فخر إنتاجات التليفزيون المصرى
مرت ٥٢ عاماً على حرب أكتوبر ١٩٧٣ وما زالت مليئة بالأسرار العسكرية والبطولات الحقيقية والتضحيات، ولطالما كانت السينما هى الوجه الآخر من العملة حيث كان لها دور بارز فى رصد الأحداث العسكرية والسياسية عبر عقود ومراحل تاريخية مختلفة، وهناك أفلام كثيرة استطاعت أن تجسّد المشهد الحربى والمعاناة التى عاشها الجيش المصرى فى مواجهة العدو الإسرائيلى، ومن أبرز هذه الأفلام «حائط البطولات»، والذى تناولت أحداثه كيفية قيام المصريين ببناء حائط الصواريخ لحماية المدن المصرية من غارات الطائرات الإسرائيلية خلال الحرب، كما ألقى الفيلم الضوء على حياة قادة وضباط وجنود قوات الدفاع الجوى.
تدور أحداث العمل فى فترة ما بعد نكسة ١٩٦٧ ومجزرة بحر البقر وفترة حرب الاستنزاف والعمليات الجوية التى كان يشنها الطيران الإسرائيلى على أهداف عسكرية ومدنية داخل الأرض المصرية، وتصدى قوات الدفاع الجوى لهذا العدوان المتكرر، ثم عمليات تطوير قوات الدفاع الجوى حتى تمكنت من السيطرة على الموقف ونجاحها فى إقامة حائط الصواريخ الذى حمى مصر.
حائط البطولات قصة «إبراهيم رشاد»، حيث شارك فى كتابة السيناريو «مصطفى بدر» والمخرج «محمد راضى»، وأشرف على السيناريو من الناحية العسكرية والحربية لضمان دقة الجانب العسكرى فى الفيلم «المشير محمد على فهمى»، كما قام السيناريست «مصطفى محرم» بمراجعة السيناريو والحوار.
وشارك فى بطولة الفيلم الكثير من النجوم الكبار فى هذا الوقت، وعلى رأسهم الفنان الكبير الراحل «محمود ياسين» الذى قام بدور قائد الدفاع الجوى «اللواء محمد على فهمى» فى ذلك الوقت، والفنان القدير «فاروق الفيشاوى» الذى جسّد أحد قادة كتيبة الدفاع الجوى، والفنان «أحمد بدير»، «أحمد صادق»، والكثير من النجوم الشباب فى هذه الفترة، منهم «خالد النبوى»، «مصطفى شعبان»، «مجدى كامل»، «حنان ترك»، «بهاء ثروت».
إلى جانب العديد من النجوم البارزين الذين جسّدوا الجانب الإسرائيلى خلال الأحداث بكل براعة وإتقان، وعلى رأسهم الفنانة القديرة «عايدة عبدالعزيز» التى قامت بدور «جولدا مائير» رئيسة وزراء إسرائيل فى ذلك الوقت، والفنان الكبير «غسان مطر» الذى قام بدور «موشيه ديان» وزير الدفاع الإسرائيلى.
الفيلم من إنتاج قطاع الإنتاج للتليفزيون المصرى بالاشتراك مع المنتج «عادل حسنى»، وتم إنتاجه عام ١٩٩٩، وتم عرضه رسمياً فى نوفمبر ٢٠١٤ لأول مرة فى مهرجان القاهرة السينمائى فى دورته الـ٣٦.
واستعرض الفيلم فى بدايته واحدة من أبشع الحوادث التى ارتكبها العدو الصهيونى عام ١٩٧٠، عندما قرر أن يجعل «مدرسة بحر البقر الابتدائية» هدفاً عسكرياً ليستيقظ المصريون وقتها على خبر استشهاد أطفال فى عمر الزهور بلغ عددهم ٣٠ طفلاً، فتتشح قرية بأكملها بالسواد.
كما استعرض الفيلم معاناة الجنود وضباط الجيش المصرى فى صورة إنسانية، وكيف أن الحياة توقفت لدى بعضهم على أمل أن يستكملوها بعد الانتصار والثأر لكرامة المصريين واسترداد الأرض التى اغتصبتها إسرائيل، فما بين الجندى الذى يفقد طفله الوحيد فى حادثة بحر البقر، والمهندس المدنى الذى استشهد تاركاً زوجته الشابة وابناً وابنة ليعيشوا حياتهم دون أب وسند، والقائد العسكرى الذى يؤجّل زواجه وفرحته حتى الانتصار، وأيضاً استعرض الجنود الذين أصيبوا ومروا برحلة علاجية، فمنهم من نجح فى تجاوز إصابته والوقوف على قدميه، ومنهم من ظل قعيداً معتبراً إصابته هذه وساماً على صدره يتشرف به.
ويعتبر الفيلم الحربى «حائط البطولات» من أهم المحطات فى تاريخ مصر وجيشها، حيث نقل صورة عن العمليات القتالية التى كان يقوم بها الجنود المصريون حتى جاءت ساعة الصفر وقامت الحرب فى ٦ أكتوبر عام ١٩٧٣ واستعاد الجيش الأرض المسلوبة.
مشاركتى فى «حائط البطولات» واجب وطنى ووسام على صدرى
أحمد صادق: عاصرت الحرب.. و«عم منير» قال لى: «اضرب كمان وكمان يا ولد»
شارك نجوم الزمن الجميل أعمالهم الكلاسيكية ليكتسب الخبرة الكبيرة والقدرة على إقناع الجمهور بأى شخصية يقدمها من خلال أداء أدواره بحرفية واختلاف.. القدير «أحمد صادق» الذى كان له وجه آخر من خلال المشاركة فى الأعمال الحربية والوطنية التى اعتبرها واجباً وطنياً وشرفاً لأى فنان مصرى المشاركة فى تلك الأعمال التى تخدم الوطن.. ومن أبرز هذه الأعمال التى شارك فيها فيلم «حائط البطولات» الذى تحدث عن حرب أكتوبر، كما كانت له مشاركة مميزة أيضاً من خلال « الاختيار ٣».
حدثنا عن دورك فى فيلم « حائط البطولات «؟
دورى فى «حائط البطولات» ضابط من ضباط الطيران المصرى فى كتيبة الدفاع الجوى وكنت مساعداً لسيادة اللواء «محمد على فهمى» وقتها والذى جسد شخصيته الفنان الكبير الراحل «محمود ياسين» وهو المسئول عن تدريبنا ووضع الخطط الحربية وإرسالها لكتائب الجيش ومتابعة الجنود لحظة بلحظة، فاليهود طول عمرهم يقولون أن السماء ملكهم.. فجاء حائط البطولات ليؤكد أننا فى ٧٣ كانت الضربة الجوية الأولى لنا لنثبت للعالم أجمع أننا من أقوى الجيوش على وجه الأرض ولا نخاف من شىء وقد أعطينا الدرس للمحتل الإسرائيلى ليعلم أننا خير أجناد الأرض وأقواها ولا نهاب من شىء.
كيف استطعت تقديم ضابط الدفاع الجوى خلال الأحداث؟
شعورى بالدور وإحساسى بقيمة العمل أنه مقدم لمصر فهذا شعور مختلف تماماً عن أى دور قمت بتجسيده لأن المشاركة فى عمل وطنى يكون مرجعاً تاريخياً للأجيال القادمة هو واجب وطنى وشرف لأى فنان يشارك فيه حتى ولو بمشهد صغير فذلك يعنى الكثير وأعتبره وساماً على صدرى ونقطة فارقة فى مشوارى الفنى أن أقدم إحدى الشخصيات القيادية وأقدم دور ضابط فى الدفاع الجوى رمزاً للشجاعة والتضحية، كما أرى أن المخرج الكبير الراحل «محمد راضى» استطاع أن ينقل لنا الصورة كاملة والمشهد الحربى للجنود والضباط وهم يحملون على عاتقهم هذه المسئولية الكبيرة وتم تجسيدها من دم ولحم لتخرج بهذا الشكل المشرف وتعلّم أجيالاً كثيرة لم يعاصروا هذه الحروب ولم يذوقوا طعم النصر، كما استطاع السيناريو أيضاً إكمال المشهد الإخراجى لكتابته بطريقة احترافية تفصيلية نجحت فى وصف الضابط المصرى لحظة بلحظة ولم يترك أى تفصيله صغيرة إلا وذكرها.
«حائط البطولات» كانت له أبعاد إنسانية أخرى بجانب الأبعاد السياسية والمشهد الحربى لحرب ٧٣، ما رأيك فى هذا؟
أرى أن الأعمال الوطنية والحربية التى قُدمت فى ذلك الوقت كانت لها أبعاد إنسانية واضحة ويرجع الفضل فى هذا إلى المخرج محمد راضى الذى أخرج أهم الأعمال التى تحدثت عن حربى الاستنزاف وأكتوبر حيث كانت له بصمة مميزة فى الأفلام الحربية وكان محباً وعاشقاً لتراب الوطن فنجد أن من أفلامه أيضاً التى تحدثت عن حرب أكتوبر فيلم «أبناء الصمت» وشارك معه مجموعة كبيرة ومميزة من الفنانين الكبار منهم نور الشريف وأحمد زكى وحمدى أحمد حيث كان يعتمد على تجسيد الانتصار بعد الهزيمة ولحظة الفرح فى ٧٣ ورفع العلم ولحظة الاستشهاد والسعادة بالتضحية من أجل الوطن.. وفى حائط البطولات ارتكز على العلاقات الإنسانية للضباط والجنود أيضاً، حيث كان اللواء «محمد على فهمى» يتعامل بشكل ودى وإنسانى مع الجنود حتى قام بزيارة الجنود المصابين فى المستشفيات وكان يشد من أزرهم ويواسيهم ومتابعة رحلة شفائهم، فكل هذه الأحاسيس والمشاعر الطيبة التى تظهر الصفات الإنسانية قبل الوطنية وأن الانتماء للوطن وحب الوطن يأتى من حب الشعب لبعضه وتظل القلوب على بعضها حتى ننهض بالوطن والحفاظ على أمنه واستقراره.
ما ذكرياتك عن حرب أكتوبر؟
ذكرياتى عن حرب أكتوبر وأنا طفل عندى ١٣ سنة تقريباً، تحضرنى هذه الذكريات التى لا تُنسى أبداً وتظل باقية ومحفورة فى أعماقى؛ لأن المشهد كان عبارة عن تفاعل من حولك بالأحداث الحربية، حيث كان يوم ٦ أكتوبر بالتحديد نقوم «بجمع القطن من الغيط»، وهناك أفراد تعمل معنا وتساعد والدى وجدى فى هذا، حيث إننى من مواليد محافظة الغربية، وكنت فى ذلك اليوم أذهب إلى والدى وأحمل «الغداء» لهم، وفى الطريق شاهدت الطائرات تحلّق فى السماء فى مشهد فى غاية الروعة، وكأن السماء تنتفض وتأخذ بالثأر لاسترداد الكرامة والعزة. وسألت وقتها قريباً لى: «ماذا يحدث يا عم منير؟ وما هذه الطائرات؟» فرد عليّ قائلاً: «نحن نضرب إسرائيل.. اضرب يا وَلَد، اضرب كمان وكمان»، فهو يتحدث معى وفى نفس الوقت يشجع الضابط الطيار الذى يحلّق فى السماء، وكأنه يسمعه وينفّذ ما يقوله. وهذا مشهد فى غاية الروعة من الفلاح البسيط الذى يدرك أهمية الحرب وأهمية الجيش المصرى فى حمايتنا وحماية أرضنا وأبنائنا. وبالفعل فى ذلك الوقت تم استهداف الطائرة الإسرائيلية بالتاريخ المصرى وسقطت فى بلد آخر بجوارنا وتم أسر الضابط الإسرائيلى، فكانت هذه القواعد الصاروخية التى نفذها الزعيم عبدالناصر فى الدلتا لحماية الدلتا من الطيران الإسرائيلى.
قال إن الفيلم ملىء بالفدائيين والأبطال
أحمد بدير: نحتاج أفلامًا جديدة تليـق بعظمة النصر
الشاويش مجاهد أيقونة الجندى الشجاع
فنان قدير قدم العديد من الأعمال السينمائية والدرامية، فهو تميمة الحظ فى أى عمل فنى يشارك فيه، حيث كانت له بصمة واضحة فى الأفلام الوطنية كما لعب دوراً رئيسياً فى فيلم «حائط البطولات» الذى يعد من أهم الأعمال الحربية التى تناولت حرب أكتوبر ٧٣ وأهمية حائط الصواريخ فى حماية مصر..
إنه « أحمد بدير» الذى كان أيضاً من أبرز المشاركين فى حرب أكتوبر حيث كان مجنداً ومراسلاً حربياً للشئون المعنوية فى ذلك الوقت، تحدث معنا فى هذا الحوار عن ذكرياته الحربية والفنية أيضاً.
كيف وجدت مشاركتك فى الفيلم الحربى «حائط البطولات»؟
حائط البطولات من الأفلام الوطنية التى يجب على كل فنان أن يشارك فيها، وفى أى عمل يقوم بخدمة الوطن ويخلد الذكريات الوطنية والبطولات التى قام بها خير أجناد الأرض لاستعادة أرضنا وكرامتنا من يد الاحتلال الإسرائيلى المستبد، فالفيلم يعتبر ذاكرة أرشيفية ومرجعاً مهماً للتذكير بيوم النصر العظيم وتخليداً لحرب أكتوبر ليعرف العالم أجمع أن الجيش المصرى هو أعظم الجيوش وأقواها، فقد ركز العمل على الكثير من النماذج المشرفة للجنود المصريين والمعاناة التى عايشوها من أجل تحرير الوطن والتصدى للاحتلال الغادر.
ما أهم تفاصيل الدور التى تتذكرها؟
فى الحقيقة أن العمل كانت له أبعاد إنسانية بخلاف الأبعاد السياسية والحرب التى كان يعيشها المصريون، فقد تناول حياة الجنود بشكل تفصيلى بعيداً عن واجبهم الوطنى ورتبتهم العسكرية فى الجيش فلكل جندى وضابط وعسكرى قصة مختلفة وحياة إنسانية ومعاناة يحملها على عاتقه بجانب همه الأكبر وهو محاربة العدو واسترداد أرضنا وكرامتنا ، وعلى سبيل المثال نجد أن الشاويش «مجاهد» الذى جسدت دوره خلال الأحداث كان له جانب إنسانى وثأر عند «اليهود» فقد مات نجله الوحيد إثر القصف الغادر والمجزرة الإسرائيلية التى حدثت فى مدرسة «بحر البقر الابتدائية» والتى كانت السبب فى مقتل الكثير من الأطفال الأبرياء الذين لا ذنب لهم، حيث ذاق أهاليهم مرارة الفقد والحزن على فلذات أكبادهم، ودماؤهم تسيل فى مدرستهم وأثناء تعليمهم دون شفقة أو رحمة.
هل كانت هناك مشاهد صعبة واجهتك أثناء التصوير فى ذلك الوقت؟
بالتأكيد، فالأعمال الحربية تندرج تحت الأعمال الأكشن التى تتطلب حركات معينة ومجهوداً، زيادة عن أى دور آخر، خاصة أننى أقوم بدور جندى فى الجيش أثناء الحرب ولا بد من إظهار كل هذا المجهود والمعاناة التى عاشها الشاويش مجاهد تحت القصف وإطلاق الصواريخ والجنود التى تقتل بجانبه، فالصعوبة هنا لا تكمن فى توصيل الإحساس والشعور الذى كان يشعر به الجنود المصريون أثناء الحرب وتجسيد لحظات اليأس والإحباط فى بعض الأحيان عند وفاة الزعيم «عبدالناصر»، وأيضاً مشاعر الأب المكلوم مفتور القلب على نجله الوحيد الذى قُتل غدراً وعند لحظة الانتقام والثأر لابنه عندما وقع فى قبضة يده أسير إسرائيلى ولكن أخلاقه وشجاعته منعته من أخذ ثأره من جندى ضعيف وأعزل وكان من أصعب المشاهد لأنها مؤلمة نفسياً وهو يواجه هذا الأسير بكل الجرائم التى ارتكبها فى حق المصريين حيث يعتبر الشاويش مجاهد أيقونة الجندى الشجاع الذى لا يُقهر ولا يستسلم أبداً رغم كل ما مر به من أزمات ولكن حبه لوطنه هو الغالب عليه.
هل الأعمال الوطنية والشخصيات السياسية لها تحضيرات خاصة واستعداد مختلف؟
بالتأكيد لكل عمل لا بد أن يكون له استعداد وجلسات للتحضير والنقاش مع صناع العمل لكيفية التعامل مع هذه الشخصية التى أقدمها خلال الأحداث، وتختلف من عمل لآخر بحسب الشكل والمضمون، فكل شخصية تكمل بعضها خلال سير الأحداث، أما بخصوص الأعمال الوطنية التى بها شخصيات حربية وقيادات سياسية فلا بد من التعامل معها بحرص شديد ومذاكرة كل تفاصيل هذه الشخصية لكى تخرج بالشكل الذى اعتاد الناس عليه رؤية تلك الشخصية، فالجمهور أصبح أكثر وعياً وإدراكاً وينقد كل ما يقدم له من خلال الشاشة، فعندما قدمت شخصية المشير «طنطاوى» من خلال الجزء الثالث من الاختيار فهو أحد أبرز القادة العسكريين وشخصية محورية فى المشهد السياسى المصرى لعقود وأنا شخصياً من أشد المعجبين بشخصيته وبموقفه الوطنى العظيم وتصديه للعديد من الأزمات والمواقف التى مرت بها البلاد، كما أنه بطل من أبطال حرب أكتوبر، وكنت أتمنى تقديم شخصيته، وعندما عُرض علىّ الدور سعدت كثيراً لأن إحدى أمنياتى قد تحققت بالفعل.
هل ترى أن الأعمال السينمائية التى قُدمت استطاعت أن توثق نصر أكتوبر والمعاناة التى عاشها الجنود؟
فى الحقيقة هناك أعمال كثيرة استطاعت أن توثق حرب أكتوبر واجتهدت كثيراً لنقل المشهد الحربى بشكل حقيقى وواقعى ليستطيع المشاهد التعايش مع تلك اللحظات ويشعر بلحظات القوة والفرح وأيضاً لحظات اليأس والإحباط أحياناً أخرى، ولكن هناك حكايات وروايات كثيرة لم يتم التطرق إليها لأن هناك أحداثاً كثيرة لم تُروَ من قبل عن حرب أكتوبر والمعاناة التى عاشها خير أجناد الأرض لكى نصل لما نحن عليه الآن من أمن واستقرار لمصرنا الحبيبة، فلابد أن يكون هناك مئات من الأفلام الوطنية والحربية التى تبث روح الانتماء وحب الوطن، ولابد من الإكثار من النماذج المشرفة التى يحتذى بها الشباب وتكون قدوة لهم، خاصة أنهم لم يعيشوا تلك الفترة، فيجب ترسيخ المبادئ والقيم الوطنية ومعرفة هؤلاء الشباب بما عاصره جيشنا العظيم من حرب الاستنزاف وأكتوبر وحتى الآن من حماية الحدود المصرية ولذلك فلابد أن تكون هناك أعمال كثيرة تصل لدرجة العالمية تليق بهذا الحدث العظيم وتكون على مستوى عالٍ من التصوير والتقنيات الحديثة التى تستطيع توثيق كل ما مرت به مصر من حروب ومعاناة وصولاً إلى فرحة نصر أكتوبر.
ما ذكرياتك عن حرب أكتوبر باعتبارك كنت جندياً ومراسلاً حربياً للشئون المعنوية فى ذلك الوقت؟
بالفعل أفتخر أننى التحقت بالجيش المصرى وكنت جندياً من ضمن جنوده الشجعان فهذا وسام أضعه على صدرى مدى الحياة أننى كنت جزءًا صغيراً من هذا الجيش الحصين وعاصرت أياماً جميلة يتمنى أى مصرى محب لوطنه أن يعيشها وتكون من ضمن ذكرياته وتظل ذكرى مشرفة لأبنائه وأحفاده، حيث كانت من أفضل أيام حياتى التى قضيتها أثناء الحرب، فقد كنت مراسلاً حربياً فى التوجيه المعنوى، وكان معى الكثير من زملائى الفنانين فى ذلك الوقت منهم الفنان الراحل محمود الجندى والمخرج عاطف الطيب والسيناريست محسن زايد وكنا نقوم بعمل عروض مسرحية تهدف للتوعية وتشجيع الجنود وحثهم على حب الوطن والتضحية من أجل الكرامة والعزة وأيضاً قمنا بعمل برنامج إذاعى وقتها لبث الأخبار الحربية مع الإعلامى حمدى الكنيسى اسمه «صوت المعركة».. ومن الذكريات التى لا تُنسى هو استشهاد أحد الجنود من نفس دفعتى أمام عينى وكان صديقاً لى وقبل أن يلقى الشهادة أوصانى بأن أخبر أهله بأن لا يأخذوا عزاءه إلا بعد تحرير الأرض واسترداد كرامتنا وعزتنا، وهذا ما حدث بالفعل وتم تنفيذ وصيته الكريمة، فنجد أن حرب أكتوبر أثبتت قوة الجيش وصموده وقدرته على الحفاظ على أرضه وشعبه ويجب استمرار الاحتفال بهذا النصر كل عام لتذكير الشباب والأجيال الجديدة بالبطولات والتضحيات التى بُذلت للحفاظ على الوطن.
محمود ياسين قبل الرحيل:
قيمة تاريخية وثقافية كبيرة
الفنان الراحل محمود ياسين واحد من أهم وأبرز الفنانين الذين خلدوا حرب أكتوبر من خلال تقديم العديد من الأفلام التى وثّقت هذه الملحمة الوطنية، حيث قدّم الكثير من الشخصيات العسكرية المتنوعة خلال مشواره الفنى بداية من الجندى انتهاءً بالقيادات العليا، والتى أصبح من خلالها «جندى السينما المصرية».
ومن أبرز تصريحات الفنان الراحل «محمود ياسين» عن مشاركته فى فيلمه الحربى الأخير «حائط البطولات»، قال: «العمل به جهد إنسانى وإبداعى وثقافى، وتم وصفه بالجبار، وإن عرضه ضمن فاعليات مهرجان القاهرة السينمائى خطوة مهمة وأثبتت أن الإبداع لا يضيع مع الزمن».
كما عبّر عن سعادته بالمشاركة فى هذا العمل، ولم يصدق نفسه حينما شاهد فيلم «حائط البطولات» على شاشة السينما وسط حضور ضخم ممن يقدّرون الفن والسينما والإبداع، وأنه كان حريصاً على مشاهدة الفيلم. كما صرّح بأن مخرج العمل المبدع القدير «محمد راضى» هو الوحيد الذى يمتلك سر الفيلم والخلطة التى قدّمها من خلاله، حيث قدّمها بشكل متميز واحترافى وبه حبكة درامية عالية، بالإضافة إلى مدير التصوير والمونتير فقد لعبا دوراً مهماً فى خروج القصة بهذا الشكل.
وقد صرّح لزوجته الفنانة المعتزلة شهيرة عند رؤيته الفيلم قائلاً: «إنه لم يتفاجأ وهو يشاهد الفيلم لأول مرة، ولم يشعر بارتباك ولو ثانية واحدة، لأنه كان على يقين بأن وراء الفيلم قيادة علمية وإبداعية واعية استطاعت أن تحافظ على مصير فيلم مرّ عليه كل هذا الزمن». كما أشار إلى أن الفيلم يُنصف سلاح الدفاع الجوى الذى قام بدور حيوى فى حرب أكتوبر وشلّ حركة العدو وصدّ الهجمات، وأن القيمة التاريخية للفيلم تفرض عرضه.
ترى أن الفن رسالة وليس مهنة
سميرة محسن: عشت مشاعر الأم المكلــــــــــومة أثنــاء التصــويــر
خالد النبوى تلميذى النجيب وابنى العزيز
دكتورة فى المعهد العالى للفنون المسرحيّة وصاحبة مشوار فنى طويل من الإبداع والتميّز، فهى فنانة شاملة تركت بصمة واضحة فى المجال الفنّى وذلك لخبرتها الكبيرة فى مجال التأليف والإخراج والتمثيل أيضاً.
إنّها الفنانة القديرة «سميرة محسن» التى كرّست حياتها لخدمة الفنّ واكتشاف الموهوبين، حيث تتلمذ على يديها كبار النجوم الموجودين حالياً على الساحة وأبرزهم الفنان «خالد النبوى» الذى شاركته الفيلم الوطنى «حائط البطولات» لتشجيعه ودعمه فى بداية مشواره الفنّى، والذى تحدّثت معنا عن هذه المشاركة وتفاصيل دورها فى هذا الحوار.
كانت لك مشاركة متميّزة فى فيلم «حائط البطولات»، فماذا عن تلك المشاركة؟
هناك أعمال فنّيّة تتّسم بالكثير من التميّز والتثقيف وتندرج تحت أعمال التوعية والإرشاد، ويكون الهدف منها هو توصيل رسالة معيّنة من خلالها كالالتزام والتمسّك بالميثاق الشرف وتجسيد نماذج مشرّفة تحثّ على النهوض بالمجتمع، وأيضاً حبّ الوطن والحفاظ على أمنه واستقراره. وهذا واجب وطنى ورسالة هامّة فى تاريخ الفنان أن يقوم بدوره فى نشر الوعى والثقافة للجمهور بطريقته الخاصّة وموهبته الفريدة، وحتى لو كان مشهداً صغيراً فى عمل فنّى يفيد الجمهور ويعرض له المجهود الكبير الذى بذله رجال الجيش وحماة الوطن فى الحفاظ على مصر وسلامة أراضيها من أيدى الاحتلال الإسرائيلى وما حدث فى حرب أكتوبر والتضحيات التى ضحّى بها الكثير من الأبطال. وقد قدّمتُ من خلال العمل شخصية «أم حسن» والتى يجسّد شخصيتها تلميذى النجيب وابنى العزيز الفنان «خالد النبوى»، وهو أحد الضبّاط الذين شاركوا فى حرب أكتوبر وكتيبة الدفاع الجوّى التى كان هدفها استهداف طائرات العدو والتصدّى للهجمات الجوّيّة المعادية.
كيف رأيتِ مشاركتك فى عمل وطنى عن حرب أكتوبر؟
أرى أنّ الفنّ رسالة وليس مهنة لتحقيق مكاسب ماديّة أو أهداف شخصيّة، ولكن لا بدّ أن يكون له دور فى نشر الوعى والثقافة المجتمعيّة من خلال تقديم أعمال ذات رؤى وقيمة لصالح الوطن. ولذلك نجد أنّ الفنّ لا يقلّ أهمّيّة عن أى مجال آخر، بل بالعكس هو من أهمّ المجالات التى يجب توظيفها لخدمة الوطن والشعب، لأنّه موجود فى كلّ البيوت من خلال شاشة التليفزيون، ولذلك فهو قادر على نقل صورة مشرّفة وذات قيمة ومبادئ ثقافيّة معيّنة. ومن أهمّ هذه الأعمال هى الأعمال الوطنيّة التى تستطيع غرس الوطنيّة والانتماء للوطن واحترامه والحفاظ عليه من أى معتدٍ يمسّ أرضنا وجيشنا وشعبنا بسوء. وإنّ المشاركة فى هذه الأعمال واجب وطنى على الفنان، لأنّ من أولويّات الفنان أن يخدم وطنه ويحافظ على صورته المشرّفة أمام العالم أجمع. وهذا يأتى من خلال الفنّ الذى ينشر ثقافتنا ووعينا للمجتمعات الأخرى. وهذه مهمّة ليست سهلة، لأنّ الفنان يجب أن يكون مدركاً وواعياً بأنّه يحمل رسالة لخدمة الوطن.
جسّدتِ أمّ بطل من أبطال حرب أكتوبر، هل هذه الشخصية تختلف عن أى أمّ أخرى؟
شخصية «أم حسن» فى «حائط البطولات» أمّ عظيمة، رغم صغر مساحة الدور إلّا أنّها كانت قادرة على توصيل الكثير من المشاعر والأحاسيس لحظة معرفة إصابة ابنها أثناء المناورات الحربيّة، حيث إنّه أحد ضبّاط الدفاع الجوّى الذى تعرّض إلى إصابة خطيرة دخل على أثرها غرفة العمليات وكان بين الحياة والموت، وخاصّة أنّه كان «عريساً» احتفل بزفافه خلال إجازته من الجيش، فهو شاب فى مرحلة الزهور. وكان هذا الجانب الإنسانى للعمل، فكلّ جندى وضابط له علاقاته الإنسانيّة وحياته الخاصّة بعيداً عن مسئوليّته اتجاه بلده وحبّه لوطنه الذى بمثابة «دين عليه» لا بدّ من ردّه. فبالتالى تكون شخصية الأمّ هنا مختلفة، لأنّنى شعرتُ بالأمّ المكلومة مفتورة القلب على ابنها الشاب الوحيد الذى أُصيب فى الحرب، فكان هذا صعباً عليها تحمّله.
هل استطاع العمل توصيل المشاعر والأحاسيس الإنسانيّة للضبّاط والجنود تجاه حبّهم للوطن؟
بالفعل استطاع العمل توصيل كلّ هذه المشاعر والأحاسيس، لأنّه يعرض أيضاً الجانب الخفى من حياة الجنود والضبّاط وهو البعد الإنسانى وعلاقته بأهله وأولاده وزوجته أيضاً. فهناك حياة أخرى ومواقف يعيشها فى حياته اليوميّة، وهناك أفراد مسئولة منه، وهذا ما نجح فيه المخرج الرائع الذى يمتلك الخبرة والرؤية الإخراجيّة المميّزة الراحل «محمد راضى». فقد كانت أعماله تعرض كلّ الجوانب لحياة العسكريين والفدائيين للكشف عن الوجه الآخر لمن ضحّى بحياته من أجل حياة الوطن. فالتعاطف مع الجنود والضبّاط أمر طبيعى وصحّى لكى نشعر بكلّ المشاعر التى عاشوها وشعروا بها. فكان يعرض الجندى الذى فقد ابنه ولم يتأخّر عن أداء واجبه العسكرى لحبّه لوطنه، وأيضاً الضابط الذى أجّل زفافه من أجل مهمّته العسكريّة، والكثير من التفاصيل التى تجعل من العمل رسالة واضحة لحبّ الوطن.
ما الرسالة التى تودّين إرسالها لأمّ الشهيد؟
أودّ أن أقول لأى أمّ فقدت ابنها تحت أى ظرف من الظروف إنّها أعظم أمّ فى الوجود وأكثرهنّ صلابة وقوّة، لأنّها مرّت بابتلاء كبير وصعب على أى أمّ أن تتحمّله، ولكن هذه إرادة الله، فقد أخذ منها قطعة من قلبها لكى يعوّضها بالكثير من العطايا والنعم. وإنّها فى أعلى منزلة، فهى أمّ الشهيد الذى ضحّى بنفسه من أجل وطنه وكرامته، فهو شجاع لأنّه لم يسمح لأحد أن يحتلّ أرضه ويسلب منه كرامته وعزّته. فالمصرى دائماً شجاع ولا يستسلم أبداً.
هل لا بدّ من الإكثار من الأعمال الوطنيّة فى هذه الفترة؟
فى الحقيقة لا بدّ من الإكثار من الأعمال الهادفة فى العموم، سواء وطنيّة أو اجتماعيّة أو حتى كوميديّة. فلا بدّ أن يكون العمل يهدف إلى الكثير من المبادئ والقيم التى تفيد المجتمع. فالفنّ رسالة مجتمعيّة يمكن تقديم نماذج مشرّفة تخدم المجتمع من خلاله، فهو ليس لتحقيق الشهرة وأن تصبح شخصاً معروفاً على المستوى الفنّى، ولكن لتكون شخصاً مؤثّراً فى المجتمع يستطيع تقديم كلّ ما هو جديد ومشرّف لوطنه، ويكون واجهة مشرّفة لمصر والمصريين. فلا بدّ من الاهتمام بكتابة الأعمال الهادفة ذات قيمة وثقافة عالية، وقادرة على تطوير العمليّة الفنّيّة. فالقوى الناعمة لها تأثير إيجابى كبير فى المجتمع، ويجب المحافظة على تلك القوى من خلال تقديم أعمال ذات قيمة وقدر عالٍ من الثقافة والتوعية.
محمد راضى قبل رحيله: مصرى وافتخر
من أبرز تصريحات المخرج الراحل «محمد راضى»، صاحب الرؤية الإخراجية المختلفة، قوله: «الفيلم الحربى ليس ما يقدم فيه حروب ودبابات ومعدات حربية فقط، لكنه يعبر عن لحظات الحرب التى عاشها الجنود حتى حققوا النصر بروح تعطى دفعة للإنسان المصرى لكى يشعر بأن جنوده عظماء، وهذه لحظة تاريخية». وأكد راضى قبل رحيله أن أهمية العمل لم تفُت رغم مرور وقت طويل على إنتاجه، وأن الجماهير تشتاق لمشاهدة الفيلم.
كما ذكر أنه عاش فترة طويلة على الجبهة مع ضباط حرب الاستنزاف وأكتوبر لصنع فيلماً عن أبطالهم، ويشعر بأن هذه الإنجازات تستحق تسليط الضوء عليها لكى تتعرف عليها الأجيال القادمة. وأنه تم إشراف الشئون المعنوية بالمجلس العسكرى على الفيلم، وتمت الموافقة عليه، كما كُتب السيناريو تحت إشراف المشير محمد على فهمى قائد قوات الدفاع الجوى وقتها.
وعبّر المخرج الراحل عن فخره بعرض «حائط البطولات» على شاشات التليفزيون المصرى مواكباً ذكرى انتصار أكتوبر العظيم، مؤكداً أن قرار التليفزيون المصرى يستحق الإشادة، فهو «تليفزيون الشعب» الذى يمتلك الرؤية وتقدير الفن للأعمال الجيدة التى تحمل القيمة وتجسد بطولات عظيمة لشعب عظيم، منها ملحمة العبور ٧٣ التى مازالت حديث العالم والمراكز الاستراتيجية العسكرية العالمية.
وأضاف أن التليفزيون المصرى هو الجهاز الأهم فى وسائل الإعلام المختلفة، وصاحب الفضل فى عرض الكثير من الأعمال الفنية الوطنية عبر تاريخه الحافل.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...