تصدرت رواية ميرال الطحاوى "أيام الشمس المشرقة" القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، والرواية هى تتويج لمسيرة الكاتبة المصرية،
وخروج عن ما يميز مشروعها الأدبى، الذى كان ينظر إليه باختصار مخل بأنه عن عالم الصحراء والثقافة البدوية وموقع النساء فيها، لكنها فى الحقيقة تمتلك تجارب متسعة وعوالم أرحب، تبحث فى تجربتها الروائية المميزة عن تاريخ وأسئلة وأفكار تحارب الصورة الشائعة والنمطية عن النساء والأماكن والتاريخ.
استلهمت ميرال عالم "أيام الشمس المشرقة" من رحلتها الطويلة بالتنقل بين الولايات الأمريكية كأستاذة جامعية فى جامعة أريزونا ومهاجرة منذ مدة طويلة. فى هذه الرواية تقدم مناطق المهاجرين، والكثير من النماذج البشرية، نساء ورجال يعيشون فى تلك الأرض "أرض الشمس المشرقة"، التى لن يستطيع القارئ نسيانها حتى بعد أن ينتهى من صفحات الرواية"، بحثت ميرال فى تلك الرواية عن سؤال النجاة، وعن تشكل عالم الرواية فى الشتات.
ترسم الكاتبة ببراعة لوحة فنية بديعة عن حياة المهاجرين والصعوبات التى تقف أمامهم، وتستخدم الخريطة النفسية لأبطالها، وأبعادهم الاجتماعية السابقة حتى الوصول لأرض المهجر، وتوظف تفاصيلهم اليومية التى تنتقيها بعناية، لتسلط الضوء على حياة لم نكن نعرفها، وتاريخ سرى هربوا منه إلى أرض أخرى، لكنهم فى الحقيقة فى أرض المهجر ليسوا إلا فئة مهمّشة، يظن الجميع، على عكس الواقع، أنها الفئة الناجية، وتمنح الكاتبة لهؤلاء المهمّشين فى المجتمع الغربى صوتًا، وتحفر عميقًا فى أسئلة تخصهم وعالم روائى هو واقعهم ذاته.
عبر صفحات الرواية تتحول الحياة اليومية بالمنفى الاختيارى لمحاولة متعسرة للنجاة من أشباح الماضى لكل الشخصيات النسائية، ولكل الرجال، كما يجاهد الجميع للهروب من الواقع القاسى.
شكلت "نِعَم الخباز" شخصية محورية فى الرواية، فرغم أنها استطاعت أن تحصل على إقامة شرعية دائمة، وعاشت بما يكفى لتنسى كيف جاءت إلى تلك الأرض، فقد جاءت كراعية للعجائز، وعملت فى بيوت العَجزَة فى المنتجعات الشمالية، وترسم الرواية ببراعة تاريخ تلك الشخصية وأهم ما أصابها قبل أن تصل لتلك الأرض، ففى ليلةٍ من الليالى سقطت "نعم" على الموقد والجمرات المشتعلة، كان "جعفر الخباز"، أبوها، كما تصفه الرواية: "مُقعيًا ككلب على حجر الريسة كعادته، بينما كانت "أُمُّ نعم" تدلك قدميه، وانشغلت الزوجة الثالثة فى تحضير الشاى على موقد الكاز الصغير على طرف المجلس"، وأطفأ نحيب "نعم الخباز" وتشوُّهات وجهها المحترق مشهد الانسجام العائلى الذى قلَّما يتكرر فى بيت الخباز، وترسم الرواية ببراعة كيف حول هذا الحرق مصير نعم من زوجة إلى خادمة.
الريسة
تبنى الرواية خطا آخر يمثل تلك المرأة التى يخضع لها الرجل، فترسم شخصية الريسة كماضٍ فى حياة نعم الخباز، وتعتقد "الريسة" -وهى زوجة الأب- أن العالم ينبنى بين أفخاذ النساء، وأن التلاقُح الجنسـى جوهر الحياة ذاتها؛ لذلك كانت حريصة على تزويج بنات "جعفر" الكثيرات بمجرد بلوغهن، تزوج بعضهن فى القرى المجاورة كبلاد السواركة وبلاد الغرابوة وبلاد البحر، وبعضهن الآخريات تزوجن فى بلاد أبعد لا يعرف أحد طريقها، وتؤمن "الريسة" أن كل بنت ونصيبها، وأن كل امرأة تستطيع أن تخلق الكون الذى تريده بين فخذيها.
تتذكَّر "نِعَم" من ذلك العالم، الذى تركته وراءها، تلك اللحظة التى قال فيها "جعفر" أبوها: "أنتِ ونصيبك يا نعم.. اللـه يكتب لك الخير يا بنتى مطرح ما تروحى"، كان يفكر أن ابنته مجرد بضاعة بائرة فى سوق الزواج.
خادمات صغيرات فى المدن
تغوص الرواية وهى تقدم ماضى نعم الخباز لتكشف ذلك العوار المجتمعى، حيث ترحل البنات عن بيوت آبائهن لأسباب متعددة، معظمها زيجات مُدبرة فى عمر البلوغ لاتقاء اللحظات الحرجة، التى تجد فيها البنات الصغيرات أجسادهن وقد تفتحت فجأة وصرن مطمعًا للقريب والغريب، وبعضهن يرحلن أصغر من ذلك ما بين السادسة والثامنة، حيث تتنافس بعض المتخصصات فى تدبير خدمة البيوت فى التكسُّب بتشغيلهن خادماتٍ صغيراتٍ فى المدن التى تتطلب سفرًا طويلًا، وهكذا تقدم الرواية شخصية "نعم الخباز" كضحية، وتصف كيف كان وجود الحرق القديم على بشرتها السمراء وثيقة تكفل لها التصديق بكونها ضحية بشكلٍ من الأشكال، ضحية عنف أو حرب أو اضطهاد عِرْقى، كان ذلك التشوُّه يغطى نصف وجهها على أية حال، وتقدم الرواية النصف الآخر من روايتها عبر أرض الشمس المشرقة، وهذا الوجه كان أكثر مرارة، وهو وجه امرأة أرادت أن تُحِبَّ وتُحَبّ، وتشتهى ويرغب فيها الرجال، وللأسف لم تستطع أن تنال تلك الأمنيات، أو تسطو على تلك المتخيلات، وتستمر الرواية فى سرد تجربتها الفاشلة فى الحب على أرض الشمس المشرقة.
سوزانا
تسرد الرواية كثيرا من الشخصيات المتداخلة بعالم "نعم الخباز"، فهى مثلا تقضى وقتًا طويلًا مع صديقتها "سوزانا" التى تعمل فى التدبير المنزلى أيضًا، والتى لا تزال تأكل كبقرة، وتنتف حواجبها الرقيقة وتضع الكثير من المساحيق على تجاعيدها، بل وتنام مع كل عابر، رغم أنها فقدت منذ وقت قريب ابنتها "يولاندا" فى مشاجرة بينها وبين صديقها انتهت بإطلاق النار، وسقوط جثة الابنة وصديقها معًا على الفراش نفسه الذى ما زالت تنام عليه.
الصومالية "فاطيما"
تأتى الرواية بتاريخ نسائى آخر، حيث تحب "نعم الخباز" صديقتها الصومالية "فاطيما" التى تشاركها أحزانها، وتشعر معها بروعة القدَر الذى يعاقب الناس بأشكال عادلة لا يتدخل فيها الجمال كنعمة محضة، فعلى الرغم من جمال "فاطيما" فقد كان زوجها يخونها مع كل من عرف من النساء، وبعد جلسات التعاطف المشترك، صارت "فاطيما" الصديقة الوحيدة التى تخصها "نعم" باعترافاتها التى تتعلق بالرجال، ربما لأن "فاطيما" بطبيعتها متفهمة وساهمة.
نعم الخباز و أحمد الوكيل
تشيّد ميرال الطحاوى سرديتها عبر تكنيك مراوغ يشبه حركة الذاكرة ذهابا وإيابا، فتنتقل من الماضى إلى الحاضر، ومن حياة بائسة إلى حياة لا تقل بؤسًا، وفى الخلفية ثمة رسم آخر لأرض الحلم بعد أن تحوّلت إلى كابوس، فترسم ماضى "أحمد الوكيل" الذى تنقَّل بين البلاد البعيدة باحثًا عن لقمة العيش، وعن بيتٍ تفوح منه رائحة الجاز والأُلْفَة، إلى بيتٍ فى أقصى بلاد اللـه، بيت "نِعَم الخباز" التى اعتقد أنها ربما تكون نهاية محتملة لشقائه، فتسرد تاريخه الشخصى وقصص حبه التى لم تكتمل، وتسرد تاريخ النساء فى بلاده الذين يختفون من حياته بشكل أو بآخر، فها هو ممتلئ بذاكرة حزينة من تاريخ أمه التى كانت قبل أن تموت تخرج عارية، وتسير هكذا بين أحراش الحقول المجاورة، تعوى حولها الكلاب، يسقط الندى، يراها البعض من فوق أسطح البيوت تركض.. تسير باتجاه المقابر ثم تعود مثلما ذهبت.
أم حنان وزينب ترحل القصص المنتهية
عبر هذه الشخصيات تتطرق ميرال الطحاوى للقرى المصرية والتيار الكاذب للتدين الذى يحاول أن ينسج خيوطه فى الريف المصرى، ومن خلال ذلك تكشف علاقة أحمد الوكيل المعقدة بذاته، واللحظة التى طرقت "زينب" قلبه بولعها الفريد بالسخرية، وتسرد قصة اختفاء زينب بعد واقعة الاعتداء على "أم حنان"، حيث شاهد الوكيل "أم حنان" تجلس فى قاع البيت باكية، وقد صارت كل معالم وجهها تجمعات دموية قانية، تمزق غطاء رأسها وثوبها أيضًا، وبرزت الصدرية الساتان بلونها الأحمر المبهج من تحت الملابس الممزقة، غطت رضوض جسدها مُتكوِّمة على الأرض، وكان الفقيه يجلس على عتبة بابها ويقول: "ربَّنا لا تُحمِّلنا ما لا طاقة لنا به".
طفلة ناجية
تعاود "الطحاوى" سرد التاريخ الخفى للشخصيات المترابطة جميعا بأرض واحدة وواقع مر وماض، ومن هنا تسرد تاريخ "ميمى دونج"، وقد جاءت "ميمى" من بلادها كطفلة ناجية قادمة مع إحدى إرساليات الكنيسة، وعاشت طفولتها فى بيت صغير ملحق بالكنيسة، خُصِّصَ لاستقبال عددٍ كبيرٍ من الأطفال الناجين من الحروب، أُطلق عليه بيت "أطفال القلوب الناجية"، وقد لعبت ميمى دونج دور المحبوبة والمشتهاة فى تلك الأرض، حيث كانت "ميمى" دَكْنَاء اللون، أفريقية، جميلة، طويلة ونحيلة، وتملك وجهًا يثير الرغبة والحنق فى آنٍ، بشرة سمراء ناعمة مثل الحرير المرهف، وعينان لوزيَّتان وشفتان ممتلئتان محددتان مرسومتان بدقة.
الاختفاء النسائى
الاختفاء النسائى تيمة من تيمات الرواية، فكما اختفت أم حنان وزينب، اختفت "ميمى دونج" لعدة أيام، فوجد شعب الشمس فى اختفائها فرصةً لتبادل بعض الخبرات وتناقل الحكايات المماثلة، وجدوا فى ذلك مناسبة لتذكُّر الأزواج الهاربين والأبناء الجاحدين والموتى الذين استراحوا من تلك اللحظات، لحظات الترقب والانتظار.
شكلت ميمى دونج عبر صفحات الرواية هذا الحضور الأنثوى، فهى ترفض أن تنام مع عشاقها المؤقتين بمقابل مادى، ولا تقبل أن تعرى جسدها بمقابل أيضًا، وقد اكتفت بتلك المغازلات وبعض العشاق المؤقتين.
بيت "ميمى" لا يفصله عن بيت "نعم الخباز" سوى بعض النتوءات والحُفَر والبيوت الخشبية المتنقلة، لكن رغم ذلك التجاور فقد ظلت المسافة بينهما بعيدة؛ حرصت "ميمى" على أن تظل علاقتها بنعم محدودة وسطحية وعابرة، رغم كثرة التقاطعات، ورغم أنهما ترافقتا عدة مرات فى حملات التنظيف، فإن تلك الزمالة تمَّت بشكل عابر ومتقطع، ولم ترقَ إلى مستوى الصداقة ولم تترك خلفها سوى النفور المتبادل، وتركز الرواية على المفارقة بين نعم وخذلانها مع الرجال، وميمى المرغوبة المحبوبة والتى تتهمها نعم بالتسبب فى قتل ابنها البكر.
نجوى وزهرة
ترسم ميرال الطحاوى صورة متضادة جديدة، فترسم شخصية نجوى تلك المرأة ذات الغياب الأنثوى، فى مقابل زهرة العاهرة التى صارت معيدة بالجامعة، نجوى تترك زهرة فى الماضى لتسير بالاتجاه الذى تقرره "نعم" دائمًا، صارت "نعم" بمرور الوقت الكائن الوحيد الذى يستطيع أن يسحبها من وحدتها.
ترسم ميرال ببراعة شخصية زهرة المعيدة المنحرفة، وتصف علاقتها بالأستاذ الجامعى قائلة:"لم تكن "زهرة" صغيرة ليغويَها، ولم تكن بريئة كما يتصورون، لم تكن عذراء على الأرجح، ولم تحاول أن تفسر له من سبقه إلى فخذيها وكيف تم ذلك؟ صحيح أنها كانت مترددة وقلقة وجلست فى البداية على المقعد لتحدثه باقتضاب عن أفكارها الأدبية التى ترغب فى العمل عليها، ورغبتها فى العثور على فرصة للتدريب بواحدة من المجلات الثقافية، فتأملها برَوِيَّة كعادته مع العاهرات الصغيرات اللاتى يقتحمن خلوته بلا موعد؛ ليتحدثن عن طموحاتهن العلمية، تلك اللحظات التى يبرهن فيها على تفانيه فى الإنصات إليهن، وتشجيعه التام لطموحهن والتى تنتهى بالاكتفاء بهزِّ رأسه ليترك ذلك انطباعًا بالتفهُّم والرحابة، وربما العظمة أيضًا".
"ياسمين" كانت المقابل الآخر لزهرة، التى تركتها نجوى فى الماضى، لتقابل ياسمين فى أرض المهجر التى تذكرها بها، فهى قادرة على تغيير هيئتها كل صباح، وظلت نجوى التائهة المترددة تراقب كيف ترتدى ياسمين البنطلون الصبيانى وتضع عدسات خضراء لوزية أو زرقاء، حسب ما تتطلبه ملابسها، وتقضى وقتًا فى تصفيف شعرها، ثم ترسم شفتين صغيرتين هذه المرة، وتبتسم ببلاهة وطفولة تجعلها من بعيد فقط نسخة من "كاميرون دياز".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...