لا تصدق أن السيد بدير عاش حياة واحدة، بل حيوات عديدة ربما سرية لا نعرفها، فكما منحته السماء وفرة فى بنيانه الجسدى منحته أيضاً حيوات غير مرئية،
لقد كتب للمسرح والسينما والإذاعة والدراما التليفزيونية بالإضافة إلى البرامج الإذاعية ومارس الإخراج والتمثيل فى عدد كبير من الأعمال الفنية فى السينما والمسرح والإذاعة، ناهيك عن مناصبه الإدارية العديدة، فمن يتأمل حياته والعدد الهائل من الإنجازات التى حققها لا يصدق أن هذا الرجل عاش حياة واحدة بل حيوات عديدة أو على الأقل حياة خاصة لكل فن من هذه الفنون. ومن يتأمل حياته «11 يناير 1915 - 30 أغسطس 1986» يدرك أنه مصنع مواهب يعمل بكامل طاقته ولا يتوقف عن الكتابة والإخراج والتمثيل والإنتاج، مصنع مواهب ذو قدرة عالية على الإنتاج، لم يتوقف أو يصيبه أى عطل بل ظل يعمل ليل نهار وفقاً لنظام صارم.
1
وأنا أراجع حياة السيد بدير فى ذكرى رحيله لم أكن أتخيل أن هذا الفتى الساذج - عبدالموجود ابن كبير الرحيمية قبلى الذى يضحك معه الجمهور حتى الآن - جزء أساسى من بنية المسرح والسينما والإذاعة، جزء أساسى من تاريخ هذه الفنون فى مصر، وطرحت على نفسى هذا السؤال: ماذا لو حذفنا دوره فى السينما المصرية وأقصد الأفلام التى كتبها أو التى أخرجها، دون شك سوف يتأثر تاريخ السينما، والأمر لا يختلف فيما يتعلق بمساهمته فى الإذاعة المصرية وأيضاً المسرح، هناك شخصيات وجودها ضرورى فى الحياة، شخصيات تركت أثراً عميقاً فى الحياة ومنهم السيد بدير الذى رغم رحيله ما زال يعيش بيننا.
بدأ السيد بدير هوايته الفنية مبكراً حين كان طالباً بمدرسة «رقى المعارف» بشبرا والتى حصل منها على البكالوريا عام 1932 ليلتحق بكلية الطب البيطرى، ليهرب من الطب إلى الفن لعشقه للتمثيل الذى صرفه عن الدراسة، وعمل مدرساً بالمدارس الابتدائية قبل أن ينتقل إلى وزارة العدل، كان بدير يتقن خمس لغات ساعدته فى أن يبدأ حياته مترجماً للأعمال الأدبية العالمية لتقديمها للإذاعة وأيضاً فى اقتباس مجموعة من الروايات العالمية وتمصيرها فى أعمال سينمائية مثل بائعة الخبز، وأيضاً مسرحية الفرنسى ساشا جيترى فى فيلم صاحب الجلالة على سبيل المثال، وحكى لى ابنه سامى بدير أن المكتبة الخاصة به كانت عامرة بالمؤلفات الأجنبية العالمية، وتم التبرع بها لدار الأوبرا بعد رحيله. ودون شك هذه المهارات فى الترجمة كان لها الأثر الأكبر فى ثقافته وتنوع مواهبه فى الكتابة والإخراج والتمثيل ومنحته القدرة على التعامل مع روايات متنوعة مصرية وأجنبية لتحويلها إلى أعمال سينمائية وإذاعية ومسرحية، وساهمت فى بناء مخيلته.
2
بدأ السيد بدير حياته مؤلفاً ومترجماً للإذاعة وكان من أوائل العاملين بالإذاعة الحكومية، ولم يقتصر نشاطه الإذاعى على الإخراج والتمثيل وكتب العديد من التمثيليات والبرامج الإذاعية وحقق برنامجه «ميعجبنيش» شهرة واسعة ونجاحاً كبيراً، وكان يقوم بكتابته واستمر عدة سنوات وارتبط به الجمهور حيث كان يتناول مشاكل المواطن اليومية من خلال بعض الآفات التى أصابت المجتمع مثل المخدرات والجشع، والطمع، والفهم الخاطئ للأمثال والسلوكيات الخاطئة محذراً الجمهور فى بداية البرنامج من خلال المجموعة التى تغنى أقرب إلى الكورس المسرحى «مايعجبنيش، مايعجبناش ولا يعجب حد مايعجناش ولا احنا كمان» أما البرنامج الثانى فكان برنامج «شخصيات تبحث عن مؤلف» الذى يتناول من خلاله فى كل حلقة مهنة معينة مثل المكوجى، الطرشجى، الممرضة، المدرس وهكذا ليضعها فى صورة درامية محاولاً تقديم خفاياها للمستمع، وكان يقوم فى هذا البرنامج بدور المخرج، ويكتب نص الحلقات مجموعة من المؤلفين. وبالفعل كان السيد بدير يقدس العمل الجماعى. وهذا يبدو واضحاً فى أعماله المتنوعة فى السينما والإذاعة على مستوى الكتابة وبلغت أعماله فى الإذاعة حتى بداية الستينات نحو 3000 تمثيلية وفقاً لقاموس المسرح. ومن نوادره فى الإذاعة أنه أقنع البكباشى أنور السادات بتسجيل البيان الذى ألقاه بعد يوليو 1952 فحين ألقى البيان الشهير قائلاً: بنو وطنى.. لم يتم تسجيله فى الإذاعة، ولذلك عاد بعد أسبوع بعد أن أقنعه «بدير» لتسجيل بيان الثورة للشعب.
3
انضم السيد بدير لجمعية أنصار التمثيل والسينما عام 1935 وكان عمره عشرون عاماً تقريباً وشارك فى عروضها إخراجاً وتمثيلاً وأيضاً أخرج فى أربعينات القرن الماضى مجموعة من أوبريتات المطربة ملك. ولكن اسمه ارتبط بمسرح التليفزيون الذى ولد بعد البث التليفزيونى فى عهد الوزير عبدالقادر حاتم، فقد كان لهذا الفنان دور كبير فى رعاية هذا الوليد الجديد والذى أثير حوله جدل كبير بين مؤيد ومعارض، ورغم هذا أنتج العشرات من العروض وقدم مجموعة كبيرة من شباب الفنانين للمسرح والسينما فيما بعد، وكان «بدير» عين مديراً لتمثيليات التليفزيون عام 1960، ثم مستشاراً لفرق التليفزيون المسرحية عام 1961 حيث أشرف فى تلك المرحلة على إنشاء فرق التليفزيون العشرة، وفى عام 66 تخلى عن منصبه بعد ضم فرق التليفزيون إلى مؤسسة فنون المسرح والموسيقى، لكنه واصل نشاطه المسرحى وبعد عام صار مديراً للهيئة العامة للمسرح والموسيقى، وأيضاً كان مسئولاً عن قطاع الفنون الشعبية حتى إحالته للمعاش عام 1974، وعلى الرغم من مسئوليته ومساهمته فى مسرح التليفزيون ومسرح الدولة بشكل عام إلا أن معظم أعماله قدمها للفرق التجارية، ومن أشهر أعماله للمسرح الحكومى «هاملت» لفرقة المسرح العالمى، ومسرحية «كورنيش إسكندرية» للفرقة الغنائية الاستعراضية ومجموعة من المسرحيات لجمعية أنصار التمثيل والسينما منها «المرأة بين جيلين وأبطال المنصورة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه»، وكان قد بدأ التعاون مع الفرق الخاصة مبكراً فى الخمسينات «حبيبى كوكو» لفرقة إسماعيل يسن وأعمال أخرى منها الست عاوزه كده - صاحب الجلاله - حرامى لأول مرة» وواصل نشاطه فى المسرح التجارى حتى عام 1985 قبل رحيله بعام ليقدم مسرحية «عائلة سعيدة جداً».
4
يحتاج السيد بدير وجيله إلى دراسة فيما يتعلق بغزارة الإنتاج وأيضاً فى المواهب المتعددة التى يحظى بها كل منهم بالإضافة إلى الإخلاص للفن، السيد بدير لا يمكن وصفه إلا أنه مصنع مواهب وهذا ليس من قبيل المبالغة بل هى حقيقة فمنذ سنواته الأولى فى مدرسة رقى المعارف وحتى رحيله كان يعمل وينتج، فكل الأحداث فى حياته كانت تتحول إلى مسرح وسينما وإذاعة، ففى المدرسة يشارك فى التمثيل، وحين كان يعمل فى بداية حياته بقسم الدعاية بوزارة الصحة قام بكتابة وإخراج أفلام قصيرة حول الأوبئة! وفى يونيو 1966 حين تخلى عن منصبه فى مسرح التليفزيون بعد أن تم ضم فرقه إلى مؤسسة فنون المسرح والموسيقى استأنف نشاطه فى السينما، وفى عام 1970 أشرف على تأسيس فرقة أمين الهنيدى.. فهو لم يتوقف عن العمل لحظة واحدة، حتى لو شارك بدور ثانوى كما حدث فى مشاركته فى مسلسل «برج الحظ» مع محمد عوض من تأليف لينين الرملى، وأيضاً مسلسل لا يا ابنتى العزيزة، فحياة السيد بدير رحلة فنية خالصة فإن لم يكتب يمارس الإخراج أو يمارس التمثيل أو يكتشف ويرعى النجوم، ففى فترة عمله مسئولاً عن فرق مسرح التليفزيون لمعت أسماء عديدة جعل منها نجوماً زاهرة فى سماء القاهرة ومنهم فؤاد المهندس، عبدالمنعم مدبولى، سميحة أيوب، أمين الهنيدى، شويكار، محمد عوض، أبوبكر عزت، حسن مصطفى، عزت العلايلى، نوال أبوالفتوح، ، نظيم شعراوى، عادل إمام، الضيف أحمد، وشهدت تلك الحقبة نهضة مسرحية سواء اتفق البعض أو اختلف معها. وللحديث بقية حول دوره فى السينما كاتباً وممثلاً ومخرجاً.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...