شخصيات لها تاريخ «8» على بك الكبير.. ابن القس الأرثـوذوكسى خادم الحرمين

على بك الكبير استولى على اليمن وجدة وملك بلاد الحجاز واسمى نفسه خادم الحرمين وعقد معاهدة مع البندقية

على بك الكبير، واحد من "بكوات المماليك" البارزين فى تاريخ مصر الحديث، قضى مهمته ولعب دوره فى القرن الثامن عشر الميلادى، وهو قبل أن يصبح "مملوكا"، كان ابن "قس" مسيحى أرثوذوكسى من قرية "أماسيا" فى منطقة "الأناضول"، اختطفه أحدهم ـ من النخاسين وتجار الرقيق ـ وباعه فى "القاهرة" للأمير "إبراهيم كيخيا" وكان عمره ثلاث عشرة سنة، ودخل ضمن مماليك سيده الجديد، وتعلم تعليم المماليك وتفوق على أقرانه، فأعتقه ـ كيخياـ ورقاه، وواصل تدرجه فى المناصب والمواقع حتى أصبح "شيخ البلد" وهو منصب يعادل "محافظ القاهرة" فى الوقت الراهن، وكانت محاولته لانتزاع مصر من قبضة الدولة العثمانية، هى التى كتبت نهايته، ومات على فراشه محزونا متألما بسبب خيانة تلميذه "محمد بك أبو الدهب"، الذى فضل "السلطان العثمانى" وارتضى المال والمنصب وخذل أستاذه الذى منحه ثقة كبرى لم يرعها حق رعايتها.

بعد سقوط دولة "المماليك" على أيدى قوات الجيش العثمانى، وموت "قانصوه الغورى" وإعدام "طومان باى" اختفى المماليك فى القرى والنجوع، وخبأوا ثرواتهم فى المقابر، وجاع منهم من جاع، وكان البعض منهم يتسول الرغيف و"الفول المدمس"، من المصريين فى شوارع القاهرة، وكان السلطان "سليم الأول" حريصا على تنظيم الإدارة فى "ولاية مصر" التى خضعت لسلطانه وصارت مجرد ولاية من ولايات الدولة العثمانية، فجعل "المماليك" قوة ثالثة تحقق التوازن بين "الوالى" وقوات "الإنكشارية" التركية الموجودة فى مصر منذ سقوط دولة المماليك، وجعلهم  يتولون مناصب المحافظين "حكام المديريات أو السنجقيات"، ومصر كانت مقسمة إلى أربع عشرة مديرية أو "سنجقية" وجعل "شيخ البلد" من "بكوات المماليك"، وشيخ البلد هو "حاكم القاهرة"، وكان منصبا لا قيمة له فى سنوات قوة الدولة العثمانية، ولما ضعفت أصبح "شيخ البلد" المنصب المهم الذى يتحكم فى "الوالى" و"الإنكشارية"، وتطلع "على بك الكبير" إلى منصب "شيخ البلد"، وكان اسمه آنذاك "على بلاط" وأضيف إليه لقب "بك" وسمى نفسه خادم الحرمين، مثله مثل "الظاهر بيبرس" السلطان المملوكى المجاهد، و"السلطان سليم الأول" الذى حمل لقب "خادم الحرمين" وأضاف إليه " وخاقان البحرين غيره من الألقاب الدالة على السلطة والعزة والقوة.

 تلميذ إبراهيم كيخيا

المماليك فى ظل السيطرة العثمانية، انقسموا فرقتين "القاسمية" و"الفقارية" نسبة إلى أميرين هما " قاسم بك" و"ذوالفقار بك" وقيل إن هذين الأميرين المملوكيين ولدى مملوك أكبر هو "سنودون" وهو "بك" وكان من الأمراء الكبار بين المماليك "المصرلية" و ـ المصرلية ـ نسبة إلى "مصر" لتمييز "المماليك" عن "الإنكشارية"، وهو الجيش العثمانى التركى الخاضع للباشا "الوالى" المعين بفرمان السلطان المقيم فى "الأستانة" عاصمة الدولة العلية، وقيل إن "قاسم" زعيم القاسمية هو "قاسم عيواظ بك" و ذو الفقار هو "ذو الفقار بك الكبير"، والحقيقة أن الحزبين المتصارعين، كان "السلطان سليم" هو خالق العداوة بينهما، ليطمئن على "ولاية مصر" وتبقى خاضعة له ولا يتوحد المماليك فينتزعونها منه، وفى ظل هذا المشهد السياسى، كان "على بك" مملوكا لدى "إبراهيم كيخيا" الذى كانت بحوزته المئات من المماليك، وكان "سلحدار" بين مماليك ـ كيخيا ـ وكان مقربا من سيده "أستاذه" وجعله ناقل سيفه، ومما زاده تعلقا به أن اصطحبه إلى "الحرمين" فى قافلة، وكان قد أصبح "كاشفا" فسار قائدا للقافلة، وفى الطريق لقيتهم عصابة واعترضتهم، فقاتل "على" قتال الأبطال، بقلب لا يهاب الموت، فلقبه المماليك بلقب "الجنى" ـ من الجن ـ دلالة على قوته الخارقة للعادة، ولما رجع "إبراهيم كيخيا" إلى "القاهرة"، عزم على مكافأته ومنحه رتبة "بك"، ولم يتمكن من تنفيذ ما اعتزمه، بسبب صغر سن "على" وعداوة أظهرها الأمير "حسين الخشاب" البك المملوكى، وتوالت الأحداث ومنها وصول "الباشا" العثمانى ـ الوالى ـ إلى الإسكندرية، وخرج "البكوات" المماليك ليستقبلوه كالعادة، ويدرسونه قبل أن يسمحوا له بدخول "القاهرة" عبر فرع رشيد "من نهر النيل" وكان عادة المماليك، بعد سقوط دولتهم، التجسس على "الوالى" فى صورة "الاستقبال والتكريم" ولو وجدوه غير موافق لهم، منعوه من الخروج من الإسكندرية والعكس صحيح، وكان الباشا الجديد هو "راغب محمد"، وسافر "شيخ البلد" ليستقبله فى الإسكندرية ومعه "البكوات" الكبار، واستقبلهم ـ الباشا ـ وخلع عليهم الخلع الجميلة، واجتمع بهم وأقسموا جميعا على الطاعة والإخلاص لأمير المؤمنين "السلطان العثمانى"، وقضى "راغب باشا" عامين طيبين فى مصر، وكان محل قبول "بكوات المماليك"، ثم ورده  فرمان سلطانى، يأمره بقتل "البكوات" وقطع دابرهم ومعهم "شيخ البلد"، وفهم ـ الباشا ـ أن "وشاية" بلغت أسماع "السلطان" تتهمه بالتعاون مع "البكوات" ضد الدولة وضد عظمة السلطان، ووقع الباشا فى الحيرة، ولكنه حسم الأمر وقرر قتل "البكوات المماليك"، وفى اجتماع له معهم، اقتحمت قوة من "الإنكشارية" وقتلت من البكوات الكثير، وهرب ثلاثة بكوات، وكان "شيخ البلد" من الناجين، ولما عاتبه الناجون على جريمته أظهر لهم الباشا، الفرمان السلطانى، وبرأوا ساحته، لكنهم طلبوا عزله عن ولاية مصر، وفى ظل هذا الارتباك، رقى "إبراهيم كيخيا "مملوكه المفضل" على بلاط " إلى رتبة "بك"، وهو شيخ البلد المستقوى بمماليكه، و"على" أكثرهم شجاعة وقوة،لكن "إبراهيم بك الشركسى" رفض القرار، ونمت بينه وبين ـ كيخيا ـ عداوة وكراهية، نتج عنها مقتل "كيخيا" على أيدى "الشركسى" ومماليكه، بعد خمس سنوات مضت على ترقية "على" التلميذ المحبوب من أستاذه.

 قتال البكوات

تولى "رضوان بك " منصب "شيخ البلد" وهو صديق "إبراهيم كيخيا" ولم يحصل "إبراهيم الشركسى" على ما تمناه، رغم قتله "كيخيا"، وبعد أن تولى ـ رضوان ـ المنصب، ظهر "حسين بك" وطالب بالمنصب، وجمع مماليكه وصعد إلى " القلعة" واستولى على "مدفع" وأطلق ناره على "بركة الفيل" ـ الحى الذى يسكنه رضوان بك ـ وقتل، لأن طلقات المدفعية هدمت البيوت على رؤوس ساكنيها، وأصبح "حسين بك" شيخ البلد، بعد مقتل رضوان بك، وحاول التقرب إلى البكوات ويكسب عطفهم، لكنهم قتلوه أثناء عرض عسكرى لمماليكه فى السهل الواقع بين "القاهرة" وأرض "إبراهيم بك"، وأصبح يذكر اسمه متبوعا بكلمة "المقتول"، فهو "حسين بك المقتول" وتولى "خليل بك" منصب شيخ البلد، وكان يكره "على بك"، وجرت الوقائع هذه، فى ظل سلطنة "مصطفى بن محمد"، وهو "مصطفى الثالث" وكانت أيام حكمه حسنة، وبعد موته نشب الصراع بين "الإمبراطورية الروسية" و"الدولة العثمانية"، فلما تولت "الإمبراطورة كاترينا" العرش الروسى بعد موت زوجها القيصر "بطرس الأكبر"، قامت بتعيين "ستسلاس يونيا تسكى" ملكا على "بولونيا" بالمخالفة للمعاهدة المعقودة بين "الدولة العثمانية" و"روسيا"، وتوترت الأجواء بين الدولة العلية والإمبراطورية الروسية، وتواصل "على بك الكبير" مع الروس، وكان طوال سنوات يجهز نفسه للانتقام من قتلة أستاذه "إبراهيم كيخيا" وتولى منصب "شيخ البلد" فاشترى  أعدادا كبيرة من المماليك، ووطد علاقاته مع "البكوات الكبار" بالحرص على منحهم العطايا والهدايا، فخاف منه "خليل بك" فأرسل إليه من يقتله، وكان "حسين كشكش" هو المكلف من ـ خليل بك ـ شيخ البلد بقتل "على بك" وهاجمه بالفعل فى شارع من شوارع القاهرة، ونجا "على" وهرب ومعه أتباعه من المماليك والبكوات  إلى الصعيد، وأعلن "خليل بك" أن "على بك" وصحبه مجردون من رتبهم وحقوقهم، وولى بدلا عنهم "بكوات" من رجاله المقربين، وفى الصعيد اتفق "على بك" و"صالح بك" ـ وهو من مماليك مصطفى أنور وكان منفيا من القاهرة ـ وكان يكره "خليل بك" وتحركت قوات "على بك وصالح بك" نحوالقاهرة، ووقعت معركة بينهم و قوات "خليل بك وحسين كشكش"، وكانت الغلبة لقوات على وصالح، فقتل "حسين كشكش" وهرب "خليل بك" إلى "طنطا" وقبض  عليه رجال ـ على وصالح ـ وفى "الإسكندرية" تم خنقه، وحملت رؤوس القتلى من رجال خليل وكشكش إلى القاهرة وطاف بها المنتصرون فى شوارع المدينة.

 على بك شيخ البلد

تسلم "على بك الكبير" مشيخة البلد، وأصدر أمره بقتل "إبراهيم الشركسى" قاتل أستاذه "إبراهيم كيخيا"، وبعد قتله، ثار ضده أتباع ـ الشركسى ـ فخاف "على بك" على نفسه، وهرب إلى "سوريا" ولجأ عند حاكم بيت المقدس، وهو صديق قديم له، ولم يطب له المقام، لأن "بكوات" القاهرة، أبلغوا "السلطان" فأصدر "فرمان" لحاكم بيت المقدس يلزمه بتسليم "على بك" إلى الباب العالى، ولما علم "على بك" هرب من بيت المقدس إلى "عكا" واستقبله "ضاهر العمر" أميرها، وحصل له على العفو من "السلطان" وألغى "فرمان" القبض عليه، وأعيد إلى القاهرة، وتولى منصب "شيخ البلد" مرة ثانية،  وفى تلك الفترة كان "راغب باشا" ـ والى القاهرة السابق ـ قد أصبح "الصدر الأعظم" فى السلطنة، وكان يدعم "على بك" لدى السلطان، ولما توفى ـ راغب باشا ـ وجد "على" نفسه وحيدا، فهرب إلى "اليمن" وفى العام التالى لعام وفاة راغب باشا ـ 1180 هجرى ـ استعاد "على بك" منصب "شيخ البلد" ووقع الخلاف بينه وبين حليفه "صالح بك"، فكلف "إبراهيم الكاشف" بقتله، وقتله، وخاض "على" معارك ضارية ضد "العربان" فى الوجه البحرى، وتولى الحرب ضدهم واحد من أتباعه "أحمد باشا" فقتل منهم الكثير، حتى أسماه الناس "الجزار" وهو نفسه "أحمد باشا الجزار" الذى أصبح فيما بعد والى "عكا " وقاوم حملة "نابليون" وأفشلها فلم تتمكن من الشام.

وقام "على بك" بترقية ثمانية عشر مملوكا إلى رتبة "بك" كان من بينهم "مراد بك وإبراهيم بك ومحمد بك أبو الدهب" والأخير هو من خان "على بك الكبير" وتحالف مع خصومه وهو أستاذه الذى قربه إليه ورقاه ومنحه مكانة الرجل الثانى وتمكن "على بك" من تحقيق الأمن، والقضاء على عصابات اللصوص، وبدأ فى  تنفيذ خطته الهادفة إلى انتزاع "مصر" من السلطان العثمانى، والاستقلال بحكمها، ومن خطواته التى اتخذها، استبدال ـ العسكرـ الموالين للسلطان العثمانى برجاله المخلصين، ولم يتبق سوى "الإنكشارية" وزاد عدد "المماليك" حتى بلغ عددهم الستة آلاف مملوك، ومنع "البكوات" من أملاك المماليك، كل "بك" يحق له امتلاك مملوك أو اثنين، حتى لا تكون هناك قوة تهدد وجوده السياسى والإدارى، وخاض معركة ضد الوالى العثمانى "محمد باشا" وكان الوالى رافضا، تقليل أعداد العسكر العثمانى وزيادة أعداد مماليك "على بك" ورفض "الكبير" قرارات ورغبات الوالى، فتحالف ـ الوالى ـ مع خصوم على بك "مماليك إبراهيم الشركسى" والتحق بهم "محمد بك أبوالدهب"، وهو ـ رجل على بك وزوج ابنته ـ ووعده "محمدباشا" الوالى بتوليته منصب شيخ البلد، جزاء لاشتراكه فى عملية التخلص من أستاذه وصهره "على بك الكبير"!

 حرب القياصرة والسلاطين

فى العام ـ 1182 الميلادى ـ نشبت الحرب بين "روسيا" و"الدولة العثمانية" وكانت روسيا محكومة بالقيصرة "كاترينا" وكانت العداوة قائمة بين "الأستانة" وروسيا القيصرية، وطلب السلطان مددا من "على بك الكبير" شيخ البلد، يتمثل فى اثنى عشر ألفا من الجنود لقتال "روسيا" وشرع ـ على بك ـ فى تجهيز الجيش المطلوب، لكن "الباشا" والى مصر، أقنع السلطان بأن هذا الجيش لن يكون داعما للسلطنة، بل هو جيش يجهزه ليحارب به الدولة والسلطان نفسه، وصدق ـ السلطان ـ ما قاله "الوالى" وأرسل "الفرمان" من الأستانة وفيه تكليف للوالى بقتل "على بك" وإرسال رأسه إلى الباب العالى، وتسرب الخبر إلى "على بك" فاحتاط، بأن جعل فرقة من مماليكه المخلصين يتربصون بمندوب السلطان القادم من "الأستانة" ـ خارج القاهرة، وقبضوا عليه وقتلوه ومن معه وحالوا دون وصول "الفرمان" إلى "الوالى"، وعقد "على بك الكبير" اجتمــاعا مع أفراد "ديوان البكوات" وأخبرهم بمــا معنــاه أن السلطـــان كلف الـــوالى بقتــلــهــم جميعا وخطب فيهم:

"ـ اعلموا أن مصر ما برحت منذ القدم يحكمها دول من "المماليك"، كانوا سلاطين أشداء، تفاخر بهم الأرض السماء، فهيا نسعى للاستقلال فإن فيه حياتنا وحريتنا..

وعاهده ـ البكوات ـ على العمل على تحقيق الهدف الذى يسعى إليه، وأرسل إلى صديقه "ضاهر العمر" يخبره باستقلال مصر عن السلطان العثمانى، وأقرـ ضاهر ـ الفكرة ودعمه برجاله، وأضافهم إلى الآلاف من "المماليك" التابعين لصديقه "على بك الكبير"، وغضب السلطان العثمانى، وأرسل "فرمان" إلى والى "دمشق" وطلب منه منع جنود "عكا" من الانضمام إلى "على بك"، ولكن ـ ضاهر العمرـ تصدى لوالى دمشق فى منطقة واقعة بين"بحيرة طبرية" و"لبنان" وأجبره على العودة من حيث أتى، ولم يرسل ـ الباب العالى ـ جنودا لقتال "على بك" وحليفه "ضاهر العمر"، وواصل "على بك الكبير" خطوات الإصلاح فى "مملكة مصر" التى  أصبح ملكا عليها، فخفض الضرائب المفروضة على الفلاحين والتجار، وجعل "المعلم ميخائيل فرحات" القبطى، مسئولا عن الجمارك، بعد مقتل  اليهودى الخائن "يوسف بن لاوى" وقهر "العربان" ومنح نفسه كل السلطات التى كانت للوالى، وخاض الحرب فى الصعيد، ضد  شيخ العرب "همام بن يوسف" شيخ قبيلة "هوارة"، وكان القائد فى تلك الحرب هو "محمد بك أبو الذهب"، وكان "همام بن يوسف" استحوذ على منطقة من الصعيد تمتد من "ملوى" إلى "أسوان" وكان معه قبائل العربان، والفلاحون، وكانت هزيمة "همام" بداية نهايته، فقد تعرض للخيانة من أقارب له "إسماعيل الهوارى" حسب ما ورد فى كتب المؤرخين، وهرب "همام" من فرشوط إلى "قبلى قامولا" بجوار الأقصر، وهناك وافاه الأجل، قهرا وحزنا على ما ضاع من هيبة وسلطة وثروة.

وتوجه "على بك الكبير" إلى "اليمن" واستولى عليه، ومنه إلى "جدة" واستولى عليها، وملك بلاد الحجاز، وأسمى نفسه "خادم الحرمين"، وعقد معاهدة مع "البندقية" ـ العدو القديم للدولة العثمانية ـ واستطاع التواصل مع "الكونت أورلوف" قائد القوات الروسية فى البحر المتوسط والبحر الأسود، وخاطبه بخصوص عقد معاهدة دفاعية مع "كاترينا الثانية" ـ قيصرة الروس ـ واستطاع جنوده متضامنين مع جنود "ضاهر العمر" الاستيلاء على "غزة" و"الرملة" و"نابلس" و"القدس" و"يافا" و"صيدا" و"دمشق"، وكانت هذه  الانتصارات مفجر الكراهية فى قلب "محمدبك أبو الدهب" تجاه أستاذه وصهره "على بك الكبير" فتواطأ مع "السلطان العثمانى" وكانت المخابرات السرية بينهما متواصلة عبر"الوالى" الذى طرده "على بك" من القاهرة.

 خيانة محمد أبو الدهب

سافر"محمد بك أبو الدهب" إلى الصعيد، واستولى على "أسيوط" وعقد اجتماعات مع شيوخ "العربان" وخاطبهم برغبته فى "خلع" على بك الكبير، ومضى بقواته قاصدا "القاهرة"، وعلم "على بك" الخبر، فحشد ثلاثة آلاف من رجــاله بقيـــادة "إسمـــاعيــل بك" وطلب منه منع دخول "أبو الدهب" عبر النيل، لكن "إسماعيل بك" خان "على بك" وانضم بجيشه إلى جيش "أبو الدهب"، وخرج على بك الكبير ـ بعد أيام ـ قاصدا "عكا"، قبل دخول "أبو الدهب" القاهرة بيوم واحد، وفى "عكا" استقبله "ضاهر العمر" استقبالا طيبا، ووصل إلى ميناءـ عكا ـ أسطول روسى، وعقد اتفاقية معه وأمده بالمؤن والذخائر وقرر أن يخوض الحرب ضد "محمد بك أبو الدهب" وكان قائد قواته هو "على بك الطنطاوى"، وكانت هذه القوات مكونة من ألفى وخمسمائة "مملوك"، ومعهم رجال "ضاهر العمر" ورجال ولده "الشيخ شبلى"، ورجال حاكم مدينة "صور" وفرقة كبيرة العدد من "المغاربة"، ووقعت الحرب، بين جيش "على بك الكبير" وجيش "محمد بك أبو الدهب" بالقرب من "الصالحية" وأصيب "على بك" رغم انتصاره على "أبوالدهب" الذى استمال "المغاربة" ومنحهم المال مقابل التخلى عن "على بك"، واستمال "مراد بك" و"إبراهيم بك"، وكان من شروط "مراد بك" للموافقة على "الخيانة" أن تكون ثروة "على بك" من نصيبه، حتى أرملته "نفيسة البيضاء" تكون أيضا من نصيبه، وقتل "على بك الطنطاوى" وقتل "الشيخ شبلى"، وتوجه "الشيخ كريم" والشيخ حسن وهما من أصدقاء "على بك الكبير" وطلبا منه السفر معهما إلى "غزة" بعد وقوع الخيانة وانكسار جيشه، لكنه رفض وقال:

ـ إنى ملازم هذا الوضع، لا أبرحه، حتى تبرحنى نفسى، لأن الموت ـ هنا ـ أفضل عندى من الفرار..

وبقى "على بك الكبير"ـ خادم الحرمين ـ فى خيمته، وداهمه خمسون من المماليك، فقاتلهم، وقتل منهم واحدا، وجرح منهم اثنين، فأطلقوا عليه النار من "البنادق" فجرحوه فى ذراعه اليمنى وفخذه، فظل يقاتل بيده اليسرى، إلى أن وثب عليه القائد، وقبض عليه وأسلمه إلى "محمد بك أبوالدهب"، ونقله إلى بيته فى "درب عبدالحق" وبعد سبعة أيام، فاضت روحه إلى بارئها، ودفن فى مقبرة أستاذه "إبراهيم كيخيا" بجوار مسجد الإمام الشافعى.

يستأنف الكاتب خالد إسماعيل

حلقات شخصيات لها تاريخ بعد شهر رمضان

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

شخصيات لها تاريخ
شخصيات لها تاريخ «85» شريف باشا الفرنساوى.. أبو البرلمان المصرى
شخصيات لها تاريخ «83» محمد أحمد المهدى.. قائد ثورة الصوفية فى بلاد الس
عبّاس الأول.. حكم مصر خمس سنوات وقتله المماليك فى مدينة بَنْها

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد