بعد مائة عام على رحيله.. جنازة فنان الشعب فى المسرح

إذا كان عبده الحامولى ومحمد عثمان قد بذلا جهداً رائداَ فى تأسيس موسيقى عربية شرقية، فقد كلل سيد درويش هذا الجهد بخلق موسيقى مصرية خالصة تعتمد فى ظاهرها على المقامات الشرقية وتنبع من الشارع المصرى بكل مفرداته؛

من معاناة الشعب وأفراحه وأحزانه ومن المأثور الموسيقى الشعبى الذى كان يردده الشعب بكافة طبقاته وطوائفه، فعلى مدى 31 عاماً عمر الفنان سيد درويش «مارس 1892 ورحل فى سبتمبر 1922» استطاع أن يحدث ثورة فى عالم الموسيقى الشرقية والتى بدونها لا نعلم ماذا كان سيكون حال الغناء العربى بكامله الآن! استطاع سيد درويش فى هذه الفترة القصيرة أن يكون فناناً لكل العصور وكل الطوائف وكل أطياف الشعب، ولا تكمن قيمته فى هذا فقط بل فى انتقاله بالغناء الشرقى من مجال التطريب إلى مجال تلحين المعانى لا الألفاظ كما كان متبعاً قبله، فكان يلحن معانى الكلمات ومدلولها. لدرجة أنه قال يوماً: أقدر ألحن الجورنال، وكان يستطيع أن يفعل هذا!

وكما كان سقراط أول من أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض من التفكير فى المطلق والأفكار الميتافيزيقية الكبرى إلى الإنسان.. هكذا سيد درويش، الذى خرج بالموسيقى من القصور الارستقراطية إلى الشارع المصرى حيث كان نبضاً صادقاً لمعاناة الإنسان.. فيمكن القول إن سيد درويش أول من نزل بالموسيقى من علياء الأرستقراطية ومزجها بروح الشعب، وربما كان هذا سر خلود سيد درويش كما كان سقراط أول الفلاسفة. والمتأمل لحياة فنان الشعب يجد أنه خرج من أعماق طبقات الشعب وعاش معاناتهم فى حى كوم الدكة بالإسكندرية والأحياء المجاورة وحين جاء إلى القاهرة انخرط أيضاً فى الأوساط الشعبية وعبر عنها فانفعل فى موسيقاه مع الشعب ولم يترك حرفة أو طائفة إلا وغنى لها حتى إنه غنى للسقاة والعربجية وبائعى اليانصيب والجرسونات والنشالين والحشاشين والجزارين والموظفين، فجاء هذا نتيجة طبيعية لفنان نشأ فى أحضان الشعب فكانت ألحانه لهم ومنهم فهو لم ينشأ كسابقيه فى قصور الملوك والباشوات الذين احتضنوا المطربين فغنوا لهم وغنوا ما يناسبهم، ولكن سيد درويش أول من ابتعد عن طبقة الحكام وكان هدفه هو الشعب، ومع هذا كان أيضاً مطرب وملحن الشعب بكل طبقاته.

ومن إضافات سيد درويش الرائدة أنه لم يكن يسعى إلى الطرب فقط بل كانت غايته أبعد وأعمق من ذلك، وهى التعبير الصادق من خلال المعانى التى يحملها اللحن، لينقل الغناء من التطريب إلى الغناء التعبيرى، وكان لسيد درويش دور وطنى عظيم فى ثورة 1919 بألحانه التى هزت القلوب وكانت بمثابة الحافز الوطنى وكانت أعماله بمثابة منشور ثورى، وليس هذا فقط فقد وقف إلى جوار مصطفى كامل ومن خطبته الشهيرة فى الإسكندرية التى حفظها الشعب المصرى واعتبرها المؤرخون من أعظم الخطب الوطنية والتى قال فيها «بلادى بلادى لكى حبى وفؤادى» وقد عهد سيد درويش بهذه الكلمات للشاعر يونس القاضى ليكملها وتصبح فيما بعد النشيد القومى للمصريين، هذا بالإضافة إلى دوره فى المسرح الغنائى حيث وضع ألحان عشرين مسرحية غنائية، أشهرها شهرزاد والباروكة والعشرة الطيبة وأغلبها ذات طابع وطنى وبعد ما يقرب من مائة عام على رحيله سيظل سيد درويش خالداً بموسيقاه لأنه عرف خلال هذه الفترة القصيرة أن يصنع خلوده.

فاجأنى أسامة حلمى فى مهرجان دى كاف فى دورته الثالثة عشرة بهذا العرض التفاعلى الذى قدم من خلاله محطات من حياة وأغانى سيد درويش تحت عنوان «أنا عشقت» حيث يدخل الجمهور إلى فضاء العرض ليجد مكتباً ومصباحاً ذا ضوء خافت، وكتب فى المنتصف، وإلى اليسار طاولة عليها فونوغراف وأسطوانات، وإلى اليسار جهاز آخر ببكرتين، يدخل أسامة حلمى وهو موسيقى يشرح للجمهور حكايته مع المقتنيات التى قادته إلى عوالم مدهشة، فى حياة سيد درويش، ففى كوم الدكة الحى الذى ولد ونشأ فيه هذا الموسيقار عثر على ظرف به صور على نيجاتيف لجنازة سيد درويش وحين تأمله وجد أن خمسة أشخاص حضروا جنازته، فتوقف كثيراً أمام هذه الصورة، والسبب معروف لأن رحيله تصادف يوم وصول سعد زغلول من المنفى وتقريباً انطلق العرض من هذه النقطة... على مدى ساعة تقريباً بين الحكى والاستماع إلى أغانى سيد درويش، من خلال بنية اعتمدت على السرد والغناء، حكايات عن محطات فى حياة سيد درويش، ومعها أغانٍ، وغالباً كانت حكايات حول الأغانى، بالإضافة إلى حكاية موته وأسبابها التى تباينت، أقام أسامة حواراً مع الجمهور الذى غنى معه أغنية الحلوة دى قامت تعجن التى لحنها سيد درويش لفتحية أحمد.

العرض أقرب إلى لقطات سريعة، فلاشات متفرقة من هنا وهناك حول حياته أو قُل بعض المحطات المثيرة، ويبدأ من زكى طليمات الذى التقى سيد درويش مرتين؛ الأولى حين كان يغنى بين المشاهد فى مسرح سلامة حجازى وكيف نفر منه الجمهور وهاجمه وهو يغنى لهم دور «ضيعت مستقبل حياتى» والثانية قبل موته فى مطعم حين دخلت سيدة أنيقة ونظرت إليه وقالت الشاب الأسمر ده شبه سيد درويش وحين نظر إليها سخرت منه وقالت بيبص لى وكأنه الشيخ سيد؟ أسلوب الحكى لا يخلو من السخرية ومحاولة إضفاء طابع كوميدى، اهتم العرض بنساء سيد درويش وخاصة جليلة أم الركب وحياة صبرى، والعرض يبدأ ونحن نستمع إلى أغنية أنا عشقت بصوت سيد درويش.

أسامة يؤدى ويحكى ويغنى ويتفاعل مع الجمهور ويستمع معه إلى أغانٍ نادرة لسيد درويش، تسجيلاً نادراً لدور «على قد الليل ما يطول» من أوبريت العشرة الطيبة؛ الأغنية التى تم تهذيبها. فبدلاً من شفتى بتاكلنى أنا فى عرضك خليها تسلم على خدك، فترد تنك سارح ما شبعتش من ليلة امبارح.. أما دى حتة كانت ليلة فى غاية الرقة.. والشائع الذى يذاع مهجتى فى إيدكى أنا فى عرضك خليها يا روحى أمانة عندك؟ بالإضافة إلى مجموعة من الأغانى النادرة لفنان الشعب، مثل.. والله تستاهل يا قلبى لحياة صبرى، ودويتو «على قد الليل ما يطول مع نفس المطربة، وأغانى أخرى بصوته «مصطفاكى بين إيدكى، ضيعت مستقبل حياتى، أنا عشقت، والحلوة دى قامت تعجن» التى غناها مع الجمهور.

ويسرد أسامة ويناقش الجمهور فى أسباب موت سيد درويش.. هل بسبب المخدرات أم قتله الإنجليز أم.. ؟ ويحكى عن مقال لصلاح عبدالصبور الذى أشار فيه إلى موته بالمخدرات ورفع محمد البحر قضية على صاحب المقال، ويشير أيضاً إلى ما ذكره كمال النجمى فى كتاب تراث الغناء العربى، حول ما كتبه لطفى جمعة فى مقابلة عن سيد درويش ونشرت 1937، وما روته المرحومة ملوك أم سيد درويش عن سبب وفاته أنه سافر إلى الإسكندرية، واجتمع فى إحدى ضواحى الرمل بامرأة كان يحبها فشرب وطعم ثم حقن نفسه بحقنه كبيرة من المورفين وشم مقداراً كبيراً من الهيروين والكوكايين، وكان الأطباء قد نهوه عنها جميعاً فأغمى عليه ولم يفق من غيبوبته، ونقل من مجلس الأنس جثة هامدة، ولم يقتله أحد الباشوات كما زعموا... وقد عدت إلى الكتاب بعد أن شاهدت العرض وقرأت ما ذكره كمال النجمى على لسان لطفى جمعة وهو أخ سيد درويش فى الرضاعة وكان يحبه، وثمة حكايات شيقة ومثيرة خاصة عن المخدرات والصيدلى قسطندى عيسى فى شارع قصر النيل بالقاهرة الذى كان يستغل الفنانين وانتهى نهاية سيئة تليق به.

وفى نهاية العرض يخاطب أسامة حلمى الجمهور ويسألهم أن ينظروا فى المرآة خارج المسرح لمشاهدة صور جنازة سيدة درويش لنشارك جميعاً فى الجنازة التى حضرها خمسة أشخاص عام 1923 وقد علق إلى جوار الصور منشوراً جاء فيه: «عندما مات سيد درويش فنان الشعب وصانع أكثر أغانيه شعبية وقتها فى الخامس عشر من سبتمبر 1923، حسب ما يقول أغلب المؤرخين لم يحضر جنازته إلا بضعة أشخاص، حيث انشغل أغلب الناس فى الإسكندرية باستقبال سعد زغلول زعيم الثورة العائد من المنفى، الزعيم الذى خلده سيد فى أغانيه وعاد إلى الإسكندرية ليكون فى استقباله لكن الموت كان له رأى آخر. وبعد مائة عام أعثر بالصدفة على صورة للجنازة، وأشعر وأنا أشاهدها على النيجاتيف الزجاجى أو بعد تحميضها وكأن الزمن لا يرغب أن يشهد الجنازة تلك القلة فقط، كأنى حين أنظر إلى الصور، أحضر الجنازة بنفسى، وكأن كل مشاهدة للصور مشاركة فى حضور الجنازة الصغيرة للفنان الكبير، مشاركة المحبة التى يستحقها. العرض أقرب إلى محاضرة شيقة بالصور والأغانى والحكايات عن سيد درويش، مثيرة، ليخرج الجمهور ويقف أمام الصور ليؤدى واجب العزاء فى فنان الشعب، وبالفعل وقفت أمام الصور وشعرت أننى أؤدى واجب العزاء.

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منيب

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص