أشرف عبدالغفور.. رحيل شاهد على مسرح الستينات

فى حادث سير رحل الفنان أشرف عبدالغفور مساء الأحد الماضى عن عمر ناهز 81 عاماً ودون شك ما قدمه أشرف عبدالغفور للمسرح والإذاعة،

 والدراما التليفزيونية والسينما ليس فقط يشهد على تاريخه الناصع، ومواهبه النادرة بل على حقبة مزدهرة.. الفنان عبدالغفور محمد قبل أن يعرف باسم الشهرة أشرف عبدالغفور الذى بدأ مشواره المسرحى الاحترافى بعرض «جلفدان هانم» ثم توالت أعماله التى تدل على وعيه وأنه مثقف من طراز خاص «سليمان الحلبى - النار والزيتون» لألفريد فرج، «موتى بلا قبور» لجان بول سارتر «وطنى عكا» لعبدالرحمن الشرقاوى، «مصرع جيفارا» لمعين بسيسو، «الملك لير» لشكسبير، «الساحرة - عودة رابعة» ليسرى الجندى، ومسرحية «المحاكمة»، هذه الأعمال فى المسرح على سبيل المثال وكلها تشى بوعيه بفن المسرح.

أسعدنى الحظ بالعمل مع الفنان القدير فى مناسبات عديدة، حيث رافقته فى عضوية لجنة المسرح عام 2012، وعملنا سويا ثلاث سنوات فى اللجنة العليا للمهرجان القومى للمسرح، ومنذ شهور وفى أغسطس الماضى رافقته فى لجنة تحكيم المهرجان القومى للمسرح فى الدورة 16 لنلتقى وفى حوار يومى لمدة أسبوعين حول عروض المهرجان، وفى تلك الأيام رحت أتأمل هذا الفنان الذى أتابعه منذ سنوات على خشبة المسرح فى أدوار صعبة معظمها باللغة العربية الفصحى، ليس شرطاً أن يكون دور البطولة، ولكن كانت كل أدواره علامة بارزة ومؤثرة بالإضافة إلى مشاركته فى الإذاعة المصرية والتى تحتاج إلى دراسة حول اختياراته وأسلوب الأداء وقدرته الفذة على أداء اللغة العربية.

ودون شك اختيارات أشرف عبدالغفور الذى تفتح وعيه فى حقبة الستينيات التى كان للمسرح فيها الكلمة العليا، وشهدت ولادة مجموعة كبيرة من كتاب المسرح، والمخرجين الذى عادوا من البعثات كان له الأثر الأكبر فى وعى هذا الجيل، ناهيك عن شخصية أشرف عبدالغفور التى توقفت أمامها كثيراً من خلال اختياراته الصعبة والتى لا تسعى إلى الشهرة كما يفعل السواد الأعظم من الممثلين، حيث اختار أن يكون متفرداً فى هذه الأدوار وخاصة التاريخية والدينية فقدم ما يقرب من مائة عمل دينى وتاريخى، «محمد رسول الله - الإمام مالك» وشخصية «سعيد بن جبير» فى مسلسل «عظماء فى التاريخ»، وأيضاً دور الخليفة العباسى «موسى الهادى» فى مسلسل «هارون الرشيد»، ودور الشيخ العز بن عبدالسلام فى مسلسل «أئمة الهدى»، بالإضافة إلى مشاركته المتميزة فى مسلسل القضاء فى الإسلام، ومسلسل عمر بن عبدالعزيز، وابن تيمية وعشرات الأدوار التاريخية الصعبة التى اختار أن يقدمها.

أشرف عبدالغفور الذى حصل على دبلوم المسرح عام 1963 شاهدته للمرة الأولى فى العرض المسرحى «الساحرة» تأليف يسرى الجندى وإخراج محسن حلمى مشاركاً سميحة أيوب البطولة وفى نفس العام 1994 شاهدته فى الليلة المحمدية لنفس المؤلف وإخراج عصام السيد وكنت أعرفه من خلال البرامج الإذاعية والدراما التى شارك فيها بتميز وكثافة توقفت أمامها كثيرا، وأذكر أننى حين التقيته للمرة الأولى قلت له أظن أنك قرأت نصف التراث العربى فى الإذاعة المصرية، فهو شريك دائم فى برامج التراث، ومنها على سبيل المثال البرنامج الأدبى «قطوف الأدب من كلام العرب» والذى يهتم بالتراث العربى الشعرى والنثرى بالإضافة إلى برنامج «كتاب عربى علّم العالم» وعشرات البرامج الأخرى وهذا ليس بالأمر الهين ويحمل أكثر من دلالة، أولها قدرته على الأداء اللغوى الذى يفتقده الكثيرون، وإخلاصه وحبه لهذا العمل الذى يجعله ينفق وقته فى برامج إذاعية أصبح جمهورها محدوداً، ناهيك عن الإمكانيات الخاصة التى يحتاجها الأداء الإذاعى الذى يعتمد فقط على الصوت! وهذه واحدة من ميزات هذا الفنان والتى أصبحت عملة نادرة.

أشرف عبدالغفور خريج معهد السينما وبرع فى أدوار عديدة فى مطلع حياته، ومع هذا توجه أو قُل اختار الانحياز للمسرح، وحصل على جائزة أفضل ممثل عن دوره فى مسرحية المحاكمة، من إخراج طارق الدويرى للأداء المتميز والخاص فى هذه المسرحية حيث أدى دور «برادى» المتعصب مع الفنان أحمد فؤاد سليم - دراموند- المستنير، وفى ذروة الحدث ينصب المخرج حلبة صراع بعد أن يفنّد دراموند محامى الدفاع الذى جاء متطوعاً للدفاع عن الحرية، وحق هذا المواطن فى طرح أفكاره ويصرخ فى وجه الجميع (كل ما أريده أن أعدل بين من يريدون أن يوقفوا الزمن وبين أن يضعوا جملاً من هواء العصور الوسطى فى دستور الولايات المتحدة) وبعد أن يسخر من هذا العملاق برادى أو السيد الفاضل، حين يسأل دراموند التلميذ، أتعتقد أن الجرار مذنب لأنه لم يذكر فى الكتب المقدسة؟ ويطلب من المحكمة خبيراً فى نظرية دارون وحين ترفض يطلب خبيراً فى الكتاب المقدس، وبالطبع ليس أفضل من برادى «أشرف عبدالغفور» محامى الاتهام! وبعد أن يحاوره فى الكتاب المقدس، ينتزع منه اعترافاً أنه لم يقرأ داروين، وأنه يهاجم ما لا يقرأ، ثم يسخر منه حين يجعله يقول أن الله يكلّمه! وكل هذا يدور فى حلبة مصارعة على خشبة المسرح، وهزيمة برادى هى هزيمة الرجعية والخرافة وانتصار العقل ويصف النص برادى بعد الهزيمة أنه يقف فى المحكمة مثل إناء مهمل، ودون شك دور «برادى» صعب ومركب ومر بمراحل متعددة فى العرض من القوة والزهو فى البداية ثم الخوف والقلق من الهزيمة أثناء المحاكمة، وأخيراً الهزيمة الساحقة والسقوط فى نهاية العرض، واستطاع الفنان أشرف عبدالغفور أداء كل هذه المراحل ببراعة، فهو من القلائل الذين يجيدون أداء الفصحى على خشبة المسرح، ليس الأداء اللغوى الصحيح، ولكن اللغة الفصحى تطيعه فى أدائها، فالعلاقة بينهما عميقة وقديمة، اكتسبها من خبرته الكبيرة وعشقه للدراما التاريخية وللغة العربية، وهذا الدور فى مسرحية المحاكمة ذكرته على سبيل المثال، وأيضاً لا يمكن نسيان دوره «غلوستر» فى مسرحية «الملك لير».

برحيل أشرف عبدالغفور يفقد المسرح المصرى شاهداً على نهضته فى ستينيات القرن الماضى وشريكاً أساسياً فى تاريخ ناصع. اختار أن ينحت لنفسة شخصية لا أظن أنها تتكرر كثيراً، فوداعاً أيها الفنان القدير والموهوب فأنت حالة استثنائية فى الأداء وما قدمته سيظل شاهداً على إخلاصك لهذا الفن.

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص