القانون ومواجهة خطاب الكراهية في العصر الرقمي

كيف نحمي الكرامة ونصون التعايش؟

تبدأ كثير من الأزمات الكبيرة بكلمات قيلت باستخفاف، أو سخرية رددت حتى اعتادها الناس، أو خطاب أخذ يصف بعضهم بعضا بلغة تضعف الاحترام وتفتح باب الإقصاء. ولهذا فإن الحديث عن خطاب الكراهية ليس حديثا عن ألفاظ منفلتة فحسب، بل عن أثر يتجاوز العبارة إلى ما تتركه من صدع في الثقة، وتغذية للاحتقان، وإضعاف لفكرة المواطنة في معناها الأرفع. والمجتمع الذي يريد أن يحافظ على تماسكه لا يكتفي برفض العنف المادي، بل ينتبه كذلك إلى اللغة التي قد تمهد له، أو تجعل التمييز أكثر قبولا، أو تحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة جارحة.

المستشار/ حسام الدين علام
مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام


وفي هذا السياق، تبدو الحاجة إلى مقاربة واعية ومطمئنة في آن واحد: مقاربة ترفع قيمة الكلمة، وتؤكد أن الاحترام ليس مجاملة اجتماعية زائدة، بل ركيزة من ركائز السلم المجتمعي والحفاظ على وحدة وقوة النسيج المجتمعي. فالقضية هنا لا تتصل بإسكات الناس، بل بتحسين مستوى الخطاب العام، وإبقاء المنابر والمنصات ساحات للنقاش المسؤول لا مجالات للتحقير والتحريض. ومن هنا جاءت أهمية النقاشات العامة الأخيرة حول خطاب الكراهية والعنف، وما صاحبها من تأكيد على دور التعليم، والإعلام، والثقافة، والتشريع، في بناء بيئة عامة أكثر اتزانا واحتراما.

الكرامة الإنسانية هي نقطة البداية

خطاب الكراهية لا يقاس فقط بحدة النبرة، بل بطبيعة الرسالة التي يحملها. فعندما تقدم فئة من الناس بوصفها أقل احتراما، أو أقل استحقاقا، أو أكثر قابلية للسخرية أو الاستبعاد بسبب الدين أو الأصل أو اللون أو اللغة أو غير ذلك من السمات الملازمة للهوية، فإننا نكون أمام خطاب يضغط على الكرامة الإنسانية في جوهرها. وفي الفهم الحقوقي المستقر، تتجاوز الخطورة هنا مجرد التعبير القاسي، لأن اللغة تصبح وسيلة لصناعة التحيز، أو لتبرير التمييز، أو لتهيئة مناخ يقبل فيه الازدراء بوصفه أمرا مألوفا.

وهذا هو السبب في أن الكلمة المسؤولة ليست ترفا بل ضرورة. فالمجال العام لا يفسده الاختلاف في الرأي، وإنما تفسده اللغة التي تنقل الاختلاف من ساحة الفكرة إلى ساحة الانتقاص من الإنسان نفسه. وحين يتسع هذا النمط من الكلام، يضعف شعور بعض الناس بالأمان والقبول، وتتراجع الثقة المتبادلة، ويصبح التعايش أقل رسوخا. لذلك فإن صون الكرامة في الخطاب العام ليس مجرد مطلب أخلاقي، بل شرط من شروط بقاء المجتمع متماسكا وقادرا على إدارة تنوعه بوعي ونضج.

الدستور المصري يرسخ المساواة ويحظر الحض على الكراهية

وضع الدستور المصري الأساس الحاكم لهذه القضية بعبارات واضحة وحاسمة. فالمادة (53) تنص على أن: "المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الإجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر. التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون."

هذه الصياغة لا تعلن المساواة مبدأ عاما فقط، بل تجعل الحض على الكراهية خروجا على هذا المبدأ وعدوانا على البنية الدستورية للمجتمع.

ويتعزز هذا البناء مع المادة (93) التي تقرر أن: "تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التى تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقا للأوضاع المقررة."

كما تتكامل هذه الحماية مع المادة (65) التي تنص على أن: "حرية الفكر والرأى مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر." ثم تأتي المادة (71) لتؤكد حرية الصحافة ووسائل الإعلام، مع إبقاء الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد في النطاق الذي يحدده القانون.

والمعنى هنا بالغ الوضوح: الحرية أصل، والمساواة أصل، والكرامة أصل، والقانون يرسم الحد الفاصل حين يتحول الكلام من ممارسة مشروعة للتعبير إلى خطاب يجرح المجتمع أو يفتح باب التمييز والتحريض.

ومن منظور قانوني أدق، فإن المسألة لا تقف عند حدود الخطاب المرفوض أو السلوك غير المقبول، بل تدخل في نطاق التجريم متى تحولت الكراهية أو التمييز إلى فعل أو امتناع يمس المساواة بين المواطنين على أساس الدين أو الأصل أو اللغة أو العقيدة، ويترتب عليه الإضرار بتكافؤ الفرص أو المساس بالعدالة الاجتماعية أو تعكير السلم العام.

وبهذا يتبين أن التنظيم القانوني لا يلاحق الاختلاف في الرأي، وإنما يحمي المجتمع من الخطاب الذي ينقض أسس العيش المشترك ويستهدف بعض الناس في أصل كرامتهم واستحقاقهم للمساواة.

حرية التعبير تبلغ كمالها حين تقترن بالمسؤولية

من أهم ما يحتاجه تناول هذا الملف هو التمييز الهادئ والواضح بين حرية التعبير وخطاب الكراهية. فحرية التعبير تحمي النقاش، والاجتهاد، والاختلاف، والاعتراض، ونقد السياسات والأفكار والمواقف العامة.

أما خطاب الكراهية فيتجه إلى شيء آخر: إلى تحقير الإنسان أو الجماعة في أصل كرامتها، أو تصويرها بوصفها أقل قيمة، أو أقل أهلية للاحترام، أو هدفا سهلا للسخرية والإقصاء. ولهذا فإن المجتمع لا يربح شيئا من الخلط بين النقد المشروع وبين التحقير المتعمد، لأن هذا الخلط يظلم الحرية نفسها، ويجعلها تبدو وكأنها غطاء للتمييز والإهانة، بينما حقيقتها أرقى من ذلك بكثير.

والوعي بهذه الحدود لا ينتقص من حيوية المجال العام، بل يرفع من مستواه. فالنقاش يزداد قوة حين يستند إلى الحجة لا إلى الازدراء، ويصبح أكثر تأثيرا حين يواجه الفكرة بالفكرة، لا حين يهاجم أصحابها في هوياتهم وانتماءاتهم.

وهذا هو المعنى الذي يجعل الحرية والمسؤولية شريكين لا خصمين: حرية تمنح الناس حق الكلام، ومسؤولية تحفظ لهذا الكلام قدرته على الإقناع بدل أن تهبط به إلى مستوى التحقير أو التحريض.

وفي هذا الإطار، فإن ترسيخ ثقافة الحوار الحضاري ليس ترفا ثقافيا، بل استثمار مباشر في استقرار المجتمع ونضج خطابه العام.

الأسرة والتعليم والإعلام يصنعون المناخ الأفضل

القانون ضروري، لكنه لا يعمل وحده. فالمناخ العام الذي يضيق بخطاب الكراهية يبدأ من البيت، حين يتعلم الطفل أن السخرية من الناس بسبب دينهم أو شكلهم أو أصلهم أو إعاقتهم ليست خفة ظل، بل إيذاء يجرح الكرامة ويضعف احترام المجتمع لنفسه.

ويكبر هذا الوعي في المدرسة والجامعة، حين يتدرب الطلاب على إدارة الاختلاف بلغة محترمة، ويدركون الفارق بين نقد الفكرة والطعن في الإنسان، وبين قوة الحجة وسهولة الإهانة. ولهذا اكتسبت الدعوات الأخيرة إلى ترسيخ الحوار الحضاري في المؤسسات التعليمية، وإعداد محتوى تربوي وإعلامي يعزز التسامح والاحترام، أهمية خاصة في هذا الملف.

أما الإعلام وصناعة المحتوى، فلهما دور بالغ الحساسية. فالعنوان، وطريقة العرض، واختيار الصور، وطبيعة التعليق، والانتقائية في السرد، كلها تؤثر في تشكيل المناخ العام. وقد ترفع اللغة من قيمة المجتمع، كما قد تدفعه إلى مزيد من التوتر والاصطفاف.

ولهذا فإن المهنية الإعلامية هنا ليست مجرد مهارة تحريرية، بل مساهمة مباشرة في حماية التماسك الاجتماعي. ويصدق الأمر نفسه على مستخدمي المنصات الرقمية؛ فكل مشاركة أو تعليق أو إعادة نشر يمكن أن تكون إضافة إلى خطاب أرقى، كما يمكن أن تكون جزءا من توسيع أثر خطاب مؤذ.

ومن هنا تصبح المسؤولية اليومية لكل فرد جزءا من الوقاية العامة: ألا نكافئ المحتوى الذي يقوم على الازدراء، وألا نعيد تدوير ما يفتح باب الكراهية أو يهون من التمييز.

كيف نبني خطابا عاما أكثر احتراما واتزانا

الطريق الأفضل في هذا الملف يبدأ من الوعي، ويمر بالتربية، ويستند إلى القانون.

أول ما نحتاجه هو ترسيخ فهم عام واضح للفارق بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، حتى لا يختلط الدفاع عن الرأي بالتسامح مع الإهانة والتحريض.

وثاني ما نحتاجه هو تقوية البرامج التعليمية والثقافية التي تغرس قيم المواطنة، والتعايش، واحترام التنوع، وتدرب على الحوار بدل الانفعال، وعلى الإنصاف بدل التحقير.

وثالث ما نحتاجه هو بيئة إعلامية أكثر اتزانا، تجعل الكلمة أداة تفسير وتقريب، لا وسيلة استثارة وإقصاء.

ورابع ما نحتاجه هو استمرار تفعيل الأدوات القانونية حيث يبلغ الخطاب حدود التحريض على الكراهية أو التمييز أو العنف، مع وضوح في المعايير، وحساسية للسياق الاجتماعي والثقافي، وحرص على أن يبقى القانون حاميا للمجتمع لا عبئا على حيوية المجال العام.

وهناك توصية أعمق من كل ذلك: أن يصبح احترام الناس جزءا من الذوق العام، لا مجرد خوف من العقوبة. فالقانون يضع الحد الفاصل، لكن المجتمع هو الذي يرفع السقف. وحين تصبح اللغة التي تصون الكرامة هي اللغة الأجدر بالاحترام والقبول، يفقد خطاب الكراهية كثيرا من جاذبيته وانتشاره.

وهذا هو المسار الأكثر نضجا وجدوى: إضعاف خطاب الكراهية قانونا وثقافة معا، وترسيخ خطاب بديل يعرف قيمة الإنسان، ويؤمن بالمواطنة، ويحسن إدارة الاختلاف من غير أن يحوله إلى عداوة أو ازدراء.

في النهاية، لا تقاس قوة المجتمع فقط بصلابة مؤسساته، بل أيضا باللغة التي يدير بها اختلافه. والمجتمع الذي يحمي الكلمة من أن تتحول إلى أداة إقصاء أو ازدراء يحمي كرامته وسلامه الأهلي وثقته بنفسه.

ولهذا فإن القانون، حين يواجه خطاب الكراهية، لا يضيق على الناس، بل يفتح لهم أفقا أرقى للتعبير المسؤول، ويصون المساواة، ويبقي المجال العام صالحا للنقاش لا للنبذ. هذه هي المعادلة الجديرة بالتمسك: حرية راشدة، وكرامة مصونة، وكلمة تبني ولا تهدم، وتقرب ولا تجرح، وتحفظ المجتمع من التصدع بدل أن تدفعه إليه.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

القانون ومواجهة خطاب الكراهية في العصر الرقمي

تبدأ كثير من الأزمات الكبيرة بكلمات قيلت باستخفاف، أو سخرية رددت حتى اعتادها الناس، أو خطاب أخذ يصف بعضهم بعضا...

المرأة قلب الأسرة النابض.. من رحمها يبدأ أمن المجتمع

لم تعد معركة الأسرة الحديثة تُخاض عند الأبواب، بل أصبحت تدور في صمتٍ داخل الغرف المغلقة، حيث يجلس الأبناء لساعات...

الفراشة والصرصار.. لماذا لا نحكم كما نعتقد؟

في موقف بسيط، قد نقف جميعا على نفس رد الفعل تقريبا. نرى فراشة، فنبتسم، نراقبها، وربما نشعر بشيء من الراحة...

فوائد واضرار لحوم الاضاحي

تعد اللحوم الحمراء من الأطعمة المحببة للعديد من الأفراد، وهي مصدراً غذائياً أساسياً، لاحتوائها على البروتينات وجميع الأحماض الأمينية الأساسية...