فارس السينما الأكبر (20) الأميرة إنجى تنقذ صورة الناصر صلاح الدين

مريم فخر الدين ترفض تكريم مظهر على كرسى متحرك فى مهرجان القاهرة قال لها: «زقينى يا مريم » فأصرت أن يدخل شامخاً على قدميه أدارت له السينما ظهرها فقرر أن يمنح خبرته ونجوميته للدراما التليفزيونية أول من تنبأ أن المسلسلات ستسحب البساط من السينما.. والمستقبل للشاشة الصغيرة

لم يستوعب أحمد مظهر أن تدير له السينما ظهرها بعد أن ضحى من أجلها بمجده العسكري، ومنحها زهرة شبابه وأفنى فى بلاتوهاتها عمره، وحقق فيها من النجاحات ما جعله - لسنوات طويلة - فارسها الأشهر ونجم شباكها الساطع.. منذ منتصف الثمانينات، وبعد فيلميه «النمر الأسود» (مع أحمد زكى ووفاء سالم وإخراج عاطف سالم / 1984) و«حكاية فى كلمتين» (مع ليلى علوى وإيمان البحر درويش وإخراج حسن إبراهيم / 1985)

أحس مظهر بحالة من عدم التقدير لا تليق باسمه ولا بتاريخه، تركت فى حلقه مرارة وفى نفسه غضبا، وهو ما عبّر عنه فى أوراقه (عام 1989): «منذ أكثر من 4 سنوات وأنا أرفض الأدوار المعروضة عليّ سينمائيا، بسبب ضآلة حجم دورى وضخالة فكر وعقل وقلب الذين كانوا يرسلون لى هذه السيناريوهات.. وتطور الأمر لدرجة لا تصدق.. فقد فوجئت بمن لا علاقة لهم بالفن يطرقون بابى ومعهم سيناريوهات رديئة وهابطة ومسفة، ولا يكتفون بذلك فقط بل من فرط بجاحتهم وقلة ذوقهم يهمسون لى: من فضلك أستاذ أحمد سوف نضع اسم الممثل الفلانى قبل اسمك.. واحتار فى الرد، وأمنع نفسى من أن أصفع هذا الوقح؟.. ألم يسمع باسمى وبتاريخى ومشوارى؟.. ثم أنظر فى السيناريو فأجد أن اسم

الفيلم من نوعية «الجمبرى الحزين» وأغلق السيناريو قرفا وأنظر حولى فأتذكر أننى فى بيتى فأقول له: شربت الشاى؟.. هنيئا.. باب الخروج من هنا.. مع ألف سلامة.. ومن فضلك لا ترينى وجهك مرة ثانية.. وكنت أحيانا من عشقى للسينما ومجاملة للزملاء أقبل الظهور كضيف شرف، ثم اكتشفت أننى تعرضت للنصب فنيا وماديا، فمن ناحية كنت لا أتقاضى أجرا على الإطلاق ومن ناحية أخرى كان دورى دائما يتسم بالهيافة والسطحية، وفهمت اللعبة التى يلعبها تجار السينما الجدد، فهم يريدون استغلال الاسم الكبير ليس إلا.. وكنت أخرج من الاستوديو وروحي مثخنة بجراح لا حدود لها».

 

(1)

وتصور الفنان الكبير فى البداية أن هذا

الموقف يخصه هو، ويمس من كبريائه كفنان ومن تاريخه كنجم، ولذلك كان ضيقه شديدا وغضبه المكتوم عارما، ثم سرعان ما تبين له أنه قانون السوق وحكمه، والأمر لا يخصه شخصيا، بل هى «سُنن الحياة»، وأعراف المهنة التى عشقها، حيث للنجومية عمر ولشباك التذاكر أحكامه.. وهو ما عبّر عنه فى أوراقه عندما كتب - «كنت أشعر بالمرار الشديدة لإحساسى أن البعض يتجاهلنى فنيا، وأن الأدوار الرديئة هى التى ترسل لى فقط، ولكنى عرفت أن هذا هو حال السينما المصرية، فهى سينما نجوم، تهتم وتعتنى بالنجوم الشباب فقط، كل ما يهمها حكاية البنت الشقية والولد الجان، وعلى هذا الأساس يكتب كتاب السيناريو أعمالهم، كما أن الموزع لا يسأل عن الموهبة أو المقدرة الفنية أو القصة الجيدة، ولكنه يسأل عن البطل أو البطلة، وعلى أساس الاسم يشترى ويدفع الثمن.. لقد أخذت الأمور ببساطة وعقلانية بعدما أحسست بتغلغل عوامل الزمن وتقدم السن بداخلى.. البعض أحيانا يسألنى: أين أنت من السينما التى أعطيتها عمرك وشبابك وأحلى أيامك؟

ويكون ردى بأننى موجود، ولكنى بينى وبين نفسى أتساءل وبمنتهى الصدق والصراحة: لماذا يعاملون الفنان الكبير عندنا مثل خيل الحكومة، رغم أن السينما العالمية لا تضحى بنجومها الكبار وتحرص على تقديمهم فى أفلام تكتب لهم خصيصا.. لكن عندنا الأمور مختلفة والمعايير اختلت.. وتطاردنى الأسئلة: ماذا ستفعل بنا السينما؟.. وأى الأدوار يمكننى القيام بها الآن.. وتأتينى الإجابة من داخلى باستسلام: السن تقدم يا عزيزى، والزمن حفر إمضاءه على الوجوه، وعليك أن تقرأ الإمضاء لتعرف أن الزمن مر من هنا وانتهى الأمر».

 

لكن فعليا فإن الأمر لم ينته وما كان له أن ينتهى بسبهولة لدى رجل نصف وزنه من العناد والكبرياء.. رفض مظهر الاستسلام للأمر الواقع ولإمضاء الزمن المحفور على وجهه، وقرر أن يقاوم ويعافر ويتحدى علامات الزمن وقوانين السينما الجائرة. واتخذ التحدى عدة أشكال، أبرزها أن يواصل مسيرته الفنية بعيدا عن السينما، ووجد ضالته فى الدراما التليفزيونية،

فتحت له مسلسلات التليفزيون أبوابها وبلاطوهاتها وقررت أن تستغل خبرته وتستفيد من نجوميته على الشاشة الصغيرة.

وتجربة مظهر مع الدراما التليفزيونية لم تبدأ بعد المرحلة السينمائية ووهجها، بل واكبتها ولازمتها، وفى أوراقه يشير مظهر إلى أن أول عمل تليفزيونى شارك فى بطولته هو «رسالة السماء»، ويعود تاريخ إنتاجه إلى العام 1964، أى أنه كان فى ذروة توهجه السينمائى.. أدرك مظهر فى تلك المرحلة المبكرة من عمر الدراما التليفزيونية أن المستقبل لها، وأنها ستسحب البساط من تحت أقدام السينما، وفى أوراقه يقول: كنت أول من تنبأ بالزحف الذى قام به التليفزيون وتفوقه على السينما جماهيريا وهو ما حدث بالفعل.. وقمت فى تلك الفترة بتقديم عدة أعمال تليفزيونية بأجور مضحكة رغبة منى فى خوض التجربة فى بدايتها.. ولذلك عندما يسألونى لماذا تأخرت فى المشاركة فى بطولة المسلسلات التليفزيونية أرد بأننى حضرت بدايتها ونحن نعمل بـ«المنافلة» أى بلا مونتاج، وكنا نضطر لإعادة المشهد بالكامل -ويبلغ أحيانا نصف ساعة- إذا حدث أى خطأ.. ومن أجل «رسالة السماء» ضحيت بثلاثة أفلام كان أجرى فيها يتخطى 6 آلاف جنيه (وهو مبلغ ضخم وقتها)، لكننى فضلت عليها تجربة تليفزيونية كان أجرى فيها مضحكا».

لكنها - مسلسلاته الأولى- بقيت مجرد تجارب عابرة مثلها مثل تجاربه القليلة فى المسرح وفى المسلسلات الإذاعية، إلى أن كانت بدايته الحقيقية مع الدراما التليفزيونية فى سنوات السبعينيات، ويمكننا أن نشير إلى مسلسل «الخماسين» كعلامة مميزة لتلك البداية، وهو المسلسل الذى جمعه فى العام 1972 مع ليلى طاهر.

ويمكننا كذلك أن نشير إلى عدة حقائق أو قل ملاحظات أساسية فى تجربة مظهر التليفزيونية:

أنه كان يميل ويستمتع كثيرا بالأعمال التاريخية المكتوبة بالفصحى، حيث يجد فيها نفسه وتتجلى قدراته كممثل وكمثقف لديه إتقان خاص للغة العربية

وعارفا بأسرارها.. ولذلك تجد أن أعماله التاريخية هي صاحبة النسبة الأكبر فى تجربته التليفزيونية، ويمكننا أن نرصد علامات بينها مثل دور عبدالمطلب جد الرسول الأكرم فى مسلسل «لا إله إلا الله» (1982)، ودور أبى سفيان فى مسلسل «عمرو بن العاص» (1983)، والقائد قتيبة بن مسلم فى «نور الإسلام» (1983)، وخوارزم شاه فى مسلسل «الطريق إلى سمرقند» (1983)، وعبدالحليم بن تيمية فى مسلسل «ابن تيمية» (1985).. وكذلك الحال فى أعمال أخرى عديدة مثل: «القضاء فى الإسلام» (الجزء الرابع 1993)، و«الأزهر منارة الإسلام» (1982) و«الفارس الملثم» (1991).

أنجح مسلسلاته التليفزيونية جماهيريا هي تلك التى شاركه فيها نجوم ونجمات جيله السينمائى، وهو

ما نجده مثلا فى مسلسل «ضمير أبلة حكمت» أمام سيدة الشاشة فاتن حمامة (1991)، و«ضد التيار» الذى جمعه مع الفنانة القديرة سميرة أحمد (1997)، وكذلك «العرضحالجى» مع ملك الترسو فريد شوقى (1992)، و«مشيت طريق الأخطار» مع سهير البابلى وليلى علوى (1981)..

استراح فى نظام الأجور فى الدراما التليفزيونية ورأى أنه أكثر عدلا من السينما.. وقال فى أوراقه: الأجور فى السينما زادت من الهوة بين الفنان ونفسه، وبينه وبين جمهوره، وبينه وبين زملائه.. الأرقام أصبحت مستفزة، والنجم أبو مليون جنيه أمر لم يعرفه جيلى.. التليفزيون أكثر عدلا من السينما فى تخطيه هذه المشكلة، حيث الفرق بين الأعلى والأقل أجرا لا يقارن بتفاوته فى السينما، من مليون إلى 3 آلاف.. أنا بدأت بأجر قدره 40 جنيها فى الحلقة بمسلسل «رسالة السماء»، وكنت وقتها من أعلى 3 نجوم أجرا فى السينما، وصل أجرى الآن (أواخر الثمانينيات) إلى ألف جنيه فى الحلقة، ولا أفكر فى طلب أجر خاص لأننى أعمل فى الدراما التليفزيونية من أجل المتعة لا الارتزاق.

أكثر ما أزعجه فى الدراما التليفزيونية هو نوعية كاميرات التصوير، إذ لم تكن حساسيتها بنفس جودة كاميرات السينما التى اعتادها.. فى السينما كان كل همه واهتمامه هو توصيل الإحساس المناسب حتى لو كان الأداء همسا، أما فى الدراما التليفزيونية كان مضطرا إلى رفع «تون صوته» بأداء مسرحى زعاق لم يعتده.. لكنه بخبرته توصل إلى نوعية أداء يصل بها إحساسه وصوته معا.. لكنه لم ينجح فى إيجاد حل للمشكلة الثانية التى بدت له أكثر إزعاجا، وهى عدم الالتزام واللامبالاة بمواعيد التصوير، ثم تحويل مكان التصوير داخل البلاتوهات إلى حالة من التهريج، ويكاد يخرج عن شعوره عندما يكتب عن تلك الظاهرة فى أوراقه: «المشكلة بالنسبة للجيل الجديد أنه لا يتأخر فقط، ولكن مع التأخر توجد حالة من اللامبالاة واللااعتبار واللااحترام واللاتقدير لفنان فى سن عمه أو والده.. والمأساة

الحقيقية عندما يمثل بعضهم النجومية عليّ، وتتعالى أصواتهم بالنكات والضحكات واستخفاف الظل وكأنهم مقبلون لقضاء وقت فى نزهة وليس لأداء رسالة سامية فى ستوديو له قدسية.. للأسف هؤلاء أصبحوا أغلبية، وبعضهم كنت أتحاشى وجودى معه فى أى عمل، فكنت أسأل قبل موافقتى على أى عمل تليفزيونى: هل فلان موجود؟ فإذا كان الرد بالإيجاب أعتذر فورا حتى لو كنت فى أمل الحاجة إلى كل مليم من أجرى.. وأعتقد أن هذا أفضل من أن أجد نفسى فى مكان لا أرضاه، ومع شوية عيال لا أخلاق عندهم ولا ذوق.. لكنى أؤكد أنه من الخطأ التعميم، فليس الجيل الجديد بهذه الصورة، فقد عملت مع الفخرانى وأحمد زكى وخالد زكى ومحمود مسعود وغيرهم.. وأشهد أنهم على خلق وأدب و«متربيين»».

وفى أوراق مظهر إشارة واضحة إلى الفنان حسن حسنى، حيث اعتاد على إشاعة جو من المرح والصخب فى البلاتوه، وأبدى مظهر مرة انزعاجه من تلك الحالة وطالبه بالتزام الهدوء، وجاءه حسن حسنى بعدها يسأله بمرح: «يعنى لو سمعت اسمى يا أستاذ فى عمل هتوافق ولا هترفض تشتغل معايا؟»، فأجابه بجدية شديدة: «هرفض طبعا!».

 (2)

ولا بد أن نتوقف هنا لنشير إلى أن علاقة أحمد مظهر لم تنقطع بالسينما، رغم ضيقه من أوضاعها وغضبه من قلة تقديرها لتاريخه، فقد ظل حبل الود موصولا ولو على استحياء حتى عام 1995، والذي شهد آخر أدوراه السينمائية فى فيلم «عتبة الستات» مع نبيلة عبيد وفاروق الفيشاوى ومن إخراج على عبدالخالق.

المدهش أن عامه الأخير مع السينما شهد أكبر تكريم له عن مسيرته فيها، وكأنما أرادت السينما أن تصالح نجمها وفارسها، فاختاره مهرجان القاهرة السينمائى الدولى ليكون فى صدارة المكرمين بدورته رقم 19 تقديرا لرحلة عطاء فنى دامت 44 سنة، منذ فيلمه الأول «ظهور الإسلام» عام 1951.. وصحيح أن مظهر حصل خلال تلك الرحلة على عدد وافر من التكريمان والجائز والأوسمة، بينها وسام العلوم والفنون من الرئيس عبدالناصر، وجوائز التمثيل عن أفلامه «دعاء الكروان» و«الليلة الأخيرة» و«الزوجة العذراء»، لكن تكريم مهرجان القاهرة كان هو الجائزة الكبرى عن مشواره السينمائى إليك النص الكامل المستخرج من الصور الثلاث الجديدة بالتتابع والترتيب التام، ليكون مكملًا للجزء السابق:

وتتويجا له، والأهم أنه كان بمثابة رد اعتبار عن سنوات التجاهل ونكران الجميل التى عاشها وعانى منها منذ حقبة الثمانينيات.. وكم كان مؤلما على نفسه وعلى نفوس عشاقه عندما خرج يوما ليعلن فى أسى: «يبدو أن منتجى السينما يرفضون إسناد أى دور لى خوفا من أن أموت فجأة فأفسد لهم العمل».

ومع التكريم نسى مظهر ما ارتكبته السينما فى حقه، ولم يخف فرحته بهذا التكريم ووصفه بأنه «انتعاشة روحية جاءت فى وقتها وردت الاعتبار لاسمه وتاريخه».. ثم عاد المهرجان بعد خمس سنوات ليکرمه ضمن احتفاله بنجوم الرومانسية فى السينما المصرية فى دورة العام 2000، أى قبل رحيله بعامين، وكان سعيدا عندما وجد نفسه بين الوجوه التى أحبها وشاركته أجمل أيامه وأفلامه، وخاصة مريم فخر الدين ولبنى عبدالعزيز ومديحة يسرى..

ويوم التكريم كانت ظروفه الصحية متدهورة ولا تكاد تحمله قدماه، ولم يكن أمامه سوى أن يدخل إلى خشبة المسرح وهو يجلس على كرسى طبى متحرك، لكن مريم فخر الدين رفضت وأصرت على أن يرى الجمهور فارس السينما وهو واقف على قدميه فى شموخ.. لنسمع من مريم ما حدث بالتفصيل: «يومها طلب منى مظهر أن ندخل سويا لتسلم التكريم، ليس فقط بحكم العلاقة الإنسانية ولكن قبلها بحكم العلاقة السينمائية الطويلة، التى بدأت مع أول أفلامنا معا «رد قلبي»، وعرفنى الناس بدور الأميرة إنجى ولعب هو دور شقيقى «البرنس علاء».. قال لى مظهر بعشم: ندخل سوا وأنت اللى «هتزقينى» وأنا قاعد على الكرسى.. قلت له: ده لا يمكن يحصل أبدا.. أنت صلاح الدين القائد العظيم.. أنت فارس السينما وينبغى أن تظل على هذه الصورة.. الفارس لا ينحنى ولا يضعف.. سندخل معا إيدى فى إيدك.. وفبلا دخلنا معا حتى يستند عليّ ويدخل واقفا شامخا.. واستقبله الجمهور بما يستحق من حب وتدقدير

وبما يليق بفارس نبيل.. لا أنسى أبدا يوم جاء عبدالناصر لتحية أبطال «رد قلبي» فسلم علينا جميعا بطريقة عادية ثم أدى التحية العسكرية لمظهر رفيق السلاح ودفعته فى الكلية الحربية».

وظل مظهر ممتنا لمريم بعدها، لأنها بهذا الموقف -وإصرارها على أن يقابل جمهوره واقفا على قدميه ومحتفظا بكبريائه وشموخه- حافظت على صورته المحفورة فى أذهان الناس ووجدانهم، خاصة وأنه كان الظهور الأخير له أمام جمهوره، وكأنه جاء ليلقى عليهم تحية ونظرة الوداع.

 (3)

خذلته صحته فى سنواته الأخيرة وتكالت عليه الأمراض ولكن ذهنه بقى حاضرا متوقدا.. وعاش فى تلك الفترة إحساسا عميقا بالوحدة، بعد أن رحل أصدقاء العمر واحدا وراء الآخر، فضلا عن انشغال أولاده بحياتهم، تزوجوا وأصبح كل واحد فيهم مسئولا عن أولاد وبيت، ولم تعد صحته تسمح له بقبول ما يعرض عليه من أدوار، فكانت القراءة ومشاهدة التليفزيون هما سلواه فى مقاومة هذه الوحدة.. وفى أوراقه كتب - «جذبتنى فى تلك المرحلة قراءات متعمقة فى علم النفس، وأنا طول عمري مهتم بكتب علم النفس وأعتبر نفسي «فرويدي» النزعة، أى ميالا إلى نظريات وأفكار

عالم النفس الشهير سيجموند فرويد، كما جذبتنى القراءات فى نظريات علم النفس الجديدة وخاصة فيما يتعلق بأساليبها المبتكرة فى العلاج النفسى، وكنت أستخدمها وأطبقها على نفسى، فأمارس عملية «التفريغ» وأتكلم مع نفسى وأدون ما أقوله.. فالكتابة علاج مفيد، والفضفضة لصديق كذلك.. وبجانب القراءة المتعمقة أتابع الصحف.. ومسلسلات وبرامج التليفزيون».

وفى أعوامه الثلاثة الأخيرة انتقل ليعيش فى «البراجيل» (على أطراف الجيزة)، بعد أن بنى ابنه المهندس شهاب بيتا واسعا فى قطعة الأرض التى اشتراها، وكان مظهر يحلم بأن يقيم بها اصطبلا للخيول، عشقه الكبير، ومزرعة لتربية الأرانب هوايته المفضلة.. وعكف مظهر خلال تلك الفترة على كتابة سيناريو فيلم عن «الناصر بن قلاوون»، تلك الشخصية التاريخية التى وقع فى غرامها، وقرأ من أجلها عشرات الكتب عن الفترة المملوكية، حتى يوثق تاريخ وشخصية هذا المملوك الذى حكم مصر منذ أن كان طفلا فى التاسعة من عمره ولثلاث مرات منفصلة، ويوثق كذلك ملابس وديكورات وتفاصيل الحياة اليومية لتلك الفترة، ورشح محمود حميدة لبطولته، وتوفيق صالح لإخراجه.. لكن حلمه الأخير لم ير النور.

تلخصت كل أحلامه وقتها فى أن يعيش ما تبقى له من العمر وسط هذا الهدوء، متمتعا بدفء الأسرة وجمال الطبيعة ومنظر الخيول، تراوده مشروعات إنسانية، بينها أن يتبنى طفلة من يتامى البوسنة والهرسك، تعاطفا مع تلك المأساة الإنسانية، وأن يعيد أم أولاده -السيدة دولت- إلى عصمته بعد سنوات طويلة من الانفصال، امتنانا وتقديرا وعرفانا لها على عدم تخليها عنه فى محنة مرضه واعتلال صحته، ومداومتها على زيارته ورعايته والاطمئنان عليه.. تكفيه المسرات الصغيرة كأن يرى أحفاده -أولاد شهاب- وهم يركبون الخيل ببراعة وكأنهم يذكرونه بصباه وشبابه.. وكان يأتيه أقرب أصدقاء العمر مثل نادية لطفى وكوثر شفيق ويحيى الرخاوى وتوفيق صالح ليستعيد معهم أجمل ذكرياته وسنواته..

وكان الحياة قد استكثرت عليه هذه الأحلام البسيطة والمسرات الصغيرة والنهاية الهادئة، فجاءت عاصفة غير متوقعة قلبت حياته، لتنتهى نهاية تراجيدية لم تخطر على باله.. فإلى الحلقة الأخيرة!

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فارس السينما الأكبر (19) فاطمة مظهر أخته الوحيدة تكشف أسرار «أبيه أحمد
مظهر
بلبل
ظل أحمد مظهر هو نجم شلة «الحرافيش» منذ تأسيسها في منتصف الأربعينات ونظ
فارس السينما الأكبر (15) غلطة «المنضبط» بألف
لبسبب «القضية 68» أحمد مظهر يشتكى ميرفت أمين فى مؤسسة السينما ويقاضيها
فارس السينما الأكبر (12) أخطر مغامرة فنية فى مشوار فارس السينما أحمد م
فارس السينما الأكبر (11) 10 أفلام مع «بولا» و8 مع «السندريلا»

المزيد من فن

صورة الأب فى السينما العالمية

16 فيلماً حولت الأبناء لاختبارٍ عن معنى الحب والبطولة والندم

فوق مستوى الشبهات.. هانى خليفة يفضح أكاذيب رحمة حليم

هانى خليفة مخرج وكاتب ومثقف ومخرج سينمائى تربى فى مدرسة الواقعية التى من رموزها داود عبدالسيـد ورضـوان الكاشف وخيرى بشـارة،...

لماذا اختفت أعمال لينين الرملى ورموز الكتابة من خشبات المسارح؟

قرأ لينين الرملى فى أعماله الأولى أحداث المجتمع المصري وحاول أن يطرح أسئلة اللحظة الراهنة من خلال أسلوب كوميدى فى...

فارس السينما الأكبر (20) الأميرة إنجى تنقذ صورة الناصر صلاح الدين

مريم فخر الدين ترفض تكريم مظهر على كرسى متحرك فى مهرجان القاهرة قال لها: «زقينى يا مريم » فأصرت أن...