ظواهر مسرحية جديدة أسئلة حول استقلال المسرح.. أسئلة حول المعارك الوهمية!

فى السنوات الأخيرة، طرأت ظواهر جديدة على المسرح المصرى، ليست الظواهر المسرحية التى تحدث عنها الدارسون

 والتى استفاد منها الرواد الأوائل فى القرن التاسع عشر مثل الأراجواز وخيال الظل، والبابات التى كتبها ابن دانيال، وأيضاً «المحبظين» و«الحكواتى» وغيرها من الظواهر التى اعتبرها الرواد مادة جيدة لمسرح عربى، بل الظواهر التى أتحدث عنها فى السطور التالية، أهمها أن المهرجانات أهم من العروض المسرحية، وأن الجوائز والسعى إليها أهم من العروض المسرحية أيضاً، وأن تقديم العروض ليس شرطاً أن يكون للجمهور.. والظواهر جميعها تؤكد أن العرض المسرحى فى آخر قائمة الأولويات!

1-

قديماً لم يكن هناك مهرجانات للمسرح، كانت هناك عروض مسرحية عديدة تستمر شهوراً أو ربما سنوات، كانت الفرقة الواحدة تنتج عرضاً كل شهر تقريباً، كانت تحقق ربحاً كبيراً، كانت تسافر داخل مصر فينتظرها الأهالى ويحتفلون بقدومها، كانت الفرق تطوف المدن المصرية والعربية، تركب البحر إلى أوروبا لتقديم عروضها للجمهور فى كل مكان، واليوم لدينا مهرجانات وليس لدينا عروض تسافر أو تقيم، فالمخرج لا بد أن تدفع له وزارة الثقافة راتباً شهرياً إذا كان مسئولاً وإذا أخرج عرضاً مسرحياً دفعت له ميزانية كبرى، وأقامت له مهرجاناً، وإذا لم تمنحه جائزة هاجمها وراح يكيل السباب والاتهامات للجنة التحكيم وإدارة المهرجان، فيجب على وزارة الثقافة أن تنتج العرض وتدفع للمخرج والمؤلف والممثلين وكل عناصر العرض المسرحى، وليس شرطاً أن يشاهد العرض الجمهور، أعداد قليلة تكفى، ليس شرطاً أن يكون جيداً على المستويين الفكرى والجمالى.. وفى المرحلة الثانية يجب أن يشارك العرض فى مهرجانات وزارة الثقافة ويحصل على جائزة إذا أمكن، بل ويفضل أن يسافر إلى مهرجانات أخرى ليحصل على جوائز ومنح وهدايا، فهل هذا المخرج أو ذاك إذا منحته وزارة الثقافة المسرح دون مقابل وطلبت منه فقط أن يدفع رواتب الموظفين وفواتير الماء والكهرباء الخاصة بالمسرح ويقوم بإنتاج العرض ويدفع أجره وأجر الممثلين ومهندس الديكور والملابس والدعاية، وخلافه... فهل سيوافق على هذه المغامرة؟ ما أقصده: هل يمكن أن يعتمد المسرح فى إنتاجه على قدرته على تحقيق الربح والتواصل مع الجمهور من خلال تحقيق المعادلة الصعبة، أى تقديم عمل مسرحى جيد على المستوى الفنى يتواصل معه الجمهور ويحقق على الأقل الاكتفاء الذاتى مادياً فى تغطية تكاليف العرض، دون الاعتماد على ميزانية تمنحها وزارة الثقافة؟ لقد عاش المسرح قبل خمسينات القرن الماضى مستقلاً دون مؤسسة رسمية، وقدم مسرحيات وطنية ساهمت فى مناقشة قضايا المجتمع وأسئلة اللحظة الراهنة دون أن يتخلى عن القيمة الفنية، فلماذا أصبح المسرح ضعيفاً مثل طفل يحتاج من يرعاه، وأقصد لا يستطيع الاعتماد على نفسه أو لماذا فقد القدرة على أن يكون مستقلاً؟

2-

ومن ناحية أخرى لم تعد المعارك المسرحية تدور رحاها حول الاتجاهات المسرحية المعاصرة وقضايا التراث، حول القديم والجديد، حول أساليب الأداء التمثيلى، معارك حول توظيف التراث الشعبى، والظواهر المسرحية، كانت أسئلة وحوارات وجدل يدور ولا ينتهى حول علاقة المسرح باللحظة الراهنة وأسئلة الواقع، وعن الجمهور وأعداد المشاهدين، فهل أقبل الجمهور على المسرح أم هجر الجمهور المسرح؟ أسئلة حول هوية المسارح بما يتوافق مع الغرض من نشأتها، فلماذا يقدم القومى كلاسيكيات المسرح العالمى والريبرتوار وأى نوع من الريبرتوار يناسبه؟ وهكذا الطليعة والحديث والشباب ومسرح الثقافة الجماهيرية، كانت المعارك تدور رحاها حول مسرح الدولة والمسرح المستقل؛ أيهما أحق بالرعاية وأسئلة عديدة لا تنتهى حول جوهر العملية المسرحية منذ أن أقام يعقوب صنوع مسرحه فى عام 1870 وامتدت الأسئلة عقوداً وسنوات حتى العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين لتختفى مؤخراً هذه الأسئلة ويحل محلها معارك حديثة ومعاصرة حول الجوائز والمهرجانات واللجان، وفوضى الإداراة المسرحية، وتختفى تماماً الأسئلة المتعلقة بالعملية الفنية، المعارك تدور وتشتعل، فقط حول أمور تتعلق بالإدارة المسرحية فى شتى القطاعات... لماذا؟ وظنى أن هذا سؤال يلخص ويعبر بقوة عن حال المسرح المصرى فى هذه المرحلة.

والسؤال: لماذا الجدل حول المشاركة فى المهرجانات ونتائج اللجان والجوائز هى الأبرز على الساحة المسرحية منذ سنوات؟ وظنى أننا لو أحصينا عدد المعارك الصغيرة والكبيرة التى أثيرت حول الجوائز والمهرجانات فى السنوات الأخيرة لاحتاجت كتاباً ضخماً لتسجيلها! ودون شك البعض ممن يثيرون هذه الأسئلة لديهم الحق ويشعرون بالظلم، والبعض يعتقدون بالخطأ بأنهم على حق، وهذا أمر طبيعى، ولكن الخلل المؤكد يكمن فى إدارة العملية المسرحية، ليس فقط فى طبيعة المناصب وطبيعة المسئولين عنها، وعدم وجود معايير واضحة، وخاصة المعايير الفنية، بل الهيكل الإدارى الذى شاخ وأصبح لا يتناسب وطبيعة العصر، يحتاج الهيكل الإدارى فى مسرح الدولة إلى مراجعة.. نحدد من خلاله ماذا نريد من مسرح الدولة، أى الهدف منه، فهل كما هو شائع، الضحك والتسلية أم أنه من المفترض أن يساهم فى تنمية الوعى والارتقاء بالذائقة وطرح أسئلة الواقع، ووفقاً للأهداف سوف نحدد مواصفات المسئولين أى ما هى مواصفات رئيس البيت الفنى للمسرح، وما هى مؤهلات مديرى المسارح على سبيل المثال..

3-

والنتيجة أن الجمهور، أى الشعب المصرى، لم يعد يعرف شيئاً عن المسرح وبالتحديد ما نسميه نحن مسرح الدولة؟ نحن فى مصر ما يزيد على مائة وأربعة ملايين نسمة وفقاً لإحصائيات عام ٢٠٢٢ وهذا العدد يمثل فقط المصريين المقيمين فى مصر بخلاف المهاجرين إلى بلاد أخرى وأيضاً ملايين العرب المقيمين فى مصر، فكم من هؤلاء يذهب إلى المسرح، لا أظن أن نسبة واحد فى المائة تعرف عنه شيئاً، أو حتى بضعة ألوف، فالسواد الأعظم من المصريين وخاصة الأجيال الجديدة لا تعرف إلا المادة المضحكة التى تقدمها الفضائيات وتسميها مسرح مصر أو تياترو مصر أو أى اسم آخر وتحاول أن تلصق به صفة المسرح، هذا ما يعرفه الجمهور. وغالباً حين تذهب إلى المسرح سوف تشاهد الجمهور الذى تعرفه من المسرحيين، وأصدقاء فريق العمل وإذا ضَل أحدهم طريقه سيكون من أجل نجم سمع عنه أو يعرفه..

4-

لم يعد لدينا جمهور للمسرح وهذه حقيقة، ومن يذهبون إلى المسارح سوف تكون الزيارة ليس للمتعة أو محبة المسرح أو بحكم العادة فهذا لا يحدث إلا قليلاً! فمن سيذهب إلى المسرح ستكون زيارته غالباً لأغراض عملية... وهذه الظاهرة بدأت منذ سنوات، بل منذ عقود ولم يلتفت أحد، أو قُل لم يهتم، ففى تسعينات القرن الماضى كان المركز القومى للمسرح يقدم مع إحصائية العروض أعداد المشاهدين فى كل ليلة عرض، وبالطبع توقفت كثيراً أمام الأرقام التى كانت مخزية أو هكذا كنت أظن إلى أن عشت هذه الأيام التى اختفى فيها الجمهور والمسرح معاً وبالطبع منذ سنوات لم يعد المركز القومى لتقديم هذه الخدمة، أى إحصاء الجمهور وليالى العرض.

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص