يقول المصريون «الدنيا ماتديش محتاج» ويقولون قولاً منسوباً للشاعر الشعبى ـ ابن عروس ـ الذى عاش فى العصر المملوكى «دنيا غرورة وعاقصة..
بتدّى كل زول رقصة» وهذا ما عاشه الفنان الكبير الراحل إسماعيل ياسين فقد جاء إلى الدنيا فى ظروف سعيدة، كان والده تاجر مصوغات ذهبية، ودارت الأيام دورتها القاسية فخسر الوالد أمواله، وكان على إسماعيل الخروج إلى الشارع ليعمل ويلتقط رزقه أو كما يقول المصريون «يلقَّط رزقه» والتلقيط دلالة على صعوبة الحصول على الرزق، وكانت الصعوبة فى حياة إسماعيل ياسين إسماعيل على نخلة مع وفاة والدته وقسوة زوجة الوالد التى أجبرته على الهروب من البيت والعمل فى مهنة «منادى تجارى» وهى مهنة تفرض على من يعمل فيها الوقوف أمام «الدكان» والمناداة بالبضاعة بهدف جذب الزبائن ودعوتهم للشراء، ومن هذه المهنة الصعبة انطلق الفنان الذى كان يهوى الغناء والموسيقى فسافر إلى القاهرة وعمل فى مقهى فى شارع محمد على وهو يومئذ شارع الفن، فيه الراقصات والعوالم وفيه الموسيقيون وصانعو الآلات الموسيقية، ولم يحقق الفنان الصغير حلمه الذى جاء من أجله من «السويس» وذاق مرارة الدنيا، ثم ابتسمت له الأيام وأصبح فنان المونولوج الأول فى مصر، وسافر إلى لبنان وسوريا، وعاد من هذه الرحلات ليعمل فى «كازينو بديعة» الذى أصبح ـ مسرح بديعة مصابنى الغنائى ـ وهى راقصة من لبنان تزوجها نجيب الريحانى وكانت صاحبة مدرسة تخرج فيها فنانون منهم فريد الأطرش ومحمد فوزى وتحية كاريوكا وغيرهم، وكانت سنوات ازدهار الفنان إسماعيل ياسين هى سنوات الأربعينيات من القرن العشرين التى شهدت فيها القاهرة معارك الحلفاء والمحور وعرفت ازدهار صناعة السينما، ومع ثورة يوليو قدم إسماعيل ياسين مجموعة أفلام حملت اسمه، ومن ضمنها أفلام داعمة للثورة وداعية الشباب للحاق بالجيش الوطنى، وثورة يوليو فى بداياتها كانت مهتمة بتقوية الجيش وكان من أهدافها «إقامة جيش وطنى قوى» ولم يدم الحال للفنان الكبير، تبدلت الظروف مع التغير الذى لحق بالمجتمع والأفكار الجديدة التى جعلت ذائقة الجمهور لا تقبل كوميديا الأربعينيات التى قدمها إسماعيل ياسين بدعم من رفيق رحلته الفنية «أبو السعود الإبيارى» وبلغ رصيد الفنان الوطنى المحبوب من الجماهير، عشرات المسرحيات ومئات الأفلام والمونولوجات، ومسلسل «أبو ضحكة جنان» يذاع فى هذه الأيام على قناة النيل «دراما» وهو من تأليف أحمد الإبيارى، وبطولة أشرف عبد الباقى ويستحق أن يشاهده من لم تسبق له مشاهدته فهو يقدم تاريخ الفن المصرى ويقدم قصة كفاح فنان أضحك الناس وأبكته الدنيا القاسية ومات حزيناَ.
توفيق الحكيم صاحب يوميات نائب فى الأرياف وعــودة الروح
توفيق الحكيم لم يصل إلى الجيل الجديد بالصورة التى تليق بالدور الإبداعى له، هو صاحب الريادة فى السرد الحديث، كتب الرواية وكتب المسرحية متأثراً بالغرب، لأنه قضى سنوات من شبابه فى فرنسا وكان الهدف ـ العائلى ـ من اغترابه أن يرتفع علمياً وكانت الرفعة العلمية فى ذلك الزمان كامنة فى السفر إلى فرنسا وبريطانيا والحصول على درجة الدكتوراه فى القانون أو الطب، لكنه لم يحصل على دكتوراه فى القانون رغم أنه متخرج فى كلية الحقوق، وكان والده من رجال القضاء فى مصر، ولكن سنوات باريس منحت «الحكيم» ثقافة فنية وإبداعية كبيرة، فكتب المسرحيات واشتهر بها، ثم كتب رواية «عودة الروح» التى تفوقت على «زينب» التى كتبها دكتور محمد حسين هيكل، لأن عودة الروح فيها شخصيات مكتملة الأركان، وفيها قضية وطنية عميقة المضمون، هى قضية الثورة على الاحتلال البريطانى الذى كان يخنق الشعب ويقتل أحلامه ويشعره بالغربة فوق تراب وطنه، وفى عودة الروح لغة رشيقة متخلصة من الثرثرة والمحسنات البديعية ومظاهر البلاغة القديمة، ورواية «يوميات نائب فى الأرياف» أخرجها للسينما المخرج الرائد توفيق صالح ومن خلال الرواية والفيلم يستطيع القارئ والمشاهد رؤية النظام السياسى والقضائى الذى كان سائداً فى سنوات الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، وفى الرواية أيضاً تفاصيل كاشفة ودالة على البؤس الذى عاشه الفلاح المصرى فى تلك الحقبة الظالمة، التى يتباكى عليها المضللون من الناس ويعتبرونها الفردوس المفقود أو الذى فقدناه على أيدى ثورة يوليو 1952 وهذه الرواية تقدم الفساد الإدارى فى البوليس والقضاء، وانعكاسه على حيوات الفلاحين الذين لا يملكون غير الخضوع والسكوت، والكاتب الكبير نجيب محفوظ كان يعرف قدر «الحكيم» ويعتبره أستاذاً له مع دكتور طه حسين، وعلى الرغم من ريادة طه حسين فى السيرة الذاتية والرواية إلا أن ريادة توفيق الحكيم واضحة وقوية ولها أثارها على الرواية والمسرحية المصرية، وقد رحل عن الدنيا فى يوم ـ 26 يوليو1987 بعد أن حقق حضوراً كبيراً فى المشهد الثقافى المصرى ومازالت أعماله مقروءة ومازالت محل إعجاب القراء فى مصر والدول العربية الشقيقة.
وداعاً زياد عاصى الرحبانى..
فنان المقاومة العربية
قلوب الشعوب تتجاوز الحدود الجغرافية، وتتواصل مع الفنانين الصادقين، وقد كان الفنان المصرى ـ فى زمن مضى ـ محل تقدير الشعوب العربية، فى بلاد الشام بحكم الجوار وحكم درجة التحضر، ثم العراق وبلاد المغرب العربى، وكانت أم كلثوم هى الرمز العربى فى الغناء الأصيل منذ الثلاثينيات حتى السبعينيات من القرن العشرين، وكانت «فيروز» صورة أخرى لمطربة المقاومة العربية فى ظل محاولات استعمارية غربية لتقسيم الوطن العربى وفى ظل محاولات أمريكية لمنح إسرائيل السلطة والسيطرة والهيمنة على الشرق الأوسط، وكانت تجربة الرحبانية مع محمد عبد الوهاب محاولة فنية لتيار القومية العربية تهدف إلى توحيد الوجدان العربى حول قضية الحرية وتحرير الأرض من الاحتلال الغربى الصهيونى، وكان زياد رحبانى امتداداً لهذه التجربة فى زمن صعب، زمن الحرب الأهلية اللبنانية التى دامت خمسة عشر عاماً، وكان عنوانها «القضية الفلسطينية» فالاستعمار الغربــــى لا يريــــد للمقاومـــة الفلسطينية القوة التى تسمح لها بمهاجمة إسرائيل من أرض لبنان، والفلسطينيون يعيشون فى لبنان، ولبنان منذ ظهوره فى أربعينيات القرن العشرين، ظهر وفق صيغة طائفية، وهذه الطائفية هى التى سهلت اندلاع الحرب الأهلية، وفى أتون الحرب وُلد زياد رحبانى ولحن لأمه فيروز العظيمة أغنية «سألونى الناس عنك ياحبيبى لأول مرة ما بنكون سوا..» وتوالت أمجاد الابن الفنان الوارث جينات الفن من أبيه وأمه، ليصبح فنان المقاومة العربية والتصدِّى لكل من يرون فى إسرائيل واحةً للديمقراطية، واستطاع أن يجعل من الغناء والموسيقى صوتاً للناس، خرج من حالة الرومانسية وترك البرج العاجى وجعل الغناء فى الشارع والحارة، معبراً عن الهموم اليومية للمواطن العربى، فأحبه الناس ومنحوه المكانة التى تليق بموهبته وموقفه الإنسانى العروبى المقاوم لكل من يريدون القضاء على العروبة ومحو الشعب الفلسطينى من الوجود، عاش «زياد» ومات جسده، وأمه فيروز الفنانة الكبيرة مازالت صامدة رغم قسوة اللحظة ومرارتها، لحظة موت الابن لحظة عنيفة وقاسية، وفيروز القوية الصامدة قادرة على اجتياز المحنة والانتصار على الألم والفراق، وزياد ولدها باقٍ فى قلوب العرب وقد أصبح هو الرمز للفن المقاوم الذى يدافع عن الوطن والإنسان فى مواجهة أعداء الإنسانية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...