صنع 9 أفلام فى 58 سنة دخل بها تاريخ السينما وضميرها داود تغريدة البجعة الأخيرة: المناخ غير صالح لصناعة سينما حقيقية.. يصلح أكثر لتربية الدواجن!
برحيل داود عبد السيد يرحل معه زمن بأكمله.. ونودع فيه ومعه جيل الأحلام الكبيرة والطموحات النبيلة والرؤى العميقة والسينما الجميلة. إن حالة الحزن التي انفجرت وتفجرت في كتابات وكلمات الرثاء جاءت في أغلبها من هذا الجيل الذي رأى في أفلام داود صورته وصوته وأحلامه ارتبط بها وشكلت وجدانه وباتت جزءا أصيلا من تاريخه وأيامه وذكرياته...
(1)
إنه قطعة من قلب الوطن بتعبير د. كمال مغيث وفصل كامل من فصول السينما المصرية بتعبير أمير العمري قصيدتنا السينمائية الشجية بوصف أحمد عز العرب، وسارق لحظات الفرح وموزعها علينا بتعبير زين العابدين فؤاد المبدع الذي أضحكنا وأبكانا على حالنا بكلمات أشرف الصباغ... لذلك كان هذا الشعور بالفقد القومى والخسارة الشخصية فى قلوب محبيه وعارفيه، أو بصياغة محمود عبد الشكور فقد كبير وفادح ومؤلم ... وهو ما عبر عنه رفيق مشواره خيري بشارة عندما كتب ينعيه أو قل ينعى نفسه بكلماته التي خلعت قلوبنا صديق العمر.. غادرتنا وتركتني وحيدا.
إن جزءا أساسيا من هذا الحزن العميم مرجعه إلى رغبة دفينة فى التطهر من الشعور بالذنب تجاه داود، والعجز الصامت والخذلان الذي تعرض له في نهايات العمر، جلس الجميع يتفرج عليه وهو ينزوى ويعتزل مضطرا ويبتعد عن عشقه الأول السينما، فلا يجد منتجا يتحمس الأفلامه ويطرق بابه ليأخذ بيده إلى البلاتوه.. المكان الذي يليق به وبقيمته وإبداعه.
لقد قتلنا داود عبد السيد ومشينا نبكي في جنازته.. إنها الحقيقة التي نخجل منها ونحاول أن ندفنها معه.. وربما كان السيناريست محمد رفيع الأكثر جرأة وهو يتهم الجميع بتلك الجريمة عندما كتب تحت هذا العنوان الصادم "دماء على يد المعزين" يقول:
منذ فترة قررت عدم حضور عزاء الأدباء والفنانين، لأننى ما عدت احتمل أن أرى دماء المتوفى على يد المعزين فأجد نفسي والقرآن الحق يصدح أقول في سری: مش ده اللى منع المنحة عن المرحوم أو الإنتاج أو النشر.. مش ده اللي كان بيطلع الشائعات على المتوفى طول حياته والشائعات عندنا يا قبض فلوس یا نسوان وفى حالات مرشد.. مش ده اللى وقف قصاده في الانتخابات...
مش ده اللى مرضيش يكرمه في المهرجان الفلاني وقال نكرم اسم المتوفى حزلقوم الحقيقة أنا مش عايز أعيش في هذا العالم القبيح، أريد أن أعيش في عالم يأتى القتلة فيه حاملين أكفانهم ويطلبون الغفران من أهل الميت، فالقتل ليس فقط بالرصاص والسم وإنما بالكلمة والمنع والشائعة، لكني لن أتوقف عن صنع سرادق لهم في قلبي أهنئهم فيه بالنجاة من ثعابين الكلمة وعقارب الشائعات ومسدس المنع وحفاري القبور الذين لا يكتبون عن نجم إلا إذا مات.. تماما كالحانوتي الذي يراك طوال الحياة تمشى ولا يسلم عليك وحين تموت يقرأ عليك السلام.. مع السلامة يا داود".
إنها الحقيقة التي نهرب منها ونحن نودع الباحث عن الحقيقة في السينما المصرية...
صحيح أن الأعمار بيد الله ولكل أجل كتاب، وهى حقيقة الوجود المطلقة، لكن الراجح والغالب .
بالشواهد والأدلة - أن داود عبد السيد مات كمدا بعد أن خذلناه جميعا وشاركنا أو صمتنا على النهاية الحزينة التي عاشها مستسلما لواقع بلا قلب حكم عليه بالاعتزال وهو في عنفوان إبداعه، وحكم على مشروعاته الجديدة أن تظل حبيسة الأدراج لا ترى النور.. رغم أن أفلامه التي كتبها ولم تخرج للنور - بتعبير د. ثناء هاشم - كانت أكثر وربما بها الأجمل مما سمح به الواقع الشحيح.
أدرك داود بشفافية المتصوف وحكمة الفيلسوف أنه لم يعد له مكان فى السينما الجديدة وأن أفلامه لم تعد مرغوبا بها، فقرر أن يحتفظ بكرامته وماء وجهه بعد أن أطلق تغريدة البجعة الأخيرة جمهور السينما المصرية حاليا مختلف تذكرة السينما تتراوح بين 70 و 100 جنيه، السينما أصبحت سينما مولات الطبقات التي تعودت أن أتواصل معها لم تعد موجودة في السينما، الجمهور المتواجد حاليا لديه اهتمامات مختلفة، تسلية بالأساس، وهذا النوع من السينما يتم تقديمه له. الجمهور الذي تعودت أن أخاطبه كان متواجدًا في التسعينيات وأوائل الألفينيات، هذا جانب الجانب الثانى الرقابة، بالإضافة لمنظومة الإنتاج الحريات، كل هذه الجوانب تجعل الاعتزال أمرًا عاديا، بالإضافة للسن بالنسبة لي شخصيا من القادر اليوم على دخول السينما؟، في الماضي القريب كانت تذكرة السينما بخمسة جنيهات سينمات الأحياء انتهت الآن فقط سينما المولات بالإضافة للمواصلات، خروجة السينما الآن الأربعة أفراد تقترب من 1000 جنيه، الجمهور الذي سيدفع هذا المبلغ له اهتمامات وهموم مختلفة عما أراه عند الطبقة الوسطى".
اعتزالی نابع من ظروف كاملة، ظروفي وظروف الإنتاج وظروف الرقابة وظروف الحريات، ظرف کامل المنتج الآن يشترط كم سيصرف وكم من الأرباح سوف يحقق السيناريو الذي أكتبه مشروط بان توافق الرقابة عليه، لقد تقدمت بسيناريوهات وتم الرفض وأحيانا يصل الأمر الشكل مهين احيانا لا يتم الرد الرفض ليس عيبا. لكن عدم الرد أمر آخر".
منذ فترة توقفت عن تقديم المشاريع للرقابة، لكن ما أسمعه يجعلني لا أريد أن أقدم، هناك نقاشات غريبة في بعض الأحيان، مثلا تم سرد حكاية لي عن ساعات من النقاش السؤال المؤلف لماذا خلج إحدى الشخصيات النظارة في أحد المشاهد هذه اللفحات الأمنية المتذاكية هذا ما أسمعه، بالطبع لا تكتب الصحافة عن هذا، لكن ما أسمعه يخيفني ويجعلني أفهم ما هي طبيعة النظام".
لا أريد أن أحكى عما تعرضت له.. له، هناك أشياء أعتبرها إهانات تجلس مع شخص، ليعرض لك ممثلة معينة في دور معين، فأخبره أنها لا تصلحالأسباب محددة، وأنا أختار ممثلة في هذا الدون ليتم رفضها، نجم العمل هو من فعل هذا، وهو لا يرفضها الأسباب شخصية، هو يرفضها لأسباب احتكارية وأمنية، هذا رأيي دون معلومات واضحة، أفضل الا أصرح بأسماء، هذا كله جعل إحساسي بأن هذا الجو غير صالح اصناعة السينما، هو صالح فقط لتربية الدواجن.
هل هناك شك في أن داود مات كمد؟؟
كان هذا السؤال محور نقاش طويل جمعتی في ليلة وفاة داود مع مجموعة من المبدعين المهمومين بالسينما وبالشأن العام بينهم المخرج القدير د. مجدى أحمد على والشاعر المبدع إبراهيم عبد الفتاح والمخرجة جيهان الأعصر والناقد البارز أسامة عبد الفتاح، وبالإجماع كان الرأى متوافقا على أن داود التحق أخيرا بقائمة المبدعين الذين ماتوا كمدا، وهي قائمة طويلة والقوس فيها مفتوحا وتضم وتضم أسماء بقيمة المخرج أسامة فوزي صاحب التحفة السينمائية "بحب السيما" الذي اختاره مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الأخيرة (2025) أفضل فيلم مصرى في الربع الأول من القرن 21، ليأتي الاستفتاء اعتذارا لمخرجه بعد فوات الأوان وقبله مات راهب السينما شادي عبد السلام كمدا حزينا متألما على فيلمه "إخناتون" الذي أضاع من عمره سنين طويلة في التجهيز والتحضير ولم يجد له ممولا وبعده مات واحد من أهم كتاب السينما المصرية موهبة وألقا وهو بشير الديك، رحل كذلك حزينا متألما على عدم التقدير الذي عاشه في سنواته الأخيرة، وهو يرى نفسه بعد كل ما حققه من رصيد وإنجازات عاجزا عن إيجاد جهة انتاج المشروعاته الجديدة...
وبشير مثل داود واحد من جبل النكسة السينمائي وهو الجيل الذي تخرج وبدأت مسيرته مع حرب 67 وعمدته الهزيمة بنيرانها وآلامها، ثم انتهت مسيرته بنكسة شخصية جديدة فرحل رموزه وفي قلوبهم غصة، بداية من عاطف الطيب إلى محمد خان إلى على عبد الخالق وصولا إلى داود... ولك أن تتخيل مبدعين في قيمة خيري بشارة وعلى بدرخان لم يخرجا فيلما منذ عشرات السنوات...
إن الخذلان والتجاهل والبطالة وعدم التقدير هي بمثابة اغتيال معنوى للمبدع وأقسى خنجر يوجه القليه وفى حالة داود عبد السيد عاشق السينما الكبير يصبح الألم مضاعفا، لأنه كان الأشد إخلاصا المعشوقته ولم يعرف غيرها، ولم يجرب العمل في المسلسلات أو المسرحيات أو الإعلانات كما فعل غيره
الراجح أن هذا الإحساس بالخذلان كان سببا قويا ومباشرا في تداعيات الأزمات الصحية المتلاحقة لداود، والغالب أن العمل والتقدير كانا هما الدواء الذي استكترناه عليه لتنقذه من هذا المصير.. وهو المعنى الذي قصده بالضبط صديقنا الناقد رامي عبد الرازق عندما كتب:
في بلد آخر وزمن آخر كان داود عبد السيد سيرحل وهو في البلاتوه خلف الكاميرا، يصور فيلما جديدا، رغم متاعب المرض
ربما لم يكن ليعرض من الأساس لو أنه استمر في العمل في الكتابة في التصوير، وفي السينما... رحيله عقب الاعتزال والمرض لا يخالف الواقع. هذا عصر الاعتزال والمرض، عصر أسمنتي مقبض لحوح في ماديته كاره للشعر والرثاء و داود كان مرتية تسير على قدمين، كانت رهافة وعيه تدرك أنه جاء في أزمنة ضعيفة، يحتلها القيح والدمامة ورداءة الحال، فراح يصنع أفلامه في شكل مرتبات متتالية فيلما يرتى الصداقة وفيلما يرثى الحلم، فيلما يرثى حق الإنسان في الفرح، وفيلما يرثى انعدام القدرة على التشبت بواقع متخلف وعقيم مرئيات العوالم تنتهي. وبقايا أزمنة طيبة تبخرت روائحها من النفوس الصالح عوادم القسوة والجبن والسيطرة وهزيمة الأمل
في كل فيلم وضع دواد مرتبة تشبه إحساسه بالألم، إلى أن أصبحت صناعة الأفلام أكثر كلفة وأقل شعرية، أكثر سخافة وأقل حميمية، أكثر خلافة وأكثر حماقة وأكثر فجاجة، وأقل سينما ... ولما لم يعد لمة متنفس للألم، ولا مساحة للرتاء.
اعتزل داود وأصيب بالمرض، ثم رحل أخيرا". إذن قتلناك يا آخر النبلاء... إنها الحقيقة الساطعة التي لا تريد أن ترحمنا من وجهها القبيح القاسي.. وهي تطل علينا وتذكرنا بجرمنا في حق صاحب "أرض الخوف".
(2)
يمكننا أن نضع عنوانا كبيرا لسينما داود في 4 كلمات افلام قليلة وبصمات غائرة.
بلغة الأرقام صنع داود 9 أفلام فقط في مسيرة استمرت 58 سنة منذ تخرجه في معهد السينما. بواقع فيلم واحد كل ست سنوات ونصف السنة وهو رقم قد يبدو شديد التواضع مقارنة بمسيرته وموهبته، ولكن المتأمل في شخصية داود وأسلوبه قد يري أن عدد أفلامه معقول، فهو من ناحية يكتب أفلامه بنفسه، ومن بين أفلامه التسعة لا يوجد سوى فيلم واحد کتبه هانی فوزی هو "أرض الأحلام" آخر ظهور سينمائي السيدة الشاشة فاتن حمامة.. يكتب داود على مهل كنحلة تمتص الرحيق طويلا قبل أن تفرز عسلا...
في كل فيلم يصنع داود عالما كاملا بتفاصيله الدقيقة المدهشة بتناسق دقيق ومحكم في بناء شخصياته وأحداثه، كل تفصيلة يفكر فيها بعمق ويضعها في مكانها.. ولأنه مبتكر ذلك العالم فإنه وحده القادر على تحويله من الورق إلى الشاشة...
في هذه الأفلام التسعة صنع داود سینما تحمل اسمه وبصمته جعلت منه واحدا من أبرز صناعها ومبدعيها وعباقرتها .. ويمكننا أن نجتهد في الإمساك بأسرار تلك العبقرية ونظنها خمسة:
1 - إن سر تفرد داود الأول ومكمن إبداعه - كما يقول الناقد الكبير د. يسرى عبد الله - يتجلى في قدرته على صياغة عالم فني يخصه وحده دون سواه، في أعماله السينمائية، عالم مسكون بالإبداع الحقيقي، والموهبة الخالصة، والتنوع الخلاق، ستعيش افلام مهمة الداود، قادرة على أن تمنحنا المتعة، والشجن، والتساؤل، من قبيل: الصعاليك البحث عن سيد مرزوق الكيت كات أرض الأحلام، أرض الخوف، سارق الفرح.
كان داود في السينما وفى الكتابة - يتعبير محمد البرغوثي - أمة وحدها
2 - السر الثاني يكمن في تعاطفه الصادق والواضح مع الإنسان، ستجده متسامحا مع نقاط ضعف شخصياته، يبحث لهم عن مبرر يتعامل معهم يحنو خاصة المهمشين منهم والفقراء. والمستضعفين. ويبلغ التعاطف ذروته مع المرأة، فهى عنده أصل الحياة ومحركة الأحداث وصانعتها .. ارجع مثلا إلى فيلمه الأيقونة "الكيت كات" وتأمل نسجه لشخصياته وفي القلب منها الشيخ حسنى، إنها كما يقول النقاد المنصفون صاغ منها شاعر السينما داود عبد السيد قصيدة سينمائية شجية وبألحان راجح داود جعلها غلوة تفيض عذوبة وعمقا تحرك الوجدان وتثير التساؤلات، فلا تمل الاستمتاع بجمال رؤيتها للحياة وتعاطفها مع الإنسان كل البشر بكل ما فيهم.. هكذا كان داود في كل أعماله أمينا عطوفا على البشر في كل أحوالهم فهم أرواح مطلقة يجاهدون قدر استطاعتهم ظروف الحياة...
3- السر الثالث في فلسفته البسيطة العميقة للحياة، التي صاغها في شكل أسئلة كبرى بلا إجابات.. إنه مثل كاهن فرعوني قديم يمتلك ناصية الحكمة، لديه رؤية خاصة للحياة يحاول يقدر طاقته أن يفض أسرارها، لكنها تعذيه بألغازها الوجودية التي كلما اقترب منها ازدادت غموضا و تعقيدا.. إنه مهموم دائما بأسئلة الحياة والموت.... الخير والشر العدل والظلم.. الغنى والفقر. وقد وضع زميلنا الباحث والناقد عمرو صابح يده مباشرة على الحقيقة عندما أسماه: رائد سينما السؤال والبحث عن الحقيقة، موضحا أن داود ام یکن مجرد مخرج سینمائی بل كان ضميرًا جماليا وفكريا نادرا، اختار أن يقف دائما في المسافة الأصعب بين الجمهور والتخبة، بين الفلسفة والحياة اليومية، بين الحلم والخذلان رحيله لا یعنی فقدان اسم كبير في تاريخ السينما المصرية فقط، بل غياب مدرسة كاملة كانت تؤمن بأن السينما ليست ترفيها، بل سؤالا أخلاقيا ومعرفيا مفتوحا على المجهول منذ بداياته بدا واضحا أن داود عبد السيد لا يريد أن يشبه أحدا، ولا أن يكرر أحدا، جاء من خلفية ثقافية عميقة، قارتا نهما الفلسفة والأدب، ومشغولا بالأسئلة الكبرى الحرية المعرفة السلطة، الخلاص، والإنسان وهو يفتش عن معنى في عالم قاس وملتبس، لذلك لم لكن أفلامه سهلة، لكنها كانت صادقة، ولم تكن جماهيرية بالمعنى التجارى، لكنها بقيت حية تشاهد وتناقش بعد سنوات طويلة من إنتاجها. يكاد لا يخلو فيلم الداود من شخصية باحثة: صحفى عالم مثقف أو إنسان عادي قادته المصادفة إلى سؤال أكبر منه.
4 - السر الرابع لعبقرية داود في نموذجه البديع والمتفرد لسينما المخرج المؤلف أنه المتحكم في كل تفاصيل العمل، يصنعه على عينه، وبلغته الخاصة في السرد، وبشخصيات من لحم ودم تشعر أنك تعرفها، وتعيش معها واقعها وهمومها، وتشاركها أحزانها ولحظات سعادتها .. إن داود لا يصنع فيلما، بل يقدم لك أغنية، مزيكا جميلة لا تمل من سماعها .. هو نفسه الذي صاغ هذا التعبير عن الفيلم قطعة المزيكا:
هناك نكتة عن شاب دخل السينما، ولم يمنحالموظف الذي يقود إلى الكراسي إلا بضعة قروش فعال الموظف على الرجل وهمس له: "الطباخ هو القاتل" ليحرق له الفيلم، فهناك أفلام تفسد بعد المشاهدة الأولى، ظل هذا الموقف في ذهني وأنا أخرج كل أفلامي فهيمن على فكرى أن ألفى خطة الموظف هذه وقتها كانت موجة أفلام السينما الأوروبية، التي حملت شعار "الكاميرا مثل القلم"، لم أقلدها، لكنها أثارت لي الطريق، وكثير من الأفلام الأخرى، روسية وتشيكية ومجرية عرفت أن هناك سينما أخرى غير السينما التجارية. وكان حلمى أن أجعل السينما مثل المزيكا، الفيلم الجميل تسعى إليه مرة أخرى".
5 - السر الخامس يتجلى في قدرته على إيجاد هذا التوازن الدقيق بين السينما الجادة والتجارية.. ولعل الباحث والمؤرخ د. شريف يونس كان أبلغ من كتب عن هذه الزاوية وقال إن داود لم يكن مخرجا طليعيا بل كان متجاوزا بكثير لتلك الحالة الطليعية" التي استولت على جيله من المخرجين والكتاب والشعراء والنقاد، كان رأيه أن الفيلم الجيد لازم يبقى فيلما جماهيريا، تدخله عامة الناس وتحيه قال لى هذا الكلام بنفسه). وكان دائما عنده رؤية وإحساس بالبلد والناس وبالإنسان عايز يعبر عنهم من خلال فيلم، ومن ناحية أخرى لم يكن كذلك مخرجا "تجاريا".. إنه يقف على الحافة بين الطليعية والجماهيرية... ولذلك فأغلب أفلامه نجح جماهيريا، في الكيت كات وسارق الفرح ومواطن ومخبر وحرامي، مثلا وعلى المستوى الشخصي، أثرت في معظم أفلامه أكثر من غيره من المخرجين الذين أقدرهم، ربما لوجود هذا الشيء ما عنده في رؤيته واسلوبه فيجعله يلمسنى شعوريا وفكريا.
(3)
كأصحاب الرسالات كانت الفلوس والمكاسب والربح المادى آخر ما يشغل داود. وفي هذا الموقف كان يتشابه مع كاهن السينما الأكبر شادي عبد السلام، كان في إمكان شادي أن يجد تمويلا لفيلمه العظيم "إخناتون" وجاءته بالفعل تمويلات من خارج مصر رفضها جميعا، مصرا على أن فيلما عن هذا الفرعون المصرى العظيم لا يجوز أن يتم إنتاجه بتمويل أجنبي.. كذلك كان داود، وانته الفرص للحصول على دعم من الجهات الأوروبية المانحة، لكنه رفض أن يبيع لها ضميره ويعمل وفق أجندتها وأفكارها، حتى تظل أفلامه مصرية
وبتمويل مصرى...
ولذلك سيظل داود واحدا من ضمائر مصر النقية والنبيلة.. ولذلك سيبقى في وجدانها وذاكرتها - كما يقول الفنان مصطفى رحمة - ذلك المتمرد الهادئ، المثير للجدل الجريء في اختياراته والمبتكر في لغته السينمائية، أفلامه لم تكن حکایات تروى، بل أسئلة تزرع، أعاد تشكيل السرد، وكسر استقامته، وعبث بالزمن، وحزر الصوت والكاميرا من طاعتهما العمياء، فترك أثرا لا يمحى في الذاكرة والوجدان... ساعيا إلى هدم يقينات راسخة، وبناء سينما تشبه القلق الإنساني أكثر مما تشبه السوق، عدد أفلامه قليل وكل فيلم حالة تظل عالقة بأذهاننا لوقت كبير...
تأقل وجهه في الصور.. ملامح كأنها تحتت من حجر صعيدي صلد لا يصنعه إلا مصرى قديم خرج من الجنوب، ذلك القبطي النابه، الذي أحب بلده حد العشق... وداعا يا ضمير السينما المصرية النقى ووجهها النبيل.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يواصل الفنان محمد فراج تصوير مشاهد مسلسله «أب ولكن»، المقرر أن يعرض فى رمضان.
يبدأ الفنان إياد نصار، الأسبوع المقبل، تصوير مشاهد مسلسله «الحب والحرب»، بعد الانتهاء من تفاصيله.
بدأ الفنان كريم عفيفى تصوير مشاهد مسلسله «السوق الحرة»، داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، وبالتحديد داخل لوكيشن الأكاديمية.
انضمت الفنانة سماح أنور لفريق مسلسل «عرض وطلب»، مع الفنانة سلمى أبو ضيف،