الضحايا المنسيون للحروب

يصابون بأمراض نفسية خطيرة منها «اضطراب ما بعد الصدمة»/ بعد الحرب يشعر الإنسان بما يسمى «اليقظة المفرطة» / خبراء نفسيون: استمرار العدوان على غزة له آثار مستقبلية على كل من تابع مجازر جيش الإحتلال/ مكتب منع الانتحار بين العسكريين الأمريكى أعلن أن عام 2021 شمل أعلى معدل لحالات الانتحار بين الجنود

الحروب تفتح أبواب الجحيم على من يشهدها، وتداهم الجروح العميقة النفوس بلا رحمة، وذلك ما لا يمكن التخلص منه بسهولة، فصورة الموت تستدعى فى المخيلة أقوى الصدمات التى تتسبب فى تبعات نفسية قاسية تنقض على تفاصيل الحياة فتؤرق الجميع. ذكرت مجلة الصحة العقلية والنفسية أن 22% من الأشخاص الذين يعيشون فى مناطق الصراعات المسلحة يعانون حتما من الاكتئاب والقلق و"اضطراب ما بعد الصدمة"، بالإضافة الى أن 9% من سكان البلدان التى تشهد صراعات عنيفة يعانون من أمراض صحية بوجه عام، كما خلصت الدراسة التى شارك فيها مجموعة من الباحثين من جامعات مختلفة أن الاكتئاب والقلق يزدادان بلا شك عند متابعى مشاهد تلك الصراعات أكثر مما يحدث فى وقت السلم، حيث يصاب واحد إلى أربعة عشر شخصا تقريبا من هؤلاء بشكل من أشكال المرض النفسى.

اضطراب ما بعد الصدمة:

مصطلح «اضطراب ما بعد الصدمة» عرف بالعديد من الأسماء فيما مضى، فأخذ أسماء مثل "صدمة القذيفة" وذلك إبان سنوات الحرب العالمية الأولى، لتتوالى الأسماء بعد ذلك ويأخذ المصطلح اسما آخر، وهو "التعب القتالي" بالتوازى مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وسواء هذا أو ذاك فإن المصطلح يوصف نوعا من الخوف الشديد الذى يؤدى إلى عدم الاتزان النفسى، وتشير الأبحاث الصادرة عن الكلية الملكية للأطباء النفسيين إلى أن أعراض هذ الاضطراب النفسى تظهر فى غضون بضع أسابيع من القتال على الأرض، بينما الآثار والأعراض الفسيولوجية، مثل آلام الجسد وعدم انتظام النوم والصداع وفقدان الشهية تظهر فى غضون ثلاثة أشهر من اندلاع الحروب، لكن قد تتزامن الأعراض الجسمانية مع الأعراض النفسية، الأمر الذى يشكل وطأة على الأجساد لفترة طويلة، حيث يقوم العقل باستدعاء الصور والذكريات المؤلمة لتصبح حية من جديد وتنبض بالألم والحزن، فضلا عن الإحساس بضرورة الاستيقاظ، حيث يشعر الإنسان بما يسمى "اليقظة المفرطة" ويحيا كأنه فى خطر دائم حقيقى، ومع الوقت تخلق حالة ثانية، هى حالة النكران أو النسيان، وهذه الحالة تعمل على حذف الكثير من الجوانب المهمة بفعل الصدمة التى سمحت للأفكار السلبية بتكوين مساحات أخرى مشوهة عن النفس التى شعرت بالخذلان والعجز.

 اكتئاب الحرب

حينما تندلع الحروب وتدق طبولها يظن الناس أنها ستترك خلفها أوزارا مادية ترسم على الضحايا والمبانى فقط، لكن الذين اختبروا الحروب يعرفون جيدا أن لها آثارا أخرى أكثر ثقلا وتشكل ندبات لا ترحل برحيل المدفعيات والصواريخ والقنابل أو توقف القصف، وهذا الميراث من الندبات يكبر وينمو ويترك نفوسا قد تآكلت مع نيران الحرب وإن بدت صلبة صلدة تقاوم، ووفقا لدراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية استهدفت بحث أوضاع مناطق الحروب والنزاعات حول العالم عام ٢٠١٩، جاء فيها أن نسبة ا: ٥ أشخاص فى تلك المناطق قد أصيبوا باكتئاب حاد، وفى ظل تلك الحالة من الجهل والنكران المجتمعى بوجود تلك الحالات تفاقمت أحوال هؤلاء المرضى مما أدى الى محاولات انتحار للكثير منهم.

الطبيبة النفسية "عبير زليخي" قالت: إن عمليات التهجير والنزوح تسبب وحدها الإصابة بالاكتئاب، حيث يعانى النازح فوق معانته المادية ليس فقط من ألم الفراق، لكن يعانى أيضاً من عدم التكيف مع واقعه الجديد، بالإضافة إلى الاكتئاب الناجم عن الإصابات الفعلية التى حدثت نتيجة الحرب، وأكدت "زليخي" على  أن آثار الحرب تكون وخيمة بلا شك على كل الأعمار، لكن تأتى أكثر ضررا على الأمهات والأطفال.

مجتمعات الحروب بيئة لا تعترف ولا تعتنى كثيرا بالمرضى النفسيين، فأولئك الذين دهست الحرب حياتهم لا يملكون بالطبع رفاهية الاعتراف بآلامهم النفسية، لكنهم بلا شك يشكلون قنابل موقوتة مع الزمن، قنابل مستعدة للانفجار فى وجه كل من وقف أثناء الحرب موقفا متخاذلا أو صامتا، وضد كل من شارك ودعم تلك الحرب أيضاً، وهنا تبلغ الصعوبة مداها عند تماثل هؤلاء الضحايا للشفاء بعد أن تضع الحرب أوزارها.

 كرب الحروب

عالم بلا حروب هو عالم بلا صدمات، على الأقل فيما يتعلق بصدمات العنف والعقاب الجماعى والتخريب والدمار، لكن عالمنا للأسف ليس كذلك، فهو مليء بالحروب والاقتتال والصراع على كل شكل ولون وهوية وغاية، وبالتالى هو مليء بالصدمات والكروب، وهذا ما يطلق عليه "تروما الحروب" أو "كروب القتال".

آلاف الحكايات تطالعنا عن مخلفات الحروب، حتى فى الجانب المنتصر، ومنها حكايات عاد بها الجنود الأمريكان الذين حاربوا فى بلاد بعيدة عن وطنهم، وشرحت هذه القصص الآثار النفسية التى جاءت نتيجة الحرب، وأشارت الإحصائيات إلى أن نحو ٥٨٠ جنديا أمريكيا أقدموا على الانتحار عام ٢٠٢٠، وشمل هذا العدد حتى من لم يؤد خدمة فعلية فى القتال، ومنهم جنود احتياط وحرس وطنى، وكان مكتب منع الانتحار بين العسكريين التابع لوزارة الدفاع الأمريكية قد أعلن أن عام ٢٠٢١ شمل أعلى معدل لحالات الانتحار بين الجنود منذ القتال فى العراق وأفغانستان، لكن كرب الحروب لا يقتصر على الانتحار وحده، كما أفادت دراسة منشورة فى مجلة الصحة النفسية العامة، حيث ذكرت أن الكثير من الجنود يعانون نتيجة الحرب من مرض من الأمراض النفسية أو العقلية على الأقل، وقالت إن هذه النسبة مرتفعة إذا ما قورنت بالأمراض النفسية والعقلية التى تصيب المدنيين من ضحايا الحروب أيضاً، وأضافت الدراسة أن النسبة قد تزيد عن خمسة أضعاف مقارنة بالمدنيين، كما أن الاضطراب الانفعالى أو ما يعرف باضطراب ما بعد الصدمة قد يعلو بنحو ١٥% بين الجنود عن المدنيين.

"متلازمة العراق" و"متلازمة أفغانستان" ومن قبلهما متلازمة  "فيتنام"، هى ما أطلقه الأطباء على تلك المتلازمات التى توضح آثار الحروب على العسكريين الأمريكان الذين ظنوا أنهم قد نجوا من الموت حين عادوا سالمين إلى بلادهم، لكنهم عانوا من جروح معنوية ألقت بظلالها على أبدانهم فأصابتهم بندوب نفسية لم تشف، والأخطر أنها إصاباتهم لم تحسب بين الإصابات التى أحصيت بالفعل، فكروب الحروب تبقى بشكل أو بآخر طى الكتمان.

  توريث الكروب

يبدو أن نصيب المنطقة العربية من كروب الحروب وافراً جدا، فهو ميراث تتوارثه الأجيال، مثلما توارث اليهود كرب الهولوكست فى المرحلة النازية بألمانيا، وكذلك الإنجليز الذين لا يزالون ينظمون المسيرات الكبرى كل عام للاحتفال بيوم الهدنة الذى أوقف فيه إطلاق النار إبان الحرب العالمية الأولى، لكن الغرب تحديدا متميز فى توريث الكروب ويتحدث عنها كثيرا أكثر من الشرق المحترق دوما بالحروب وكروبها، فالشرق يقاوم مشاعره الدفينة ولا يخرجها للعالم ولا يستدعها فى كل الأوقات ليشــهــرها فتــى وجــه الجميــع، ولعل الدلالة على ذاكرة الغرب القوية فى تدشين كروب الحروب معنــوياً يكمن فيمــا تقــوم بـــه منظمـــة "العفـــو" الـــدولية عبر فريقها المعنى بالصحة النفسية، فهــم لا يـــزالون يهتمون بضحايا الحرب العالمية الأولى والثـــانية ويتحسبون لآثـــارهمـــا على الأجيــال المتعــاقبة.

 ما بعد الحرب

الحديث عن "ما بعد الحرب" ظهر فى العديد من الكتابات الآتية التى رصدت آثار العدوان على غزة وما يمكن أن يخلفه فى النهاية، ونخبة من العلماء النفسيين أكدوا على أن استمرار هذا العدوان له آثاره النفسية المستقبلية، ليس فقط على الشعب الفلسطينى، إنما على كل من تابع هذه الحرب عن كثب أيضاً، وقد رصد فريق الأطباء النفسيين نسب متابعة الحرب العالمية على المواقع الإجبارية، مشيرون إلى ما يعرف بـ "عصاب الحرب" الذى ينتظر هؤلاء المتابعين لأهوال الحرب الواقعة على قطاع غزة، لكن المشكلة أنه لا أحد الآن يلتفت إلى رفاهية الحديث عن تلك المشكلة المؤجلة والمزعجة على المدى الطويل.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

السماء الثامنة

المزيد من ثقافة

رقم كندي افتراضي +1: الاستخدامات وكيفية التفعيل خطوة بخطوة

لا يبحث الجميع عن رقم أمريكي. بعض الخدمات الكندية ترفض الأرقام الأمريكية تحديداً وتطلب رقماً بكود منطقة كندي: 416 تورنتو،...

طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات

طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات

قصة مصورة - على نار هادية

المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...

«شاعر الكائنات الهشةوالتفاصيل الصامتة»..شعراء يضيئون تجربة فتحى عبد السميع

نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...