المرافق للمبانى المخالفة يقلل من دوافع التصالح، متسائلًا: “إذا كان المواطن يحصل على كهرباء ومياه وغاز ويستكمل البناء، فما الدافع الذى يجعله يُسرع فى إنهاء التصالح؟”، فالحافز الحقيقى يكمن فى ربط الخدمات بشكل كامل بإنهاء الإجراءات القانونية.
وشدد الجندى على أن إغلاق ملف مخالفات البناء بشكل نهائى يتطلب تطبيق ردع حقيقى وواضح، بحيث يُحرم المخالف من الخدمات الأساسية، فى مقابل حصول المواطن الملتزم على جميع حقوقه، لافتًا إلى أن التيسيرات المتتالية خلقت لدى البعض حالة من الترقب لقرارات أكثر مرونة مستقبلًا.
وفيما يتعلق بما يُعرف بـ"نموذج 8"، أكد أن القانون منذ نسخته الأولى نص على وقف القضايا والإجراءات القانونية ضد المبنى المخالف فور التقدم بطلب التصالح، لحين الفصل فى الملف بشكل نهائي، موضحًا أن هذا الإجراء ليس مستحدثًا فى التعديلات الأخيرة، مشيرًا إلى أن بطء بعض الإجراءات فى ملف التخطيط العمرانى يرتبط بظاهرة المخالفات نفسها، حيث تدفع التعديات المستمرة إلى إعادة رسم الأحوزة العمرانية وتحديث المخططات بشكل متكرر، ما ينعكس على معدلات التنفيذ داخل بعض المحافظات.
فى سياق متصل أكد الدكتور عبد المجيد جادو، الخبير العقاري، أن ملف التصالح فى مخالفات البناء يُعد خطوة محورية فى مواجهة ظاهرة العشوائيات والتجاوزات البنائية التى شهدتها مصر خلال العقود الماضية، وأن القضية لا تقتصر على المناطق غير المخططة فقط، وإنما تمتد إلى مناطق راقية شهدت مخالفات وتجاوزات فى اشتراطات البناء والرخص، ففلسفة التصالح بشكل عام مدخلًا مهمًا لمعالجة التشوهات العمرانية المتراكمة، وأن استمرار العشوائية لا يليق بصورة الدولة ولا بتاريخها الحضارى والمعماري.
وأشار جادو إلى أن العشوائيات لا ترتبط فقط بالمناطق الفقيرة، وإنما تشمل أى تجاوزات للبناء المخالف لاشتراطات الترخيص، موضحًا أن بعض الأبراج تم تنفيذها فى فترات سابقة دون الالتزام الكامل بالمعايير التخطيطية، ما ساهم فى خلق مشهد عمرانى غير منضبط فى بعض المناطق، ومعالجة ملف التصالح يجب أن تكون مدخلًا لإغلاق صفحة الأخطاء السابقة وبدء مرحلة جديدة قائمة على التخطيط السليم والانضباط العمراني، بما يحافظ على الهوية المعمارية لمصر ويعكس قيمتها الحضارية، معتبرًا أن العمران هو “مرآة حضارة الشعوب” ويجب أن يعكس صورة إيجابية للأجيال القادمة.
وشدد الخبير العقارى على ضرورة وضع إطار تشريعى وتنفيذى شامل قادر على حل جذرى لمشكلات البناء المخالف، بدلًا من استمرار المعالجات الجزئية، وتكرار محاولات التصالح دون حلول نهائية قد يؤدى إلى استمرار المشكلة بدلًا من إنهائها، مؤكدًا أن المواطن فى كثير من الحالات يجد صعوبة فى التعامل مع تعقيدات الإجراءات الحالية، ما يتطلب تقديم حلول أكثر وضوحًا وسهولة فى التطبيق، بما يضمن دمج الأوضاع المخالفة فى الإطار القانونى بشكل نهائى دون إطالة أمد الأزمة.
وتابع أن نجاح ملف التصالح يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين الجوانب القانونية والتخطيطية والهندسية، بحيث يتم وضع نظام قابل للتنفيذ على أرض الواقع، ويمنع تكرار نفس الأخطاء مستقبلًا، وقطاع العقار يمثل أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية فى البلاد، وحل أزمة مخالفات البناء بشكل جذرى يتطلب إرادة واضحة ورؤية شاملة لإعادة تنظيم العمران فى مصر، بما يحقق التوازن بين التنمية والانضباط ويحفظ الهوية العمرانية للدولة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تقليل المضاعفات المرضية والحد من التشخيص الخاطئ للأدوية نستهدف تقليل الهدر الدوائى وضبط الاستيراد ومنع التهريب وتوفير مليارات الجنيهات سنوياً...
د. عبدالمجيد جادو: خطوة محورية فى مواجهة العشوائيات ومخالفات البناء د. صبرى الجندى: تسهيلات غير مسبوقة لإنهاء الإشكاليات خلال فترة...
فى الوقت الذى يتخلى فيه بعض الزوجات عن أزواجهن حينما يتعرض الأزواج لأزمات مادية وأمراض جسدية.. سطرت المهندسة نيرمين جمال...
مخالفة مرورية عقوبتها تبدأ بغرامة بين 5 آلاف و15 ألفًا الزنكلونى: الغرامة تتضاعف إذا تكررت المخالفة فى خلال 6 شهور