مى التلمسانى: لا أدين أبطالى.. وكـل المجتمعات خذلت المرأة

مى التلمسانى، اسم كبير ومهم فى الرواية المصرية والعربية فى العقود الثلاثة الماضية، كل عمل روائى يصدر لها

 يلفت الانتباه إليه، ودائما ما تناقش رواياتها قضايا وأفكارا إنسانية هامة، وبرهافة كبيرة تتعمق فى نفوس أبطالها، وتستبطن أفكارهم ومشاعرهم الدفينة. وإلى جوار إنتاجها الروائى فهى أستاذة أكاديمية، وتعمل فى تدريس الأدب العربى فى جامعة "أوتاوا" الكندية، ما يتيح لها رؤية أوسع، واحتكاكا مع ثقافات وأفكار مختلفة ومتنوعة، عبر إقامتها فى الخارج منذ ما يقرب من ربع قرن. ومؤخرا وصلت روايتها الأحدث "الكل يقول أحبك" للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، عن الرواية ومشروعها الأدبى كان لنا معها هذا الحوار..

كيف استقبلتِ وصول "الكل يقول أحبك" القائمة الطويلة للبوكر؟

بسعادة طبعا، خاصة وأن دار النشر أبلغتنى بالخبر، وأن جميع العاملين فى الدار تحمسوا للرواية وكانوا داعمين لها.

 هل الجوائز خطوة نحو مزيد من القراء فى رأيك؟

بالطبع، أهمية أى جائزة تتلخص فى أمور ثلاثة: توسيع رقعة القراءة من خلال الترويج للكتاب وتنشيط سوق النشر، وأيضا سوق الترجمة من العربية إلى لغات أخرى، الاحتفاء بجهد الكاتبات والكتاب ودعمهم معنويا وماديا مما يضمن استمرارهم فى الكتابة، تعزيز الكتابة الجادة وإلقاء الضوء على محاولات التجريب فى الأدب ولفت النظر لها. فيما يخص البوكر، لمست بنفسى انتشار "الكل يقول أحبك" على مواقع التواصل الاجتماعى وعلى تطبيقات القراءة، وتفاعل القراء الكبير معها، إيجابا أو سلبا، وتوزيعها بشكل أفضل فى مصر والعالم العربى.

 الرواية مفعمة بالمشاعر وبعيدة عن الإدانة، كل بطل يتحدث عن نفسه ويبرر حياته، هل قصدتِ عدم إدانة أى شخص؟

لا أدين الشخصيات، لأنى أحترم إنسانية كل شخصية، وأسعى بقدر الإمكان لفهمها وفهم دوافعها. وأترك للقارئ مساحة من الحرية ليقرر ما يريد بشأن ملامح الشخصية النفسية واختياراتها فى الحياة. قضية الرواية البارزة على السطح هى الحب عن بعد، وكيف يؤثر على الحياة الزوجية والأسرية، وكيف يدفع بالبعض للخيانة، أو لاحتمالات التغاضى عنها. ولكن ثمة قضايا كثيرة سعيت لتناولها أيضا بروح التسامح والتفهم التى تحفزنى على عدم الإدانة. فهناك عالم المهاجرين العرب إلى شمال أمريكا، وهم فى ابتعادهم عن أوطانهم الأم، يعانون فى الشتات، ويعوضون مشاعر الحزن التى تخلفها الغربة بمشاعر أخرى تعوضها، منها الحب والصداقة، ومنها السعى لفهم الذات، ومنها الانخراط فى قضايا الوطن الأم عن بعد، إلخ. فى كل الحالات، الإدانة ليست من وظائف الكتابة، الكشف أفضل من الإدانة.

 حياة المهاجرين أو ما يطلق عليه أدب الشتات، هل الرواية تندرج تحت هذا الوصف؟

بقدرٍ ما هى رواية شتات، رغم أن كلمة مهجر هى الغالبة، لكنى أفضل عليها لفظ الاغتراب أو الشتات. كيف تؤثر الحركة والترحال على حياة البشر، خاصة من هاجروا فى سن متقدمة، من عاشوا طفولتهم وشبابهم فى وطن اضطروا فيما بعد لمغادرته، ومن ولدوا فى وطن ليس وطن الأب والأم، إلخ. الشتات لأسباب سياسية أو بسبب الحرب لم يعد هو الشتات الوحيد حاليا، الشتات لأسباب اقتصادية سعيا وراء الرزق، ولأسباب اجتماعية سعيا للحرية أو سعيا وراء العلم والتفوق العلمى، هو ما يجتذب انتباهى فى الرواية، على الرغم من إشاراتى المتكررة لمهاجرين عرب غادروا أوطانهم بسبب الحروب كما هو الحال بالنسبة لبسام الحايك سورى الأصل.

 القرب من عالم المهاجرين عبر حب غير مكتمل وحياة تتقاطع فى المطارات والسيارات والطائرات. حدثينا عن المكان فى الرواية؟

أماكن اللقاء فى الرواية تتنوع من أماكن ترانزيت مثل المطارات ومحطات القطار، إلى أماكن الحياة اليومية، البيوت، الحدائق، السيارة، إلخ. المكان لا يوحى بالاستقرار إلا لو كان بيتا، ولكن البيت نفسه يمكن تغييره، ويمكن أن يكون متشظيا، بيت للزوجة وبيت للزوج، حتى أن البعض مثل شخصية كمال المصرى يعتبر بيته الرئيسى بيت زوجته، فهو لا يشعر بالاستقرار، ولذا ترتبط حياته بالقطار، وببيته البعيد فى المدينة التى يعمل بها. دوام التنقل ينفى فكرة البيت باعتباره السكن. ومن هنا أيضا يلعب الزمن دورا فى حياة الشخصيات. هى حياة معلقة بين زمنين، الماضى والحاضر، وفى الحاضر، بين مكانين، هنا وهناك.

 السينما دائما حاضرة فى أعمالك حتى السابقة. لكن ما سبب أن حضورها فى "الكل يقول أحبك" كان أكثر وضوحا؟

كنت أكتب هذه الرواية بالذات وأملى أن تتحول لفيلم سينمائى. السينما هى فن الحركة، تتقاطع مع فنون الحكى، وتؤثر فيها. كنت أبحث عن وسيلة تسمح بالتعبير عن تداخل الأمكنة والأزمنة، وليس أفضل من جماليات السينما لكى تمنحنى تلك الحرية. فى الروايات السابقة، كما هو الحال فى "دنيا زاد" و"أكابيللا"، هناك أيضا روح سينمائية أشبه بروح المونتاج الموازى، تتقاطع فيها أيضا الأصوات وحيوات الشخصيات والفلاش باك.

 الرواية تحكى عن الخذلان وأنه عابر للدين والقيود المجتمعية المفروضة على المرأة العربية. حدثينا عن ذلك؟

ليس ثمة تاريخ للخذلان، لكن المجتمعات كلها والمجتمع العربى الإسلامى بدرجة أكبر، لها نصيب كبير فى قهر المرأة وتهميشها، تارة باستخدام سلاح الدين وتارة أخرى باستخدام أكاذيب ظاهرها علمى عن قصور المرأة وضعفها الجسمانى والنفسى. كل المجتمعات خذلت المرأة، وهذا الأمر يتكرر إلى اليوم بلا رادع. حاولت فى الرواية أن أوظف تلك الأفكار لكشف القيود المفروضة على جسد المرأة ومشاعرها، وكيف تتغلغل فى حياة الشخصيات النسائية وتحدد مصائرها وتحدد أيضا علاقتها بالحب، وحياتها فى الغربة. أما المرأة المتحررة مثل شخصية داينا سليمان مثلا، فهى تقتنص الفرص، ولا تعرف الحب، مثلها مثل الصياد. لا أدينها بقدر ما أحاول أتفهم وصوليتها، وأتفهم كيف حاولت الانتقام لنفسها من الرجل الذى عاشرته قبل الزواج. فى الحياة العادية، لن أصادق شخصا وصوليا مثل داينا سليمان، لكن فى الرواية، يمكننى أن أصنع منها شخصية مثيرة للتساؤل، وقادرة على كشف زيف المجتمع وزيف بعض النساء أيضا.

 لماذا يبدو الموطن الأصل فى الرواية، مثل الإسكندرية، أو حى الظاهر، أو حلب، تاريخا وماضيا مشوشا لدى الأبطال؟

بعض الأبطال يتمسك بوطنه الأم، ويقضى وقتا كل عام فى وطنه الأم، مثل نورهان عبد الحميد التى ولدت فى كندا، لكنها أحبت مصر لأنها بلد أبيها. وبعضها مثل كريم ثابت المولود فى مصر يرفض العودة إليها، وحين يقرر العودة، يسعى لبيع بيت العائلة هناك. أما بسام الحايك فلم يعد مطلقا لسوريا منذ أن هرب منها ولجأ إلى كندا قبل أربعين عاما. الوطن الأم له معان كثيرة فى الرواية، وليس أحادى الأبعاد. هو وطن تحبه الشخصيات، وتخشاه، وتتنازل عنه، وترى عيوبه، وتتفاعل دائما معه. الماضى ليس مشوشا بقدر ما هو مكشوف، والمسافة منه هى ما تسمح بكشفه ومقارنته بالوطن البديل.

 مــا العقبـــات التــــى تــــواجـه المهاجرين وهل يحتاجون للمزيد من الأعمال عنهم؟

المهاجرون العرب فى شمال أمريكا يواجهون تحديات كثيرة تخص علاقتهم بالثقافة العربية والإسلامية. هناك أشكال متنوعة من التعصب ضد العرب والمسلمين، ومنه تعصب ضد فكرة العروبة نفسها من داخل المجتمعات القادمة من مصر أو شمال أفريقيا أو بلاد الشام. أكثر أنواع التعصب شيوعا هو تعصب غير مباشر يعبر عن نفسه فى مجالات الحصول على عمل. بسام الحايك السورى فى الرواية، يعمل صحفيا بالقطعة، لكنه يغير نمط عمله وحياته فى الهجرة ليصبح بائع سيارات. أما كمال المصرى الأستاذ الجامعى، فهو ناجح بمقياس العمل، لكنه لم يجد عملا فى المدينة التى تعمل بها زوجته، واضطر عندئذ للانفصال عنها. كل تلك الحكايات والتفاصيل اليومية لم يتطرق لها الأدب العربى حاليا بشكل كبير، لكن وجود كثير من الكتاب فى الشتات أفرز روايات وأعمالا فنية وسينمائية تتناول تلك القضايا من وجهة نظر عربية.

 الرواية صعبة فى القراءة وكل التفاتة للأبطال رصدتها كانت سريعة ومربكة.. هل كانت صعبة فى الكتابة؟

بدأت كتابة الرواية فى سبتمبر من عام 2019، بضعة أشهر قبل جائحة الكوفيد، وأتممت كتابتها فى نهاية عام 2020 لتصدر فى يوليو 2021. بالطبع كانت الكتابة فى تلك الفترة عصيبة ومتقطعة. ولكن منذ هجرتى إلى كندا قبل نحو خمسة وعشرين عاما، كانت تخايلنى فكرة الكتابة عن عالم المهاجرين فى شمال أمريكا، حتى نشأت فكرة لقاء اثنين من المهاجرين المصريين فى قطار، أحدهما يكبر الآخر بنحو عشرين عاما، ويبدو أن كليهما مرآة للآخر من حيث الملامح النفسية، وسياق العمل الجامعى، ونمط الحياة الأسرية. من هنا نشأت فكرة الكتابة عن المشترك بين المهاجرين العرب فى شمال أمريكا وعن نماذج مختلفة من أقطار عربية متنوعة تعانى بشكل أو بآخر من جدلية الحب عن بعد، فى العلاقة الزوجية وكذا فى العلاقة بالأوطان الأم، حيث نحيا اليوم فى عالم تحكمه الحركة والترحل، سعيا لتحسين طرق العيش، وتتحكم فيه سياسات الداخل وقوانين الهجرة للخارج.

استغرقت الكتابة نحو عام ونصف العام، تخللها كتابات أخرى أكاديمية نظرا لعملى كأستاذ للدراسات العربية والسينما بجامعة أوتاوا بكندا. تقاطعت الكتابة الروائية مع انشغالاتى الأكاديمية الأخرى، حيث أهتم فى أبحاثى بدلالات وسياقات المهجر، والثقافات الهجينة والثقافات العابرة للقوميات transnational وتزامنت أيضا مع اهتمامى بالتأريخ لهجرة العرب الكنديين منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى اليوم. أثناء الكتابة أقمت فى مصر معظم أشهر السنة، حيث أتاحت لى الجائحة فرصة التدريس أونلاين، ولم أعد إلى كندا إلا بضعة أشهر.

 أقــمــتِ "بيـــــت التلمســانــى" للإقامة الأدبية. كيف سيتم عبر هذا البيت دعم مشاريع الكتاب والفنانين؟

البيت مخصص لإقامة وتفرغ الكاتبات والكتاب، لمدة أسبوعين أو أربعة أسابيع، الهدف منه إتاحة فرصة التفرغ التام والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية للعمل على كتابة رواية، قصة، شعر، نقد، سيناريو، أو ترجمة. يقع البيت على طريق مصر الإسكندرية الصحراوى، ويضم ثلاث غرف للإقامة، وسيتم افتتاحه قريبا بهذا الهدف. حاليا نستخدمه لعمل ورش كتابة فى انتظار افتتاحه للإقامة.

 أخيرا ما جديدك؟

أكتب رواية جديدة عن فكرة البيت والسكن، تدور أحداثها فى كندا، بطلتها شخصية نسائية تقرر بعد ثورة يناير أن تعود لمصر وتواجه صعوبات فى الاستقرار من جديد فى وطنها الأم. أعتبرها الجزء الثانى من رواية "الكل يقول أحبك"، على الرغم من أن الشخصيات لا تتكرر. وأعكف بالتوازى على جمع مقالاتى وحواراتى عن الكتابة لتصدر فى معرض الكتاب العام المقبل.

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

مزايا استخدام الشريحة الإلكترونية (eSIM) أثناء السفر

مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...

أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...

اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...