ما هى علاقة عميد الأدب العربى د. طه حسين بالبطيخ، أليس إنسانا مثلنا يحب فاكهة الصيف اللذيذة ؟، ولكن هذه العلاقة كانت متأزمة سواء على المستوى الشخصى أو العام، فزوجته
ما هى علاقة عميد الأدب العربى د. طه حسين بالبطيخ، أليس إنسانا مثلنا يحب فاكهة الصيف اللذيذة ؟، ولكن هذه العلاقة كانت متأزمة سواء على المستوى الشخصى أو العام، فزوجته الفرنسية سوزان لا تحب البطيخ ومن ثم لا تسمح بدخوله بيتها، وعميد الأدب يحب البطيخ، فكيف يمكن حل هذه المشكلة المستعصية؟، حكى لى سكرتيره إبراهيم الإبيارى أن طه حسين كان يطلب منه شراء البطيخ سرا وتهريبه إلى مكتبه حتى لا تعلم زوجته، ولأنها لا تدخل المكتب ومعه سكرتيره، فقد كانت فرصة ليستمتع طه حسين بتناول الفاكهة المحببة إليه، والتى تحرمها عليه زوجته، وهو لا يستطيع عصيانها فهى صاحبة فضل عليه ومن ثم لا يريد إغضابها، ولكن مشكلة طه حسين مع البطيخ لا تنتهى حتى وهو فى طريقه إلى المصيف فى فرنسا صيف 1936 أى قبل 85 سنة، فقد تسبب حب أحد السياح للبطيخ فى حدوث مشكلة فى السفينة التى تقل السائحين، وكان طه حسين شاهدا على تفاصيلها، فسجلها بقلمه ونشرها بمجلة "مجلتي" تحت عنوان « بطيخة تثير إشكالا »، سبقه عنوان فرعى هو "خواطر سائح فى الطريق "، وهذا هو نص مقال عميد الأدب العربى..
كتب د. طه حسين:
" كانت السفينة تجرى فى بحر هادئ مطمئن، وكانت نفوس السفر هادئة مطمئنة أيضا، وكان قد شمل السفينة ومن فيها شىء من الدعة والأمن لا يكاد يوصف، كأنما اشترك فى تكوينه هدوء البحر وجماله، وصفو السماء وإشراقها، ونزوع المسافرين جميعا إلى هذا الأمل الذى كانوا يترقبونه منذ حين، والذى هم مشرفون عليه الآن، وهو الراحة بعد تعب، والهدوء بعد اضطراب.
وكنت أشد الناس اطمئنانا وأكثرهم دعة وأعظمهم اغتباطا بالحياة، أفكر فيما تركت من ألم وأتمثل ما أستقبل من لذة، وأعبث من حين إلى حين مع هذين الطفلين المبتسمين اللذين لا يعرفان من الحياة إلا صفوا وابتهاجا.
كنت أقص على ابنتى ألوانا من أحاديث "هوميروس" فى "الأودسا" فأجد منها ابتهاجا للقصص واستعذابا للحديث، فأمضى فى القصص والحديث وتغرق فى اللذة والابتهاج، ثم تسألنى أحق هذا الحديث أم أنت تمزح؟ فلا أجد لهذا السؤال جوابا .. لست أمزح وإنما أقص شيئا قرأته وابتهجت له، وقرأته الأجيال من قبلى وابتهجت له، وسمعته أجيال قبل هذه الأجيال فابتهجت له وآمنت به واتخذته يقينا بل اتخذته دينا. وهل كان يخطر لأحد من أولئك اليونان الذين كانوا يستمعون لأقاصيص الأودسا وأعاجيبها أن يسأل المنشد: أحق هذا الحديث أم أنت تمزح؟ كلا ! لقد كان هؤلاء الناس يؤمنون بأعاجيب الأودسا وأساطيرها كما تؤمن أنت وأنا بالبخار والكهرباء. وكانوا يتخذون من أحاديث الأودسا وأعاجيبها مقاييس للخير والشر ونماذج ينظمون عليها حياتهم الخاصة والعامة كما نبحث نحن عن هذه المقاييس والنماذج فى علم الأخلاق والاجتماع الآن .. ثم تتابعت الأجيال واتصلت العصور وتطور العقل الإنسانى حتى أصبحت هذه الطفلة فى السابعة من عمرها تسألنى حين أقص عليها أحاديث الأودسا وأعاجيبها وأخبار السندباد البحرى : أحق هذا الحديث أم أنت تمزح ؟ وكنت أترك ابنتى تلاعب أخاها وتلهو مع أترابها ، وأنصرف إلى قرينتى فنأخذ فى ألوان من الحديث، منها الجد والهزل، وربما انتهزنا فرصة غفلة الطفلين فقرأنا فصلا من كتاب أو مقال من صحيفة، حتى إذا أقبل الليل جلس السفر بعضهم إلى بعض يتحدثون، وانصرفت طائفة منهم إلى " البيانو" فمنهم من يعزف ومنهم من يرقص، وانصرفت طوائف أخرى إلى ألوان من اللعب بين نرد وشطرنج وورق حتى يتقدم الليل .
وكان بين أهل السفينة شرقى أخذه حر شديد، بينما السفينة تجتاز قناة السويس ، فما هى إلا أن رأى بطيخ مصر فاندفع إليه اندفاعا وأكل بطيخة بأسرها، ثم كأن البطيخة لم تنقع غلته فعمد إلى ماء مثلج فشرب منه ما أذن الله له أن يشرب، ولم تكد السفينة تتجاوز مصر حتى أخذ صاحبنا قئ ومشاء ، ودعى الطبيب فلم يؤمن للبطيخ ولا للماء المثلج لا سيما وقد حسنت حال صاحبنا بعد يوم وليلة، فلم يبق من قيئه ومشائه إلا بطن منتفخ، ولم يشك الطبيب فى أن الرجل مطعون ... وكان هذا الرجل فى الدرجة الرابعة فلا أحدثك عن عناية الطبيب به وإشفاقه عليه، فأنظر إليه تحوطه عناية الطبيب والخدم، وأنظر إليه فى سرير نظيف نقى، وأنظر إليه تقدم ألوان الطعام مختارة منتقاة، وأنظر إليه يحمل من حين إلى حين إلى حيث يتنسم هواء البحر.. وكأن الرجل قد استعذب هذه الحياة واستلذها فتمارض وأمعن فى الشكوى، وشك الطبيب وأمعن فى الشك فأبرق إلى مرسيليا أن قد ظهر الطاعون فى السفينة، وكتم الطبيب وربان السفينة الخبر عن المسافرين حتى لا يأخذهم هم ولا وجل. فلما أشرفت السفينة على مرسيليا أنبئنا أنها ملوثة وأن لا بد من الحجر الصحى، وأننا سنمكث على بعد من الساحل خمسة أيام نرى الأرض ولا نستطيع أن نطأها .. تستطيع أنت أن تتمثل نفسية المسافرين – كما يقولون – عندما وقع عليهم هذا النبأ وقع الصاعقة، ولكن المسافرين الذين أبحروا من مصر ليسوا شيئا إلى جانب البحارة والذين أبحروا من أقصى الشرق، فقد كان هؤلاء الناس قد قضوا فى البحر شهرين أو أكثر من شهرين، وكانوا يتحرقون شوقا إلى فراق البحر، وإذا هم يقضى عليهم أن يحجزوا فى السفينة خمسة أيام، وقضينا ساعات فى هذا الاضطراب، ثم أقبلت زوارق تحمل الأطباء، وذاع النبأ أن هؤلاء الأطباء قد أقبلوا ليمتحنوا المسافرين واحدا واحدا، فمن رأوه بريئا أذن له بترك السفينة، ومن رأوه مريضا أو كالمريض حجزوه .. ولكن الأطباء لم يمتحنوا أحدا، وإنما قضوا ساعات يدفعون إلى المسافرين جوازات صحية ويكلفونهم أن يقدموا هذه الجوازات فى أمد لا يتجاوز خمسة أيام إلى عمدة المدينة أو القرية التى يقصدون إليها ليتحقق هذا العمدة من أمر المسافرين أمطعونون أم بارئون من الطاعون ؟ .
وكانوا كلما دفعوا إلى مسافر جوازا كتبوا إلى عمدة المدينة أو القرية ينبئونه أن فلانا قادم إلى مدينته أو قريته وأن حالته الصحية تدعو إلى الحذر والاحتياط، فلا بد من امتحانه والاحتياط لأمره .
وأذن للمسافرين جميعا أن يطأوا الأرض إلا البحارة وعمال السفينة، وبلغنا القرية التى كنا نقصد إليها، وذهبنا فى اليوم الخامس إلى العمدة، فرأينا سكرتيره – وسكرتير العمدة فى معظم القرى الفرنسية هو معلم القرية وهو يشبه فقيه الكتاب عندنا – رأينا هذا المعلم وقصصنا عليه قصتنا، فلم يكد يسمع أول الحديث حتى أظهر عنايته، لأنه تسلم كتاب الأطباء منذ أيام، وأخذ يبحث عن هؤلاء المسافرين الذين يوشكون أن يحملوا الطاعون إلى قريته دون أن يوفق إليهم، فلما رآنا خيل إليه أن ظفر بطلبته .
على هذا النحو انتهت رحلتنا .. وما كنت لأقص عليك هذا القصص لولا أن فيه عبرة لا بأس فى التفكير فيها .. أرأيت إلى مئات المسافرين يضطربون ويحزنون يوما كاملا، أرأيت إلى مصلحة الصحة فى مرسيليا تضطرب وتعنى هذه العناية وتتكلف هذه النفقات، أرأيت إلى مئات العمد فى قرى فرنسا يضطربون ويشفقون من الطاعون أن يصيب قراهم؟ كل ذلك لأن رجلا ظمئ فأكل بطيخة وشرب أقداحا من الماء المثلج!!
أشهد أن هذه الحياة لا تخلو من عبث، بل أشهد أن هذه الحياة كلها لون من ألوان العبث وفن من فنون المزاح، تضحك حينا وتحزن حينا آخر، وهى مضحكة حين تحزن ومحزنة حين تضحك، هى عبث كلها.
نعم إنى لا أفكر فى أمر هذه البطيخة التى استتبعت ما استتبعت من الأحداث فلا أضحك ولا أحزن، وكثيرا ما ضحكت ومزحت حين كنت أفكر فى أمرها ، ولا أضحك ولا أمزح، وإنما أفكر فى هذا الأمر مع حزن شديد، لأننى أرى الحياة كلها تجرى على نحو ما جرى أمر هذه البطيخة .. ذلك أن أنباء مصر قد وصلت إلى فقرأت فيها ما قرأت وابتسمت فيها لأشياء وبكيت فيها لأشياء أخرى، ولم يبق لى من هذا البكاء وذلك الابتسام إلا أنى تركت أصدقاء كنت أتمنى لقاءهم بعد عودتى، وأتحدث بما أجد من لذة حين ألقاهم وأستأنف معهم صلات الصفاء، وتركت كذلك خصوما كنت أفكر فى أننى سأعود إلى خصومتهم وسألقى منهم شرا، فإذا أنا الآن مقتنع بهذه الحقيقة المؤلمة وهى أنى لن أجد هؤلاء الأصدقاء ولن أجد هؤلاء الخصوم، لن أصافى أولئك ولن أخاصم هؤلاء، لأن الله قد آثرهم بالحياة فى تلك الدار التى لا تجرى فيها الأمور على نحو ما تجرى عليه فى حياتنا من اللهو والعبث ".
طه حسين
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الموسمان الأخيران — الثاني والعشرون في أكتوبر 2025، والثالث والعشرون في مارس 2026 — قدّما مشهداً استثنائياً غيّر بعض التوقعات...
صار البحث عن « esim مصر » أو «eSIM Egypt» جزءًا معتادًا من التحضير للسفر، بعدما تحوّل الإنفاق على الاتصال...
تتيح لك عروض وتخفيضات في مصر شراء كافة احتياجاتك بأقل تكلفة ممكنة، نوضّح لك هنا كيفية الاستفادة من خصومات ديفاكتو...
تواصل القاهرة الجديدة ترسيخ مكانتها ضمن أبرز وجهات التوسع العمراني في شرق القاهرة، مدفوعة بتنوع المناطق السكنية وقربها من شبكة...