رحلت فوزية مهران فهل ذهب لغز اغتيال ناجى العلى معها إلى القبر؟

فى يوم السبت الأول من نوفمبر الجارى أغلقت الكاتبة الكبيرة فوزية مهران قلمها، فقد كانت الحياة بالنسبة لها هى ورقة وقلم وكتابة، وإغلاق القلم يعنى نهاية الحياة، ولذلك

فى يوم السبت الأول من نوفمبر الجارى أغلقت الكاتبة الكبيرة فوزية مهران قلمها، فقد كانت الحياة بالنسبة لها هى ورقة وقلم وكتابة، وإغلاق القلم يعنى نهاية الحياة، ولذلك ظلت وهى فى سنواتها الأخيرة تقاوم آلام المرض وقسوة الشيخوخة بالكتابة، ولم تضع قلمها كما تمنت- إلا مع النفس الأخير. وكان رحيلها فرصة لاستعادة تاريخ وجهاد ورصيد تلك الكاتبة القديرة، والتى تشهد كل الآراء المنصفة أنها صاحبة تجربة حقيقية ومؤثرة وجديرة بالإعجاب وبالبقاء.

رغم ملامحها الوادعة إلا أنها كانت تحمل شخصية متمردة وجسورة ومقتحمة ومشاغبة، فقد كانت صبية صغيرة عندما قررت أن تأتى من مسقط رأسها فى الإسكندرية (ولدت بها فى 5 ديسمبر 1931) لتدرس الأدب الإنجليزى فى جامعة القاهرة.. وعقب تخرجها ذهبت بدون موعد لتقابل أحمد بهاء الدين عندما سمعت أنه يؤسس مجلة جديدة، ولمس فيها بهاء الموهبة فاختارها لتكون من بين الكتيبة الأولى التى أصدرت (صباح الخير)..

وعندما طلب منها بهاء أن تتخصص فى الكتابة النسوية، صحافة وإبداعا، رفضت بشدة، وقررت أن تكتب أدبا إنسانيا وليس نسائيا، فالمرأة فى رأيها شريك فى الإنسانية ولا يجوز تمييزها.. وعندما نجحت مجموعتها القصصية الأولى (بيت الطالبات) وتهافتت السينما على تحويلها إلى فيلم، فإنها وهى الأديبة الشابة التى تحلم بدخول عالم السينما رفضت أن يتولى إخراج فيلمها مخرج بشهرة ونفوذ حسن الإمام كان اسمه كفيلا بأن يفتح لها أبواب السينما الواسعة، وفضلت أن يتولى إخراج قصتها مخرج بوعى ورؤية أحمد ضياء الدين (عرض الفيلم عام 1967 وقام ببطولته كمال الشناوى ونيللى وناهد شريف).

وفى عنفوان ثورة يناير، وحين كان الهجوم عاتيا على مبارك ونظامه وكل ما ينتمى لسنوات حكمه، امتلكت فوزية مهران من الشجاعة لأن تعلن تقديرها لفاروق حسنى وتشيد بما قدمه للثقافة المصرية وتؤكد أن التاريخ سينصفه وسيضعه رأسا برأس مع بانى الثقافة فى مصر ثروت عكاشة.. وعندما كان الهجوم صاخبا على تجربة مسرح مصر وأشرف عبدالباقى وتلاميذه من نجوم الكوميديا الجدد، فإنها كانت من الشجاعة بأن تعلن إنه حتى مع ضعف مستوى ما يُقدمونه فإنه يحسب لهذه التجربة أنها أفرزت كنوزا من نجوم الكوميديا الجدد، وخصت بالذكر على ربيع وحمدى الميرغنى.

كان لفوزية مهران تجربة إبداعية رحبة، تنوعت بين الكتابة القصصية والروائية والمسرحية والنقدية والصحفية والفكرية،  وكانت من أعمق وأصدق من كتبوا عن أدب البحر وخصوصيته  بحكم  أنها ابنة أصيلة لمدينة الإسكندرية، ومنحها النقاد لقب (سيدة البحر)، وتوجت مسيرتها بحصولها على جائزة الدولة التقديرية فى الآداب عن مجمل أعمالها فى العام 2015.

(1)

تستطيع أن تكتب عن فوزية مهران طويلا بحجم عطائها واتساع تجربتها وتعدد موهبتها وتنوع وجوهها.. ولكنى أتوقف هنا عند وجه مختلف وزاوية خاصة للكتابة عن صاحبة (الحق المسلوب)، وهو ما يتعلق بلغز اغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطينى الأشهر ناجى العلى، ونسأل: هل ذهب السر معها إلى القبر؟!

ولكن ما علاقة فوزية مهران بهذا الملف الشائك وبتلك القضية التى لم تُحسم بعد ؟!.. الإجابة مليئة بالتفاصيل وتستحق الانتباه.

قبل نحو 12 سنة كنت فى بيروت، وذهبت إلى جريدة (السفير) للقاء صديقى الصحفى اللبنانى المعروف، وفى مكتبه البسيط الأنيق أهدانى كتابا أصدرته الجريدة عن ناجى العلى، رسام الكاريكاتير المشاغب الذى عمل لسنوات طويلة فى الجريدة نفسها وسببت رسوماته لها من المتاعب والأزمات الكثير..

وقال لى بنصف ابتسامة ساخرة: لغز اغتيال صديقى ناجى عندكم فى مصر.. سيكون جهدا مشكورا منك لو وصلت إلى (رشيدة مهران).. ومن حينها وأنا أحاول الوصول إلى مفتاح لغز اغتيال ناجى العلى.

لم يكن سرا أن (رشيدة) اسم مهم وبارز فى ملف القضية، فقد كانت السبب الأقوى فى تصفية ناجى العلى فى لندن برصاصات أصابته فى رأسه فى نهار يوم 22 يوليو 1987 ومات على أثرها بعد شهر فى المستشفى..


كانت د. رشيدة مهران وقتها تشغل منصب مستشار الزعيم الفلسطينى ورئيس منظمة التحرير ياسر عرفات، وكانت من أقرب الشخصيات إلى (أبو عمار) وتتمتع بنفوذ متزايد ومتصاعد داخل المنظمة، ولها تأثير قوى على قرارات عرفات، وهو ما أثار اعتراضات داخل المنظمة، ولكنها ظلت مكتومة ولم يجرؤ أحد من الدائرة المحيطة بالزعيم الفلسطينى أن يصارحه ويواجهه بدور تلك المستشارة المصرية داخل المنظمة، ناجى العلى وحده هو الذى امتلك الشجاعة بل التهور لأن يتكلم ويعترض ويسخر بل ما هو أقسى من السخرية، فنشر كاريكاتيرا لاذعا يذكر فيه رشيدة بالاسم  ويعرّض بنفوذها، وكانت الرسمة حوارا بين عدد من المثقفين الفلسطينيين..

وجاء فى الرسمة الحديث التالى: "تعرف رشيدة مهران؟.. فيرد الآخر: لا، فيسأله مجدداً: بتسمع عنها؟، فيجيب: لا، فيرد السائل قائلاً: ما بتعرف رشيدة مهران ولا سامع فيها, لكان كيف صرت بالأمانة العامة للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، لكان مين داعمك بها المنظمة يا أخو الشليتة؟".

وبنفس تلك الصراحة الجارحة كتب (ناجى)  بعدها مقالا عن (رشيدة) ونفوذها قال فيه:

(هل تعرفون رشيدة مهران؟!.. لا تظنوا أنها إحدى الفدائيات، رشيدة مهران سيدة مهمة، رشيدة مهران تركب الطائرة الخاصة لرئيس منظمة التحرير، وتسكن قصراً فى تونس، وتقترب وتبعد فى المنطقة وهيئاتها، وهكذا فهى مهمة للغاية، ألفت كتاباً عن الزعيم الفلسطينى وقالت فيه: إنه إلهها، طبع بطبعات فاخرة، وأرادوا أن يترجموه إلى اللغات الحية، ويوزعوه على مكاتب المنظمة فى أنحاء العالم، فاحتار المترجمون كيف يترجمون كلمات نبىّ وإلهى المهداة للزعيم. رسمت عن رشيدة مهران هذه، علماً بأنه لا اعتراض لى على العلاقات الشخصية، ولكن حينما تمس قضية شعبى سأرسم. وبعدها انهالت تهديدات وتهانى وتعاطف أيضاً. تصوروا أن واحداً من طرف أبو إياد أبلغنى سروره من الرسم وقال: إنى فعلت الشىء الذى عجز الكبار فى المنظمة عن فعله، ولكنه قال إنى بهذا قد تجاوزت الخطوط الحُمر فى نظر البعض عندما رسمت رشيدة مهران، وانه خائف علىَّ، وانه يجب أن انتبه لنفسى، قلت له: يا أخى لو انتبهت لحالى لما بقى لدىَّ وقت انتبه فيه إليكم وإلى ما تقولون).


وغضب عرفات، واعتبر أن ما فعله ناجى رسم وقول بمثابة إساءة شخصية له لا تغتفر، ولم يكن عرفات وحده الحانق على ناجى ورسوماته، قبله كانت إسرائيل أشد حنقا وغضبا من هجومه اللاذع على جرائمها فى حق الفلسطينيين، فمن كان الأسبق إلى دماء ناجى؟

عندما فتح البوليس البريطانى ملف قضية اغتيال ناجى العلى العام الماضى (2018) كانت هناك أدلة جديدة وإشارات للقاتل الذى يحمل اسما حركيا هو (بشار سمارة) وثبت أنه كان يجمع بين عضوية منظمة التحرير والعمالة للموساد.. وهو ما يزيد القضية غموضا.. فهل قرر الموساد أن يضرب عصفورين برصاصة واحدة، فيتخلص من عدو لدود اسمه ناجى العلى ، ويعلق الفأس فى رقبة عرفات وكان الجميع يعلم غضبه من ناجى بسبب رشيدة؟!


(2)

منذ 12 عاما أحاول الوصول إلى د. رشيدة مهران، وعندما توصلت إلى خيط يقودنى لمكان إقامتها فى مصر كانت قد سافرت لإجراء جراحة خطرة فى لندن، وتدهورت حالتها الصحية إلى أن فارقت الحياة فى نوفمبر 2012

ولم يعد أمامى سوى شقيقتها فوزية مهران، واتصلت بها مرات محاولا إقناعها بأن تدلى بشهادتها وتقول ما تعرفه وكنت أعرف أن لديها الكثير، بل أصبحت هى الصندوق الأسود الأخير المتخم بالأسرار.. لكنها فى كل مرة كانت تعتذر بحجج مهذبة وكأنها تريد أن تغلق ملف القضية.. إلى الأبد.

وحاولت البحث عن مصادر بديلة لديها علم ومعلومات وأسرار عن رشيدة مهران، وكانت المصادفات السعيدة توقع فى طريقى من يعرف.. بحق.

كان أولهم بكر الشرقاوى الكاتب والمفكر اليسارى المصرى، وكان من أبرز كتاب جيل الستينيات، ونائبا لنجيب محفوظ فى مؤسسة السينما، وله علاقات عربية واسعة، وكان صديقا لياسر عرفات.. ولرشيدة مهران.


وسمعت من بكر الشرقاوى فى حوار مسجل معه تلك الحكاية:

فى الفترة التى قضيتها لمتابعة وتغطية الحرب الأهلية فى لبنان  أتيحت لى لقاءات مع القيادات الفلسطينية التى تواجدت فى بيروت وقتها، وعلى رأسهم أبو عمار وأبو جهاد وأبو إياد، لكن ياسر عرفات كان أقربهم لقلبى، فقد كان عاشقا حقيقيا لمصر ويجيد لهجتنا، وكنت أعرف شقيقه فتحى عرفات الذى درس الطب فى مصر وتزوج من مصرية..

وكنت مرة فى بغداد عندما عرفت بوجود أبو عمار فتركت خبرا لدى مساعديه وبعد ساعات اتصلوا بى يخبروننى بموعد حدده لمقابلتى، ولما ذهبت إليه فى مقر إقامته وجدته يتناول العشاء، وكانت بجانبه سيدة مصرية أعرفها، فهى من ناحية شقيقة صديقتنا الأديبة فوزية مهران، ومن ناحية أخرى فقد كانت لها حادثة غريبة تسابقت الصحف حينها فى نشرها، فقد كانت تسير مع زوجها فى الإسكندرية وفجأة انشقت الأرض وابتلعته ولم يُعثر له على أثر ولا يعرف أحد حتى الآن سر هذه الواقعة الغريبة التى تنشق فيها الأرض وتبتلع إنسانا ثم تستوى من جديد!

كانت رشيدة مهران جميلة وجذابة وذكية، وفى ظروف ما تعرفت بياسر عرفات و(لزقت) له ولم تعد تفارقه وقيل عن علاقتها بأبى عمار الكثير..

المهم عندما رأيتها معه فى تلك الليلة عرفتها وعرفتنى، واستأذنت من أبو عمار أن أنتظره فى الصالون حتى ينتهى من عشائه، فجاءت رشيدة ورائى وسلمت علىّ وهمست لى فى رجاء أن (أسندها) عند أبو عمار حتى يتزوجها رسميا وكان كل أملها فى الحياة أن تكون زوجة له وليست صديقة!

وبعد سهرة طويلة مع عرفات تحدثنا فيها فى كل شىء جاءت الفرصة وأنا أودعه ورجوته أن (يخلّى باله من رشيدة) وقلت فى حقها كلمة طيبة، وكان ذلك بحضور حرسه الشخصى فقال لى كبيرهم بعد أن التقط مقصدى: يتجوزها إزاى.. دى جدة!

وجاء معى واحد من ضباط حراسة عرفات الكبار ليوصلنى إلى مقر إقامتى فى بغداد، وفهمت بسرعة سر إصراره على توصيلى بنفسه، فقد راح يسألنى عن رشيدة: من أين تعرفها وما علاقتك بها و..و..، وفى النهاية أفصح لى أنهم ضد زواج عرفات بها، حيث يفضلون أن يتزوج من فلسطينية!

كانت علاقة أبو عمار ورشيدة مثار جدل بين الفلسطينيين، وكان ناجى العلى رسام الكاريكاتير المعروف الأكثر جرأة فى التشهير بتلك العلاقة ورفضها، ورسم كاريكاتيرا شهيرا أثار غضب ياسر عرفات، ودخل الموساد على الخط وقرر استغلال هذه الأزمة، وقاموا باغتيال ناجى العلى لإلصاق التهمة بعرفات، وكنت فى لندن عندما جرت عملية قتل ناجى العلى بتلك الرصاصات الغادرة!"

وفتح لى بكر الشرقاوى طريق الأمل فى رحلة البحث عن رشيدة مهران.


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

مشروع ذا سباين طلعت مصطفى The Spine TMG New Cairo

تطرح شركة طلعت مصطفى القابضة مشروعها الجديد في شرق القاهرة وهو مشروع ذا سباين طلعت مصطفى The Spine TMG New...

جرجس شكري: حلمي رفلة "صانع النجوم" كان ينتج ثُلث أفلام السينما المصرية

ناقشت اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين كتاب "صانع النجوم.. حلمي رفلة.. سيرة سينمائية بلا ماكياج" للناقد والكاتب الصحفي جرجس شكري،...

مزايا استخدام الشريحة الإلكترونية (eSIM) أثناء السفر

مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...