شمس الدين الحجاجى حكواتي وصاحب فرقة مسرحية

عرفتُ شمس الدين الحجاجى (1935 - 2024) خارج الكتب، وبعيداً عن قاعة الدرس، شاهدته للمرة الأولى على خشبة المسرح رئيساً لفرقة «الصعايدة»، يحكى ويؤدى،

 وإلى جواره رواة السيرة، يشرح بلهجته الصعيدية الظواهر المسرحية التى تكمن داخل السيرة الهلالية، يستعيد نظرية توفيق الحكيم التى وضعها فى كتابه «قالبنا المسرحى» ومغزاها: هل يمكن أن نخرج عن نطاق القالب العالمى، وأن نستحدث لنا قالباً وشكلاً مسرحياً مُسْتَمَدّاً من داخل أرضنا وباطن تراثنا؟ واقترح العودة إلى مرحلة ما قبل السامر، ما قبل التمثيل والتشخيص، أى إلى مرحلة الحكواتية والمدّاحين والمقلّدين، مُسْتَلْهِماً حكواتى السير والملاحم، الذى يقلد أبطال السيرة ويُجسِّد مشاعرهم، كل ذلك من غير ديكور أو ملابس ولا خشبة مسرح تقليدية، دون تمثيل، شرط أن يكون هذا القالب صالحاً لأن تُصَبَّ فيه كل المسرحيات.

بعد ما يقرب من ثلاثين عاماً من طرح الحكيم لهذه النظرية، التقيت أستاذ الأدب والنقد المسرحى فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب، بدون ملابسه الرسمية، وكان ذلك منتصف التسعينيات فى فضاء المسرح المكشوف فى دار الأوبرا المصرية، حيث يُقدِّم رواة السيرة فى ليالى رمضان، فى سياق التقليد الذى يحافظ عليه المصريون كل عام، وفى كل ليلة يقف مع أعضاء الفرقة التى أطلق عليها «الصعايدة»، ويثير مشكلة مسرح السيرة الهلالية، مصمماً على أن الراوى بوقفته أمام الجمهور وحكايته للأحداث يخلق مسرحاً، مُبَرِّراً هذا بأن الفن المسرحى الشعبى يختلف عن المسرح الغربى، لأن المسرح الشعبى مرتبط بالجمهور وبتلقائية الراوى فى سرد النص، يُزِيد ويُنْقِص من الرواية ويرتجل حسب الموقف. فهذا النص غير مكتوب، والجماعة المتفرجة تساهم فى إبقاء هذا النص، حيث لا يوجد حاجز رابع، فالستارة مستعارة من المسرح الغربي!

كان يصرخ ويحتد ويشيح بيديه هنا وهناك، ويقول: السيرة مرتبطة بالرواية، لأن الحكاية والسيرة فن الأميين والقرويين، والرواية فن المدينة، والدليل على ارتباط الفن الشعبى بالرواية أننا لدينا روائى عالمى، وكان يقصد «نجيب محفوظ»، وليس لدينا كاتب مسرحى عالمي! ثم يُقدِّم أعضاء الفرقة التى كوّنها من مجموعة متباينة الأعمار من رواة السيرة، حيث يقوم الراوى بسرد أحداث السيرة مقلداً الأبطال وأفعالهم، أى يحاول أن يصبّ الحدث فى القالب الذى اقترحه توفيق الحكيم، قالبنا المسرحى النابع من أرضنا وتراثنا الشعبى.

وفى تلك الأيام كان يحكى عن المشاكل التى واجهها عام 1979، وهو يؤسس الفرقة، وانعكس هذا على تكوينها، كما أخبرنى، حيث ضمت الفرقة جيلين من الرواة، جيل ثورة 1919 الذين تجاوزت أعمارهم ثمانين عاماً، وأصبح مهدداً بالانقراض، ومن ثم كان لا بد من البحث عن جيل من الشباب يحفظ السيرة ويكمل المسيرة، وهو ما أسماه جيل 1952. ولكل منهما طابع وطريقة مميزة فى الأداء، فالجيل الأول كان يؤدى السيرة بأسلوب غير معروف، أوشك على الانقراض، ومنهم «عوض عبدالجليل»، الذى كان على مشارف التسعين، عجوز من رواة السيرة القدماء، يروى ويؤدى بالتصفيق بدلاً من الربابة، وأضاف الطار أداة من أدوات الحكى فيما بعد، والذى ظهر معه فى تلك الليالى، وغالباً ما كان يُلقى بالطار على الأرض وهو فى غمرة النشوة، ويعود إلى التصفيق بيديه وهو يغنى ويؤدى، لأنه اعتاد على هذا الإيقاع الذى تخلقه أصابعه! ومن الجيل الثانى «عنتر رضوان»، والذى كان يعزف على الربابة، إلا أنه كان يؤدى السيرة معتمداً على الارتجال والتغيير والتبديل فى أحداث السيرة، وما زلت أذكر تلك الأصوات التى كانت قوية كالبركان، أصوات هى مزيج من الطمى والرمل، وكيف كان الجمهور يتفاعل معها، فلم يكن الغرض من تقديمها فقط رواية السيرة، بل جاء الحجاجى ليثير المشكلة التى طُرِحَتْ فى نهاية الخمسينيات من القرن الماضى حول ماهية المسرح المصري/ العربى، هل يجب أن نتبع المسرح الغربى، أى هذا القالب التقليدى، أم يجب أن نبحث فى تراثنا عن شكل مسرحى عربى؟

بعد هذه الحادثة المثيرة التى شاهدت فيها د.الحجاجى على خشبة المسرح يشرح ويُقلِّد ويقوم بدور الحكواتى، مشاركاً رواة السيرة الهلالية فى مشاهد مثيرة، ولا تخلو من المخاطرة، لتقديم قالب مسرحى عربى للجمهور، رحتُ أبحث عن دوافعه وكيف بدأ هذا الطريق الشائك من خلال كتبه، أى حاولتُ أن أتعرّف عليه فى ملابسه الرسمية التى يظهر بها دائماً، أى الأستاذ الأكاديمى والباحث فى التراث الشعبى وأستاذ النقد المسرحى. وكانت البداية من أولى أبحاثه التى أثارت جدلاً كبيراً تحت عنوان «العرب وفن المسرح»، القضية التى شغلت د.شمس الدين الحجاجى، خاصة وهو يعمل على كتابة «النقد المسرحى فى مصر 1876 - 1923»، والذى أنجزه عام 1965 من خلال أطروحة الماجستير، حيث كشفت له هذه الدراسة أن معظم النقاد الذين كتبوا عن المسرح فى تلك الحقبة كانوا لا يعرفون حِرَفِيَّتَه ولا أصوله الفنية كما عرفها نقاد الغرب، وفى كوريا عام 1968، حين ذهب للتدريس فى الجامعة وعايش معتقداتهم وأساطيرهم، اكتشف أن أسطورة الجماعة هى التى تُشكِّل الشعيرة التى يمكن أن تكون بداية التمثيل وبداية المسرح، والشعيرة هى المجسدة لإعادة قصة الإله المرتبط بإله الخصب المقتول الذى يعود للحياة، وتتحول الشعيرة إلى الأسطورية التمثيلية فى ظل الحركة وحركة المجتمع نحوها إلى مسرح بناء على حاجة الجماعة.

وهنا راح يصرخ: وجدتها، كما فعل أرشميدس من قبل: وجدتها! لقد عرف إجابة السؤال: لماذا لم يوجد فن المسرح عند العرب؟ ويضع الإجابة: «إن مفتاح الحل هو الأسطورة، فلكل أسطورة عالمها الخاص، وواقعها الذى يتولَّد من المكان والزمان ويرتبط بهما، ومن ثم فهو يُولِّد عالماً من الفن وعالماً من الخلق». وفى هذا الكتاب، الذى قسَّمه إلى أربعة فصول وخاتمة: «المسرح والعصر الجاهلي - العصور الإسلامية والمسرح - عصر السيرة والمسرح - العصر الحديث والمسرح»، يتتبع فيه طبيعة الواقع العربى قبل الإسلام، وكيف افتقد أهم شروط نمو المسرح نمواً ذاتياً حين افتقد وجود شعيرة يمارسها العرب ممارسة حية، بالإضافة إلى طبيعة المجتمع الرعوي/ الصحراوى، الذى لم تكن طبيعته تسمح بقيام عقيدة تقوم على فكرة إله الخصب كما حدث فى المجتمعات الأخرى.

وهو يؤكد فى هذا البحث أن حاجة المجتمع لفن ما من أسباب ظهوره: «تكامل فن الشعر الغنائى فى أوائل العصر الجأهلى، وظهرت القصة فى أخرياته من حاجة المجتمع إليها، ولم تنبعث السيرة الفنية أو الملحمة أو المسرح فى ذلك العصر، لأن الحاجة إليها لم تكن قد وُجدت». ويخلص فى النهاية إلى أن ظروف المجتمع العربى لم تكن ملائمة لظهور فن المسرح، وحين تهيأت الظروف فى العصر الحديث وظهرت حاجة المجتمع إليه كأداة من أدوات الديمقراطية ظهر المسرح، ويجزم: «وأثناء استقصائى لم أجد فى عصر من عصور المجتمع العربى أن الحاجة قد ظهرت إلا فى العصر الحديث».

وإلى جانب مناقشة قضية عدم وجود فن المسرح عند العرب، دافع فى هذا البحث عن التهم التى وُجِّهَتْ للعرب عند الحديث عن فن المسرح، ووصفها بأنها تحمل من العسف أكثر مما تحمل من الصدق، فالخلق الفنى فى الأدب العربى لم يكن ناقص التكوين كما وصفوه، والدليل نمو فنون أخرى تثبت تكامل الأدب العربى، مثل الشعر الغنائى وفن القص. وبالطبع كانت هناك آراء أخرى حول هذه القضية، بعضها انحاز لوجود فن المسرح عند العرب فى الجاهلية والإسلام والعصور التالية، مثل محمد كمال الدين فى كتاب «العرب والمسرح»، الذى اعتبر كل شىء عند العرب، الشعر والمقامات والكتابات النثرية، مسرحاً! وهذا عكس ما قدمه د.شمس الدين، بالإضافة إلى أبحاث اعتمدت على ما خفى من حكايات وظواهر مسرحية فى التراث العربى، فى محاولة لدراسة فن التمثيل عند العرب من خلال هذه الظواهر، ولماذا لم يتطور حتى يغدو مسرحاً، وهذه هى الأطروحة الأهم فى هذا المجال، والتى قدمها د.محمد حسين الأعرجى عام 1987 من خلال كتابه «فن التمثيل عند العرب».

المسرح فى حياة د.شمس الدين الحجاجى هو العنوان الرئيس لمسيرته العلمية، رغم تشعبها بعد ذلك فى اتجاهات عديدة، إلا أن بدايته بتاريخ النقد المسرحى فى مطلع حياته من خلال رسالة الماجستير، ثم أطروحة الدكتوراه عام 1973 «الأسطورة فى المسرح المعاصر»، والذى ناقش من خلالها النصوص المسرحية المصرية التى اعتمدت على أساطير نابعة من حضارات متعددة عند مجموعة من الكتاب، حيث تناول أربع عشرة مسرحية لسبعة من الكتاب المصريين بالدراسة والتحليل، اعتمدت أعمالهم على الأسطورة، منها «أهل الكهف - بيجماليون - سليمان الحكيم - إيزيس - الملك أوديب» لتوفيق الحكيم، وأربع مسرحيات لعلى أحمد باكثير: «مأساة أوديب - أوزيرس - هاروت وماروت - فاوست الجديد»، وصولاً إلى مسرحية «أنت اللى قتلت الوحش» لعلى سالم، ومروراً بنصوص لمحمود تيمور، ومحمد فريد أبوحديد، وفتحى رضوان.

ليُقدِّم بعد ذلك «العرب وفن المسرح - المسرحية الشعرية - مدخل إلى المسرح العربى»، إلا أنه قرَّر من خلال علاقته الوطيدة بالسيرة الهلالية أن ينقل أفكاره وأطروحاته حول فن المسرح من الكتب إلى فضاء المسرح، وأن يبعث هذه الأفكار لتصبح شخصيات من دم ولحم، ويكون هو صاحب فرقة، حتى وإن لم تستمر طويلاً، ليُقدِّم تطبيقاً عملياً يُضاف إلى التجارب التى حاولت البحث عن مسرح عربى من خلال التجربة العملية، كما فعل توفيق الحكيم من خلال مجموعة من النصوص، منها مسرحية «الصفقة»، ويوسف إدريس من خلال مسرحية «الفرافير» على سبيل المثال.

لكن د.الحجاجى تجاوز الجميع، ليس فقط من خلال تأسيس فرقة لرواية السيرة، بل إنه كان يشارك معهم كل ليلة فى التقديم وشرح الفكرة لجمهور الحضور، فكان الأستاذ الأكاديمى يخلع كل ليلة ملابسه الرسمية، ملابس الناقد والباحث، ويرتدى ثوب الحكواتى فى محاولة للبحث عن مسرح عربى من خلال السيرة الهلالية.

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فهمى عمر
يس

المزيد من فن

بسمة بوسيل تودع «بيج رامى» الشهر المقبل

تواصل الفنانة والمطربة بسمة بوسيل تصوير مشاهدها فى فيلم «بيج رامى»، مع الفنان رامز جلال، والمقرر أن يُعرض فى موسم...

هيفاء وهبى تختار أغنية مصرية جديدة

اختارت الديفا اللبنانية هيفاء وهبى أغنية مصرية جديدة لألبومها الذى تعمل عليه الآن.

فارس السينما الأكبر (7) درس «العتبة الخضرا» الذى تعلمه «الباشمهندس»

إسماعيل ياسين سبب نجاح أحمـد مظهر المدوى فى «دعاء الكروان» عندما قال «العميد» لفاتن حمامة: وأنتِ يا شاطرة هتفهمى دور...

محمد عبدالوهاب.. أخى جاوز الظالمون المدى فحقَّ الجهــاد وحقَّ الفِدا

منح الرئيس السادات الفنان محمد عبدالوهاب رتبة اللواء الشرفية، وطلب منه تعديل لحن «بلادى بلادى» ليناسب مرحلة السلام بين الحكومة...