من المواقع التنفيذية التى تولاها نجيب محفوظ رئاسة صندوق دعم السينما، ورئاسة الرقابة على المصنفات الفنية، وقبلها كان فى وزارة الأوقاف ومصلحة الفنون،
وكلها وظائف تحتاج مهارات خاصة وثقافة عميقة، ولكن الإنتاج الروائى له تأثير بوجوده فى هذه الدوائر، فكتب روايات: «الحب تحت المطر»، «المرايا»، «أفراح القبة»، وكلها تظهر فيها شخصية الفنانة والفنان، الممثل والمخرج، بحكم انغماسه فى هذه الحياة المعنوية الوجدانية، فالرجل المسئول عن صندوق دعم السينما والمسئول عن الرقابة والمسئول فى مصلحة الفنون، هو مبدع روائى قبل أن يكون موظفاً كبيراً، ولا يستطيع أن يكف عن التقاط التفاصيل وتخزين الجمل الحوارية والحكايات والمواقف، فى ذهنه أو فى نوتة مخصوصة، وكان نجيب محفوظ يرى نفسه روائياً ويعيش فى الدنيا بهذه الرؤية وهذه النظرة للعالم، وهنا ندخل فى القضية التى تشغلنا، وهى قضية تصوير حياة الممثلين فى رواية «أفراح القبة»، التى أخرجها محمد ياسين وجعلها فى حلقات درامية تليفزيونية جميلة، وقام ببطولتها: جمال سليمان وصبرى فواز وإياد نصار وصابرين وصبا مبارك، والقضية فنية قبل أن تكون إنسانية، فالفنان الروائى هو ممثل ومخرج وسيناريست ومصور، وهذا ما ظهر فى هذه الرواية التى كتبها نجيب محفوظ عن عالم الفنانين المصريين فى بدايات السبعينات من القرن العشرين، وهى الفترة التى أعقبت هزيمة 5 يونيو وحرب الاستنزاف كانت فى القلب منها، ثم جاءت حرب العبور 1973 لتنقل المجتمع إلى حالة أخرى، حالة الزهو والشعور بالنصر، بعد سنوات من الشعور بالضياع والتفاهة، والمقصود بالقضية الفنية هو أن يكتب الروائى رواية تصور مجتمع فنانى المسرح، فيضع القارئ داخل مجتمع الفنانين، ولم يكتف محفوظ بهذا، بل جعل موضوع الرواية هو العلاقة بين الفن والواقع فى حياة مجموعة من الفنانين، يعملون فى مجال التمثيل على خشبة المسرح، وموضوع المسرحية المحكى عنها فى الرواية هو الواقع الذى عاشه الممثلون أنفسهم، وعليهم أن يمثلوا شخصياتهم المكتوبة فى المسرحية وهم يعلمون أن هذه الشخصيات مستمدة منهم ومن حياتهم الواقعية، وهذه القضية نجح نجيب محفوظ فى عرضها ونجح فى تصوير مجتمع الفنانين المصريين فى حقبة السبعينات فى المرحلة التى تلت هزيمة 5 يونيو وفى القلب منها حرب الاستنزاف، والخلاصة هي أن «أفراح القبة» صورت المجتمع المصرى فى مرحلة الهزيمة وصورت مجتمع الفنانين بدقة، ونجح محمد ياسين وفريق التمثيل فى «أفراح القبة» فى التعبير عن رؤية نجيب محفوظ وأمتعونا بهذه الحلقات رفيعة المستوى.
رياض القصبجى.. الشاويش عطية القادم من فرقة السكة الحديد
اللقطة الأخيرة فى حياة الفنان الراحل رياض القصبجى حسب روايات عديدة متداولة، كانت فى بيته مع أسرته، تعشى وضحك وأكل أقراص الطعمية التى يحبها، ونام النومة الأخيرة، وفى اليوم التالي وجدت أسرته نفسها عاجزة عن دفع تكاليف الجنازة والغُسل والدفن، ووقفت الأسرة الفقيرة حائرة، حتى تدخل المنتج جمال الليثى وتكفل بمصاريف تشييع الفنان الراحل إلى مثواه الأخير، وهذه اللقطة الحزينة تعيدنا إلى اللحظة الفارقة فى حياة رياض القصبجى المولود فى جرجا بالصعيد فى العام 1903، اللحظة التى قرر فيها الخروج من جرجا والعمل فى وظيفة كمسارى بهيئة السكة الحديد ومن يتأمل هذه اللحظة سوف تصدمه التفاصيل، فالشاب الصعيدى القادم من بيئة لا تعرف التمثيل، عليه أن يعمل ويكسب رزقه ويعول نفسه، وكانت السكة الحديد تضم الشبان الأقوياء البنية ليعملوا محصلين كمسارية لأن ظروف هذه المهنة تستلزم القوة البدنية التى لا غنى عنها فى ظروف السفر بالقطار، لأن هناك من الركاب من يرفض دفع ثمن التذكرة، ولكن الكمسارى قوى الجسد، يستطيع التعامل مع الراكب الممتنع عن الدفع، ويستطيع أن يسلمه لنقطة شرطة القطار، أو يسلمه لمكتب مباحث السكة الحديد الموجود على رصيف المحطة، ولكن نداء الفن، جعل البنية القوية التى تمتع بها رياض القصبجى تسهل له القبول فى فريق التمثيل التابع لهيئة السكة الحديد، ومن هذا الفريق انتقل إلى فرقة أحمد الشامى ثم فرقة على الكسار المسرحية، وقضى فترة وبعدها عرف طريق السينما، وأصبح هو الشاويش عطية الذى يلازم إسماعيل ياسين فى أفلامه التى قدمها عن الجيش والشرطة فى حقبة الخمسينات من القرن العشرين، وفى اعتقادى أن رياض القصبجى الممثل الكبير كان موفقاً فى أداء شخصية شيخ المنفر قاطع الطريق فى الصحارىوكان موفقاً فى أداء شخصية حسب الله فى فيلم «ريا وسكينة»، رغم أن الفيلم كله مبنى على نسبة ضئيلة من حقيقة عصابة ريا وسكينة، لكن الفنان رياض القصبجى نجح فى رسم شخصية حسب الله، رغم مفارقته لشخصية حسب الله الحقيقية، لأن الحقائق ظهرت كاملة فى المسلسل المأخوذ عن كتاب «رجال ريا وسكينة» للراحل صلاح عيسى، والقصد أن رياض القصبجى كان صاحب حضور قوى وقدرة على تقمص الشخصيات وإقناع المشاهد بها، رحمه الله، وقد عاش ستين سنة من مواليد 13 سبتمبر 1903 وتوفى فى 23 أبريل 1963 ولم يترك سوى الذكرى الطيبة.
جميل راتب.. حفيد الباشوات يدافع عن الفلاحين الفقراء
السيرة الذاتية للفنان جميل راتب لم يكتبها كاتب أو مؤرخ فنى، كل ما وصلنا عنه حكايات متناثرة، منها أن والدته ابنة شقيق هدى شعراوى، وجده هو راتب باشا الذى كان الياور الخاص بالخديو توفيق، وترجمة هذه المعلومة، هى أن شقيق هدى شعراوى، هو عمر باشا سلطان، الغنى الوجيه الثرى الذى كان قريباً من الحزب الوطنى الذى أسسه الزعيم مصطفى كامل، وهو نفسه ابن محمد سلطان، رئيس مجلس النواب فى زمن الخديو توفيق، خائن الثورة العرابية، وصديق الإنجليز، وصاحب ثلاثة عشر ألف فدان فى المنيا، وراتب باشا كان من رجال الجيش المصرى وكانت مهمته حراسة الخديو، وكان صاحب أطيان أيضاً، والخلاصة هى أن جميل أبابكر راتب الفنان الممثل المخرج المسرحى المثقف الكبير تمرد على هذا السياق، واختار الدفاع عن الفلاحين الفقراء والعمال، بل إنه سافر إلى فرنسا وعمل فى مهن تعتمد على القوة البدنية، وكأنه يريد التكفير عن جريمة لم يرتبكها، جريمة الثراء فى مجتمع الفقراء، واختار جميل راتب التمثيل وظهر فى السينما الفرنسية والتونسية والمصرية، وكان انحيازه للفقراء والشعب والوطن وكل معانى النبل الإنسانى، واشتهر بتقديم شخصية رجل الأعمال الفاسد، الذى يسرق قوت الشعب ويتاجر فى السلع الفاسدة، ولا يستطيع المشاهد نسيان دوره فى فيلم «الصعود إلى الهاوية» الذى قدم فيه شخصية ضابط المخابرات الإسرائيلى الذى قام بتجنيد الجاسوسة هبة سليم وهو فى هذا الدور اعتمد على مخزون خبراته الفرنسية والأوروبية الناتجة عن معايشة لا عن مجرد قراءة الكتب ومشاهدة الأفلام، هو عاش سنوات فى فرنسا، ومن المؤكد أنه التقى صهاينة يعملون لحساب إسرائيل، وهذا ما جعل أداءه راقياً مقنعاً ممتعاً، وفى 19 سبتمبر 2018 انتقل جميل راتب إلى جوار ربه وبقيت آثاره الفنية حية فى قلوب عشاق فنه الرائع.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
من المواقع التنفيذية التى تولاها نجيب محفوظ رئاسة صندوق دعم السينما، ورئاسة الرقابة على المصنفات الفنية، وقبلها كان فى وزارة...
جديد الدورة الرابعة.. أفلام للطلبة والسياحة البيئية
البلدوزرات تكتب نهاية تراجيدية لفارس الرومانسية انتقل إلى «البراجيل» لينعم بالهدوء فوجد كابوساً فى انتظاره دخل فى حالة اكتئاب حزناً...
من «المتزوجون» و «البشاير» إلى «ماما وبابا جيران»