5 ملاحظات علي الدورة 17 لمهرجان مسرح الهواة

المسرح المصري بخير، هذه هي خلاصة الأيام التي قضيتها ضيفا على مهرجان مسرح الهواة في دورته رقم 17 التي أقيمت بين 12 و17 سبتمبر 2019 واستضافها مسرح قصر ثقافة الأنفوشي

المسرح المصري بخير، هذه هي خلاصة الأيام التي قضيتها ضيفا على مهرجان مسرح الهواة في دورته رقم 17 التي أقيمت بين 12 و17 سبتمبر 2019 واستضافها مسرح قصر ثقافة الأنفوشي بالإسكندرية، وترأسها – لحسن الحظ- د. عمرو دوارة (كاهن المسرح المصري) وحارس أسراره وذاكرته، وحملت الدورة اسم فنان الشعب سيد درويش ، وتنافس على جوائزها التي وصلت إلي خمسين ألف جنيه عشر فرق مسرحية من هواة المسرح بأقاليم مصر ومحافظاتها .

ومن خلال متابعة حقيقية للمهرجان العتيد الذي تنظمه هيئة قصور الثقافة ، أستطيع أن أرصد خمس ملاحظات أساسية على تلك الدورة ، أولها :أن محافظات مصر ما زالت تنبض ومازالت قادرة على انجاب المبدعين ، بل أدهشني هذا الكم من شباب المسرح أصحاب المواهب الحقيقية ، والذين ينحتون في الصخر ويتحدون أصعب الظروف من أجل فرصة وشعاع نور ، بل أتصور أن فيهم مواهب استثنائية تفوق نجوما ساطعة على أشهر مسارح القاهرة ، وأضرب مثلا ببطل عرض الافتتاح (أوسكار) ، الطالب بجامعة المنصورة عماد مدكور، والذي جسّد شخصية مريض السرطان الذي يقاوم الموت بالحب وعشق الحياة ، وأستطاع أن يلفت الأنظار بأداء بارع وينتزع التصفيق والاعجاب ، وهو مشروع ممثل كبير إذا أتيحت له الفرصة ووجد من يمد له اليد.

وثانيها : أن هواة المسرح في مصر يبدعون بلا امكانيات ولا ميزانيات ، ويعانون من إهمال دولة غير مبرر ولا مفهوم ، وحكي لي د. عمرو دوارة بوصفه نقيب الهواة عن معاناة جمعيات هواة المسرح في الحصول على الدعم الهزيل من وزارة الشئون الاجتماعية ، إذ يتطلب تقديم عشرات الاوراق والطلبات والمستندات والخطط ، من أجل صرف دعم ربما لا يزيد عن 500 جنيه ، هي كل الميزانية التي ينبغي أن تكفي الانفاق على كل بنود المسرحية !..هذه الامكانيات الهزيلة تجلت في عروض الهواة خلال المهرجان ، الديكورات فقيرة ، والملابس كذلك ، وحاول الشباب جاهدين بحماسهم لعروضهم وعشقهم للمسرح في صنع المستحيل .


وثالثها : أن هيئة قصور الثقافة –الجهة المنظمة للمهرجان- تؤكد الشواهد والفاعليات والتجارب أنها الهيئة الثقافية الأقرب لأهلنا في محافظات مصر من خلال فروعها وقصور ثقافتها ومسارحها المنتشرة والممتدة من أسوان إلى مطروح، و ما زالت هي الجهة الجديرة بحمل التنوير ورسالته ، وفي زمن الآباء المؤسسين والرواد (يرحم الله السعدان كامل ووهبة) كانت قوافلها تصل إلي كل نجع وقرية ، ووقتها لم نسمع عن ارهاب ولا تطرف ، فعقل الشاب إذا مسه الفن والثقافة لا يمكن أن يكون فيه مكان لتطرف أو تكفير أو دم ، وتلك حقيقة ينبغي أن تكون أمام أعين الدولة وهي تخوض حربها الشرسة ضد الارهاب ، فإذا أردنا أن نغلق ونجفف منابع التطرف علينا أن نبدأ بدعم هواة الفن – وهواة المسرح في القلب منهم- في كل محافظات مصر ، دعما حقيقيا بعيدا عن لوائح وروتين وزارة الشئون الاجتماعية .

ورابعها : أن النجاح في مصر ما زال عملا فرديا ، يتوقف على شخصية وموهبة وكفاءة المدير في المقام الأول ، وهو ما تجلى في هذه الدورة مع رئيسها د. عمرو دوارة، فخبرته الطويلة والعريضة في عالم المسرح جعلت اختياراته في لجان التحكيم والمشاهدة واسماء المكرمين وكل التفاصيل الكثيرة والمتشعبة إداريا وتنظيميا على درجة عالية من الذكاء والتوفيق ، ولا يمكن أن نغفل الدعم الحقيقي والمخلص الذي تلقاه من قيادات الهيئة وبخاصة رئيسها د. أحمد عواض، و د. هاني كمال رئيس الادارة المركزية للشئون الثقافية ، فجاء التنظيم راقيا ورائقا وخاليا من المطبات المزعجة والمشكلات التافهة .


وخامسها : وهي ملاحظة تتعلق بالعروض العشرة المشاركة في دورة المهرجان ،فقد لاحظت ان أغلب العروض مأخوذة عن أعمال عالمية ، وإذا شئنا تفصيلا فهناك عرضان لكاتب واحد هو الفرنسي إيريك إيمانويل شميت ، وهما (أوسكار) المأخوذة عن روايته (أوسكار والسيدة الوردية) والتي قدمتها فرقة (أصحاب الأحلام) من شباب المنصورة برؤية مخرجها عبدالله عساكر، و(طائفة الأنانيين) التي قدمتها فرقة جمعية مفتاح الحياة بالأقصر من إخراج كرم نبيه ..أما فرقة جمعية بورسعيد للفنون والثقافة فقد اختارت رواية لوركا الشهيرة (بيت برنارد ألبا) من إخراج مجدي الشناوي، واختار نور عفيفي مؤسس فرقة (شظايا) ملحمة الإلياذة لهوميروس ليستوحي منها عرضه (الطريق إلى طروادة)..وكان ديستوفسكي الأديب الروسي العظيم حاضرا بروايته الأشهر (الأخوة كرامازوف) والتي اختارتها فرقة (المصراوية) ومخرجها خالد العيسوي لتعيد تقديمها ..وكان (الامبراطور جونز) ليوجين أونيل هو بطل عرض الجمعية المصرية للتوعية الفنية والثقافية ومن إخراج أسامة جميل .. إذن كان هناك ستة عروض من عشرة مستوحاة من نصوص عالمية ، وبقدر سعادتي لانفتاح هواة المسرح على الأدب العالمي واتساع أفقهم وإيمانهم أن الفن الحقيقي عابر للحدود واللغات والثقافات والأزمنة ، بقدر حزني لعد التفاتهم لتراثنا المسرحي وفيه من النصوص والأعمال ما لا تقل روعة عما قدموه ، ولو رجعوا إلي نصوص نعمان عاشور ويوسف إدريس ومحمود دياب وميخائيل رومان وسعد وهبة وعلي سالم (مثلا) سيجدون بها نصوصا متوهجة ما زالت مستعدة لأن تبوح بالمزيد من أسرارها .لكن هذا لا يقلل من الجهد المبذول والوهج في رؤاهم الجديدة .

تحية لكل المساهمين في هذه الدورة ..وهمسة في أذن وزيرة الثقافة الفنانة د. إيناس عبد الدايم : تجديد الخطاب الثقافي يبدأ من محافظات مصر ..الشباب هناك يحتاج إلى مزيد من الدعم .. والثقافة هي القادرة على هزيمة التطرف ..وشباب المسرح قادرون على سحق الارهاب .     

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - بعد الحضرة

هذا الممدد بطول السجادة، كأنه اتحد بها، صار جزءاً من نسيجها، كأنه محفورٌ فيها، وكأن طوق زهورها منثورة عمداً حول...

محاكمة اليأس

علم النفس الحديث يعتبر اليأس من الشرور التى تلاحق حياة الإنسان المعاصر حول العالم فتصيبه نفسيًا وجسديًا بالأمراض الميل لتناول...

ناشر خاص يعلن إطلاق جائزة أدبية مصرية تعتمد على التبرعات

عمر قناوى: جائزة صنع الله إبراهيم لن تقل قيمتها عن مائة ألف جنيه الأكثر مبيعًا عندنا كتاب «وعليكم السلام» الصادر...

شخصيات لها تاريخ «114» أبراهام لنكولن.. قائد ثورة تحرير العبيد فى أمريكا

كان عصامياً علم نفسه وحبه للقانون جعله يقرأ كتب القانون ويحترف المحاماة ومنها عرف طريق العمل البرلمانى وترشح للرئاسة وفاز...