القضاء والقدر والابتلاء بالخير والشر

الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان فى الإسلام، وهو يعنى الإيمان بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلا من الأزل والقدم، فلا يغيب عنه سبحانه مثقال ذرة في السموات ولا

الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان فى الإسلام، وهو يعنى الإيمان بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلا من الأزل والقدم، فلا يغيب عنه سبحانه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه تعالى كتب كل ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. وبأن مشيئة الله نافذة وقدرته شاملة، فلا يكون في هذا الكون شيء من الخير والشر إلا بمشيئته سبحانه. وبأن جميع الكائنات مخلوقة لله، فهو خالق الخلق وخالق صفاتهم وأفعالهم.

يجمع العلماء على أن من لوازم صحة الإيمان بالقدر أن نؤمن بما يلى:

- بأن للعبد مشيئة واختيارا بهما تتحقق أفعاله كما قال تعالى (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ. لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ) (التكوير: 27 – 28).

- أن مشيئة العبد وقدرته غير خارجة عن قدرة الله ومشيئته، فهو سبحانه الذى منح العبد ذلك وجعله قادرا على التمييز والاختيار، كما قال تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (التكوير: 29).

- أن القدر سر الله فى خلقه، فما بينه الله لنا علمناه وآمنا به، وما غاب عنا سلمنا به وآمنا، وهذا يوجب ألا ننازع الله فى أفعاله وأحكامه بعقولنا القاصرة وأفهامنا الضعيفة، بل نؤمن بعدل الله التام وحكمته البالغة، فهو جل وعلا لا يسأل عما يفعل.

وذهب أهل العلم إلى أنه ليس من الأدب نسبة الشر والضر إلى الله، وإن كان سبحانه هو خالقه وموجده. وكل الأمور السيئة كما يقول ابن القيم: قدرها الله سبحانه وقضاها لحكمته، وهى -باعتبار تلك الحكمة- نوع من إحسانه.

 الابتلاء بالخير والشر

ليس كل ما يراه الإنسان خيرا هو كذلك، وليس كل ما يراه شرا هو كذلك، فلله فى كل أمر يصيب الإنسان حكمة، والخير أو الشر ربما يكون اختبارا من الله لعباده، وهذا ما يعرف فى الفكر الإسلامى بسنة الابتلاء، والابتلاء هو الاختبار ومعرفة حقيقة الشىء.

والدنيا كما يقول العلماء دار بلاء، فالناس كل الناس مبتلون فيها بالضراء أو السراء، قال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [محمد:31]، وقال سبحانه (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الكهف:7]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) (رواه مسلم).

وعلى المسلم أن يسأل ربه العفو والعافية فى الدنيا والآخرة، وأن لا يتمنى الابتلاء، ولكن إذا ابتُلى، فعليه الصبر والرضا والاستعانة بربه.

والابتلاء يختلف عن المصيبة والعقوبة، فالمصيبة تُقال لكل ما أصاب الإنسان من نوائب الدهر، وأما العقوبة فهى الجزاء على الذنب، وقد تكون معنوية كظلمة القلب وعدم انتفاع المرء بالمواعظ أو الآيات، وقد تكون العقوبة حسية كالأقدار المؤلمة التى تصيب الظالم نفسه.

والفرق بين الابتلاء والعقوبة أن الابتلاء يكون فى الدنيا، وأما العقاب فإنه يكون فى الدنيا والبرزخ والآخرة. والابتلاء يكون لاختبار حال الإنسان، أو لرفعة فى الدرجات، أما العقاب فلا يكون إلا جزاءً على الذنب.

والابتلاء عام للمكلفين من الجن والإنس، فهو يقع على الأنبياء والصالحين، أما العقاب فإنه خاص يقع على أهل الذنوب والمعاصى فقط.

وهناك فرق بين المصيبة والابتلاء، فالمصيبة لا تكون إلا ضراء، أما الابتلاء فقد يكون بالضراء وقد يكون بالسراء. والمصيبة تكون فى الدنيا والبرزخ والآخرة، والابتلاء لا يكون إلا فى الدنيا. والابتلاء خاص بالمكلفين أما المصيبة فهى عامة تشمل المكلفين وغيرهم كالبهائم والأطفال.

ومن العلماء من قال إن سبب الابتلاء ليس هو اختبار الإيمان والصلاح والتقوى، بل سببه ما يتبقى فى النفوس من الشرور، ولذلك فإن الابتلاء يستمر للمؤمن والمؤمنة فى جسده وأهله وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة.

وقد تصيب المؤمن مصائب بسبب ذنوبه، وليس بما أطاع فيه الله والرسول، فما لحق بالمسلمين يوم أحد كان بسبب ذنوبهم وعصيانهم أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بسبب طاعتهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وكذلك ما يبتلى به المؤمنون فى السراء والضراء والكوارث، ليس بسبب إيمانهم وطاعتهم، ولكنهم امتحنوا به ليتخلصوا مما فيهم من الشر، وفُتنوا به ليتميز الطيب من الخبيث، فالنفوس فيها شر والامتحان يمحص المؤمن من ذلك الشر، قال تعالى (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (آل عمران: 141)، وقال سبحانه (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ) (آل عمران: 154).

والمصائب والابتلاءات والعقوبات قد تتقاطع أحيانًا فتجتمع فى المقدور الواحد، وقد تفترق أحيانا أخرى، مثل اجتماع المصيبة والعقوبة والابتلاء فى الزانى المُصاب بمرض مميت بسبب معصيته، فهى مصيبة من حيث كونها ضراء وفى ذات الوقت عقوبة على ذنبه وأيضا ابتلاء وامتحان له، فإن صبر كانت عاقبته حميدة وإن جزع وسخط على ربه كانت عاقبته غير محمودة.

وقد تفترق المصيبة عن الابتلاء والعقوبة، كالمصائب التى تصيب البهائم والأطفال. وقد تفترق العقوبة عن المصيبة والابتلاء كالعقوبات الخفية الواقعة على الكافر باستدراجه بالنعم والسراء. وقد يفترق الابتلاء عن المصيبة والعقوبة، كابتلاء المؤمن بالسراء ليشكر ربه.

 نظرة شاملة للابتلاء

الابتلاء سنة من سنن الله تعالى، ولذا يجب النظر إليه نظرة شاملة، فالنظرة الجزئية تقود الإنسان لسوء الظن بربه، أما النظرة الشاملة لسنة الابتلاء فلا تقود إلا لحسن الظن بالله، ولذلك يجب على المسلم معرفة التالى حول سنة الابتلاء:

1 – أن سبب الابتلاء الرئيسى والغالب هو الذنوب والخطايا، وقيل إن سبب الابتلاء الرئيسى للمكلفين هو الاختبار من الله، ولا تعارض بين كون الابتلاء بسبب الذنوب وفى ذات الوقت يكون اختبارا من الله سبحانه، خاصة وأن أكثر بنى آدم مسرفون على أنفسهم بالذنوب والخطايا.

2 - وجوب الاعتقاد بأن كل قضاء للمؤمن هو خيرٌ له وإن كان ظاهره الشر: فإنه قد ثبت فى الصحيح أن الله تعالى لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له (إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له).

3 – أن للابتلاء مقاصد وهي: تكفير الخطايا، رفع الدرجات، تمحيص المؤمنين، لرحمة المؤمنين وحمايتهم من أضرار الدنيا وفتنها، لتنبيه العبد وتوجيهه، للتمكين والإمامة فى الأرض. وقد وردت أحاديث صحيحة فى كل تلك المقاصد.

4 - ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة: روى أبو هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) (متفق عليه).

5 – يجب التمييز بين العقوبة والابتلاء لرفعة الدرجة فى حق المؤمن: فإن كان العبد قائما بأمر الله، متمسكا بشرعه، مستقيما على دينه، فالأرجح أن يكون ما أصابه من مصائب رفعة له فى الدرجات، ومُثقلا لموازين حسناته، وأما إن كان العبد مُقيما على معصية الله، مُفرطا فى دينه، لاهيا عابثا، فقد تكون المصائب والآفات التى يُبتلى بها تنبيها له من الله ليتوب ويرجع قبل فوات الأوان، وقد تكون عقوبة له فى الدنيا نظير ظلمه لنفسه.

روى أحمد والترمذى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال (إذا أراد الله بعبده الخير، عجل له العقوبة فى الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة).

6 - ابتلاء الله لخلقه بالسراء والنعماء ليس دليلا على محبته سبحانه، كما أن ابتلاءهم بالضراء والمصائب ليس دليلا على بغضه لهم. قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الكهف: 7]، وبين سبحانه أن هذا الاختبار يكون بالشر والخير، فقال سبحانه (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّى أَكْرَمَنِ* وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّى أَهَانَنِ) [الفجر: 15 - 16].

وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله يعطى الدنيا من يحب ومن لا يحب، وإنما يعطى الإيمان والدين من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه).

7 –على المؤمن أن يتعامل مع أقدار الله الشاملة للسراء والضراء بحسن الظن فى الله، قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم:7]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدى بيتا فى الجنة، وسموه بيت الحمد) (رواه الترمذي).

 الشرور المهلكة

من وجهة النظر الإسلامية فإن للشر درجات، فهناك ما يعرف بالكبائر وهى الذنوب الكبيرة، وهناك الذنوب الصغيرة أو الصغائر، وقد حذر القرآن الكريم من كبائر الذنوب لما فيها من فساد وإفساد، ولأنها تنقص الإيمان بشكل فجائى، وحض الإسلام على الابتعاد عن الصغائر، لأن الإصرار على الصغائر يؤدى للوقوع فى الكبائر، وحدد رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر الكبائر أو أشر الشرور. فعن أبى هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (اجتنبوا السبع الموبقات)، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف (الهروب من ميدان القتال فى سبيل الله)، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات (اتهامهن بالفاحشة) (متفق عليه).

والسبع الموبقات كما قال العلماء هى ﺍﻟﻤﻬلكات. وقال بعض أهل العلم إن ﻫذه الذﻧﻮﺏ ﻭﺍﻟكبائر ﻟﻴﺴت للحصر، حيث وردت ﻧﺼﻮﺹ ﺃﺧﺮﻯ بذكر ذنوب وكبائر شديدة الخطورة.

 أصل الشر

قسم "ابن القيم" رحمه الله الشر إلى ست درجات، هى: الشرك، البدع، الكبائر، الصغائر، ثم التوسع فى المباحات، ثم تقديم المفضول على الفاضل، وهذا التقسيم لم يرد فى القرآن ولا فى السنة، ولكنه استقراء واستنباط حسن من ابن القيم. مع مراعاة أن هذا التقسيم ليس على إطلاقه، فبعض البدع قد تكون خفيفة أو ضعيفة أو مختلفا فيها، وصاحبها لا يقصدها، (مثل بدعة مسح الوجه باليدين فى الدعاء)، فتكون أقل شرا من الكبائر.

وإذا تساوى العملان فى الشر، تصبح البدعة أشد وأخطر من الكبيرة، وأما إذا كانت البدعة خفيفة والمعصية عظيمة فلا يمكن أن يقارن هذا بذاك، زيادة على أن بعض الناس يتوسعون فى لفظ البدعة، فيسمون كثيرا من الأشياء بدعة دون أن يتحروا أو يتأنوا.

كما ذهب "ابن قيم الجوزية" إلى أن أصول الخطايا كلها ثلاثة: الكبر، والحرص، والحسد. والكبر هو تعظيم للنفس، يؤدى إلى احتقار الناس والترفع عليهم، ويطلق عليه أيضا التكبر والغطرسة والتعاظم.

أما الحِرْصُ فهو شدّةُ الإِرادة والشَّرَه إِلى المطلوب، وقيل أيضا هو الجَشَعُ، والحرص منه المحمود ومنه المذموم، فما كان منه متعلق بالله والدارة الآخرة فهو محمود، كحرص المسلم على الطاعات وأداء الفروض فى وقتها، وأما الحرص المذموم فهو ما كان على أمر الدنيا ولا نفع فيه، أو ضرره أكبره من نفعه، كالحرص على المال والحياة.

وأما الحسدُ فهو تمنّى زوال نعمة المحسود وانتقالها للحاسد أو مجرّد زوالها عنه، فإن لم يتمنَّ زوالها بل تمنّى نظيرها فهذه "غبطة"، وهى ليست ذميمة.


 	أحمد الجهينى

أحمد الجهينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد