ظلت الموسيقى منذ تحريرها على يد سيد درويش ورفاقه الأوائل الذين أكملوا المحاولات الأولى لمحمد عثمان والشيخ المسلوب والحامولى،
تدور في فلك قريب من "الاحتلال" لم تخرج من سياقه بشكل كامل.. فقد أراد سيد درويش ان يمنحها مصريته، لكنه في الوقت نفسه راح يبحث عن سر التجديد لدى محتل آخر.
ترك درويش الأتراك وموسيقاهم، وراح يفتش في "الشام" وفى موسيقى أهل اليونان والطليان كذلك.. ما دفعه إلى هؤلاء هو وجود جاليات أجنبية كبيرة في الإسكندرية.. وعندما جاء للقاهرة وجد ضالته في "المسرح"، لكن تجربته لم تصل إلى مداها، وظلت محاولات درويش العظيمة في حاجة لمن يكمل ما بدأ.. لكن الاحتلال الإنجليزي الذي حل بديلا للاحتلال التركى لم يمنح من جاءوا بعد درويش الفرصة.. راحت الموسيقى تفتش عن "زبون" جديد يدفع لهم ثمن سهراته... ووقع كثيرون فى فخ تقليد الموسيقى الغربية إلى حد الاقتباس مثلما فعل عبد الوهاب.. وظلت فكرة وجود موسيقى مصرية في طور المراوحة... حاول زكريا أحمد لكن اتجاهات المشايخ كانت هي .
السكة الوحيدة التي يعرفها .. وحاول محمد فوزي ومحمود الشريف.. وبلغت الذروة في أعمال بليغ حمدى والموجى وكمال الطويل.. لكن هؤلاء جميعا وقعوا فى أسر أم كلثوم".. كانت هي البوصلة الموسيقاهم.. سطوة تأثيرها وتأثير رواد حفلاتها من "الأعيان" وكبار التجار شكلت الذائقة المصرية طيلة النصف الأول من القرن الفائت.
وفي اللحظة التي كان يبحث فيها "ضباط" حركة يوليو عن صيغة مصرية" لحكم بلادهم، كان نفر قليل من الموسيقيين المصريين يحاولون أيضا البحث عن "نغمة" خاصة.. لكن الفكاك من أسر أم كلثوم لم يحدث مرة واحدة رغم اتهامها مع عبد الوهاب بمناصرة الملك والغناء للرجعية.
ظلت موضوعات الغناء المصرية حتى منتصف ستينيات القرن الماضي تدور في الفلك ذاته باستثناء ما فرضته تغييرات المرحلة في سياق الأغنية الوطنية والشعبية تحديدا.. وقتها ولأسباب سياسية صرفة جاء مشروع زكريا الحجاوي للبحث عن الغناء الشعبي المصري"... وكانت بداية ظهور نغمة نوبية اسمها أحمد منيب.
في دايرة الرحلة
الحاج أحمد منيب.. اسمه الحقيقي أحمد محمد صالح.. ولد في النوبة القديمة في 6 يناير عام 1926 .. وظل هناك لمدة 15 سنة ينهل من أنغام "الطنبورة" ذات السلم الخماسي.. وإيقاعات لا يعرفها المهووسون بالغناء الشرقي.. لكنه وجد ضالته في آلة العود.. تلك التي قربته إلى ثقافة المصريين في الشمال ومنحته مساحات أوسع من "الثقافة الموسيقية الأفريقية".. وعندما قررت حكومة الثورة تعلية خزان أسوان رحل مع أسرته إلى الإسكندرية التي منحه براحها "ثقافات أخرى" أكبر.. ورافق هناك ابن سيد درويش محمد البحر وغنيا فى سهرات وليال سكندرية كثيرة. ولأن أسرته لم تكن تحبذ العمل بالفن" مثل معظم أهالينا فقد طرده والده من المنزل، فنزل إلى القاهرة عساه يجد حلمه.. عمل في مصنع الحديد والصلب موظفا بسيطا.. وفى ليالي عابدين راحيفتش عن موسيقى "الحارة".. وكان أن التقى الحجاوي في بداية مشروعه الموسيقى، وطاف معه ريف مصر من شمالها لجنوبها، وهو ما أكسبه خبرات موسيقية إضافية جعلته يتوصل إلى بوصلته ليمزج بين موسيقى الشرق والغرب... الشمال والجنوب في "نغمة واحدة".
وقتها .. التقى شاعره الأول محیی الدین شریف الذي كتب أغنيات مختلفة عما كان سائدا في النوبة من ناحية، وفى الإذاعة من ناحية أخرى.
الاثنان.. أرسلا لعبد الناصر يطلبان منح الغناء الجنوبي الفرصة ليطل على الناس من الإذاعة .
فكان أن منحهما عبد الناصر وقتا في إذاعة وادى النيل.. وخصص لهما برنامجا اسمه "من وحى الجنوب".. وظل يعافر حتى جاء الرئيس السادات إلى سدة الحكم.. وانطلق حيتان الانفتاح.. رحلت أم كلثوم وعبد الحليم وتوارى عبد الوهاب أمام
سطوة موسيقى السداح مداح" والكاسيت الذي حمل مطربيه إلى كل شبر في مصر وفي مقدمتهم عدوية...
ولم يجد منيب فرصته أو نفسه.. فقرر السفر إلى الخليج مع كثير ممن قرروا مغادرة البلاد للبحث عن الرزق في مكان آخر.. لكنه لم يستطع البقاء طويلا وعاد إلى القاهرة مجددا.. ليعمل موظفا في البنك العربي الأفريقي...
أنا اللي جايلك من باكر
بعد انتصار أكتوبر.. كان الشاعر عبد الرحيم منصور هو "الأشهر".. هو شاعر النصر بامتياز... فهو صاحب بسم الله" و"ع الربابة".. و"عبرنا الهزيمة".. لكن أحدا لم يلتفت إليه باعتباره صاحب "نغمة" مختلفة.. وكان هناك "والد الشعراء" فؤاد حداد المسحراتي الذي أيقظ عالمنا العربي من غفوته.. وكان هناك سيد حجاب العائد من سفر وتوهة وغربة حيث راح يفتش عن هندسة مختلفة لأشعاره في سويسرا، وعاد ليبحث عن دراما ومسرح مختلفين هؤلاء إلى جوار صلاحجاهين الذي تمرد على اكتتابه" بالفناء لزوزو.... وسيناريوهات مبهجة يكتبها السينما.. وفوازير يكتبها للإذاعة.. ومع كل هؤلاء جيل جديد يرفض البقاء في عباءة عبد الوهاب وحليم.
التقى منيب كل هؤلاء ووجدوا في موسيقاه المصرية" التي يبحثون عنها.. فكانت أغنياته الأولى.. قبل أن يجدوا ضالتهم في صوت محمد منير وآخرين لتبدأ رحلة الأغنية البديلة.. وأحد أهم مؤسسيها هو أحمد منيب.
ربك رب قلوب
كل من عرف أحمد منيب يعرف طيبته النادرة. زرته في بيته عندما جئت للقاهرة أول مرة.... استقبلني وكأنه يعرفني منذ سنوات قالت في بيته لخمس ساعات أكل وشربت وسمعته وهو يعني على العود ثم عدت لقريتي و جامعتي أغنى لزملائي بعضا مما سمحت لأحدهم يحفظون ما لحن لمحمد منير وعلاء عبد الخالق هذا الرجل الذي كان يعنى بقلبه صار هو قبلة كل من يريد لحنا مختلفا في ثمانينات القرن الماضي، ليشكل مع جيل جديد من أهل الموسيقى أهم تجارب الغناء المصرى قبل أن ينتكس مجددا في بداية القرن الجديد
أجيلك من ورا الأحزان
كلمات أغنية منيب بسيطة.. ونغمته كذلك خالية من أي زخارف وعرب وافتكاسات تركية جملة تشبه أعواد القمح في شتاء الصعيد.
"الدنيا برد
وعم خليل بيسفى الورد
یا ناس سيبوني لا تعطلوني
وتعالوا بكرة يا نور عيوني
اديكو وردة أوراقها فاردة
أما النهارده.. الدنيا برد
یا ناس شقايا.. من أجل غاية
عاوز قلوبكم دايما معايا
عشان أشقر
ع الورد وأقدر
وأفضل مشمر.. والدنيا برد.
ما أجمل فؤاد حداد وهو يعني وكأنه يصف الحاج. أحمد منيب نفسه فيما يردد أطفالنا الكلمة ذاتها والنفعة نفسها ..
يا عم قلبك الأخضر جمعنا
والناس تحبك لألف معنى
شجر بتزرع .. وشوك بتقلع
وتغنى تسمع.. والدنيا برد.
غنى أحمد منيب اسنوات طويلة هو الذي دعا مع فؤاد حداد "تعال تلضم أسامينا.. وهو الذي غنى خطى اللي خلفك قدامك.. تلقى البلد عامرة الليلة".
إنه الحدوثة المصرية التي حاولت وصنعت موسيقى مصرية خالصة، لكننا لم نعرف بعد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...