سوزان بريسو: كنت أحس دائمـا أن طـه يرانــى زواجى منه كفل لى قوة وحنانا ومحبة عشت فى حماها أكثر من نصف قرن لن أنسى وزير الثقافة يوسف السباعى حين بدأ مخاطبته بكلمة «أبى» لم أجد فى نفسى مرارة أبدًا بسبب آفته ليس معنى شكرى وتقديرى وإعجابى بكل ما كتبه الموافقة عليها جميعا
ولد الأديب الكبير طه حسين فى 15 نوفمبر 1889 بمحافظة المنيا، وكان ترتيبه السابع بين إخواته، فقد بصره بسبب رمد أصابه وهو صغير، أصر والده على إلحاقه بالكتاب، وبالفعل استطاع أن يحفظ القرآن الكريم،واطلع على معظم أصول ومفردات اللغة العربية، انتقل إلى الأزهر عام 1902، واشترك مع المبتدئين ثلاث سنوات، ثم تدرج ليشترك فى دروس المتوسطين فى الفقه والنحو فى الفترة من عام 1905- 1907، وبعد ذلك حضر الدروس مع الطلبة المتقدمين.
وفى 1908 التحق بالجامعة الأهلية، وكان أول المنتسبين إليها وحصل منها على شهادة الدكتوراه عام 1914 عن رسالته التى كانت بعنوان "تجديد ذكرى أبى العلاء" وبعدها أرسلته الجامعة إلى بعثة لجامعة مونبيليه فى فرنسا، وفى عام 1917 حصل على شهادة الليسانس فى الأدب من جامعة السوربون، بالإضافة إلى تمكنه من دراسة اللغة اللاتينية.
وفى عام 1919 حصل على شهادة دبلوم الدراسات العليا فى التاريخ.
عاد طه من فرنسا إلى مصر فعُين أستاذا للتاريخ اليونانى والرومانى بالجامعة الأهلية من عام 1919 إلى 1925، وعُين أستاذا للتاريخ بكلية الآداب من عام 1925 إلى 1928، ثم عين عميدا لكلية الآداب عام 1930، وبذلك كان أول مصرى يشغل ذلك المنصب، واستمر حتى عام 1944، ثم فى عام 1950 شغل منصب وزير المعارف لمدة عامين.. وعمل فى منظمة اليونسكو بباريس، ورحل عن عالمنا فى 28 أكتوبر 1973 بعد أن أثرى الثقافة المصرية والعربية بالكثير من المؤلفات والأعمال.. فى ذكرى ميلاده الـ 135 ننشر حوارا نادرا لزوجته "سوزان" عمره 48 عام نشر على صفحات مجلة الإذاعة والتليفزيون فى عددها رقم (2140 ) الصادر بتاريخ 20 مارس 1976 اجرى الحوار الكاتب "سامح كريم" والتصوير لبدوى إبراهيم فإلى نص الحوار..
فى الطريق إلى فيلا "دامتان"، حيث كان يسكن عميد أدبنا العربى مازلت أتذكر لقاءات طه حسين.. إحساسى بها مازال مستمرا، طه حسين يجلس بكل سنوات عمره أمامى.. فى ملابس منزلية بسيطة.. وقد أخفى يديه تحت قطعة من الصوف المطرز طالبا للدفء، يجلس بكل سنواته وصراعاته وكتبه، ويلوك فى فمه شيئا ما لم أدركه، ويحدثنى دون أن يلتفت إلى، فهكذا تعود طوال السنوات الماضية أن يتحدث إلى اللاشخص.. إلى الجميع.. وأن يحثه من الموضوعية فى رحاب الشك ارتبط دائما بنظرته إلى اللاشخص، كان يجلس وخلفه وأمامه صفوف متراصة من الكتب.. من المؤكد أنها ليست للزينة أو التصــوير.. فمن هـــذه الكتب أدرك الحقيقة، ثــم قــدمها لى وذلك وللآخرين..
أفيق من خيالاتى.. عندما تصفعنى الحقيقة المرة.. لقد تغير كل شىء.. الأستاذ العميد رحل ولن يعود.. وأنظر أمامى إلى هذا الشارع المتواضع.. الذى يتفرغ من شارع الهرم الطويل.. حقيقة الشارع متواضع إلا أنه مع ذلك يحمل تاريخا.. فكم من رجال الفكر والسياسة والأدب مروا به!! أنظر إليه فأجده وقد تغير تماما- وسبحان من لا يتغير-الأشياء كالإنسان دائما تتغير تسعد وتفرح، تشقى وتحزن وإلا فما معنى هذا؟
الشارع الذى كنت أشم منه شذى الفل والياسمين أصبحت لا أشم فيه غير رائحة طفح المجارى! والطريق المعيد إلى الفيلا والمعد للسير عليه فى الماضى: أصبح بحرا يفيض بالمياه الراكدة!! وحتى الفيلا نفسها التى عودتنا أن تكون بيضاء من غير سوء أراها اليوم وقد اكتسبت ألوانا أخرى حزنزا على غياب رجل عظيم!!
والحديقة التى كانت تحتضن المبنى مشرقة باسمه لم تعد لا مشرقة ولا باسمة!! كل شىء تغير لم يبق إذن غير هذه السيدة التى أقصدها قرينة طه حسين تلك التى قال عنها: "بأنها بدلته من البؤس نعيما، ومن اليأس أملا، ومن الفقر غنى، ومن الشقاء سعادة".
كان سؤال: "من أين أبدأ" يطرح نفسه..
هل أبدأ بما قاله هو عنها: "لم ييسر لى حب الكتب وقراءتها إلا امرأتى، هى التى حببت إلى القراءة، وهى التى يسرت لى القراءة فى اللغتين الفرنسية والعربية، وما يترجم إليهما من مختلف اللغات".
أو هل أبدأ بما قالته هى عنه فى أحرج لحظة.. لحظة الفراق الأبدى: "بقيت مع جثمانه وحدى نصف ساعة كاملة.. لكن أحسست بعدها أننى عبرت بحر الأحزان المضطرب إلى بر الحزن العاقل الممتد أبدا.. قلت لنفسى وأنا معه وحيدة.. ابنى لم يصل بعد، بنتى ما زالت فى الطريق إلى مصر.. ألم نبدأ للحياة وحيدين، وها نحن ننهيها وحيدين أيضا!!
أم هل أبدأ بما قالته عنها صحافة أوروبا فى الخمسينات: "إنها المرأة الوحيدة التى تخدم أمة كاملة" أى فرنسا" لا فى مصر وحدها.. بل فى الشرق الأوسط كله.. وأنها تفعل ما تشاء فى ثقافة مصر وتعليمها.."؟
تتوقف التساؤلات عند لقائى بها.. ولا يبقى إلا الإحساس بأننى أمام تلك السيدة التى وقفت إلى جانب طه حسين تكافح معه ومن أجله كل حجب الظلام أكثر من نصف قرن.
لكن اليوم أرى مسحة من الحزن تكسو ذلك الوجه.. بحيث لا تستطيع حتى ابتسامات المجاملة العريضة.. أن تخفى بعض المشاعر الحقيقية أقول لها: "قصدت رامثان" قبل أن أتم عبارتى تقاطعنى: "وكيف وصلت إليها؟ ثم تضيف: قالوا إنها ستحول إلى متحف ولكن كما رأيت.. لم يحدث شىء. والنتيجة أننا لا نستفيد منها كمسكن، ولا يستفيد منها الناس كتراث، ولا أدرى إلى متى ستظل على هذا الحال!!
لحظة من الصمت تخيم، بعدها أسأل السيدة التى أمامى عن ذكريات الفراق فترد: خلال هذه الفترة التى أعقبت وفاة طه حسين.. ظللت أفكر فى حياة طالت ستة وخمسين عاما تفكيرا لا يمكن أن يلخص فى سطور، ولا أن يسجل فى دقائق، وقد وجدت نفسى أحاول التعبير عما أحسست به، وبالتالى وجدت نفسى بدأت كتابا أرجو أن ينشر عن قريب، وستحاول صفحاته العديدة أن تجيب عن سؤالك هذا فى كلماته الموجزة القليلة.
أقول لها: وأول عيد زواج مر عليك دون وجود الزوج الحبيب؟
تصمت لحظة ثم تقول: "أذكر لك بعض ما سجلته من يوم 9 يونيو عام 1974، وهو يوم زواجنا وقد كان فى التاسع من شهر يونيو من كل عام، لقد كتبت فى ذلك اليوم عبارة طويلة بدأتها بكلمة أنا وحيدة لأول مرة!. ثم بكيت كثيرا.. ولكنى حمدت الله كثيرا أيضا لقد قضت قدرته بهذا الزواج الذى كفل لى القوة والحنان والمحبة.. وهى معان عشت فى حماها أكثر من نصف قرن من الزمان.
وســؤال الأصـــدقــاء والتــلاميـــذ، واهتمام الهيئات العلمية والثقافية بالزوج العزيز: هل لا يقدم بعضا من العزاء والسلوى؟
هكذا سألت قرينة الدكتور طه حسين ترد:"لقد كتبت فى ديسمبر عام 1974 بعد أن عدت من احتفالات جامعة المنيا واحتفالات جامعة الاسكندرية. ومن قبلهما احتفالات بعض الهيئات العلمية والأدبية.. وسمعت الحديث من العلماء والأدباء، من الشيوخ والشباب عن طه حسين.. لقد أحسست إحساسا أعمق بحزن لأننى أدركت إدراكا أكبر قيمة
لحظة تضيف بعدها: "وبالمناسبة لقد أثر التكريم الذى قدمته الدولة لطه حسين فى نفسى ونفوس أسرته الصغيرة المتمثلة فى أولاده وأقاربه وأسرته الكبيرة المتمثلة فى الأدباء والفنانين والعلماء وأساتذة الجامعة، لقد كانت أيام مؤتمر الذكرى التى قامت بها الهيئات الرسمية وعلى رأسها وزير الثقافة يوسف السباعى.. مناسبة سمعت فيها عن قرب صوت العالم كله من أوروبا إلى آسيا إلى أفريقيا .. ومن العالم العربى من المحيط إلى الخليج إلى مصر الرسمية والأكاديمية ومصر الأدباء والفنانين، ولا يمكن أن ننسى كلمة وزير الثقافة يوسف السباعى حين بدأها بمخاطبة طه حسين بكلمة "أبى"، وليس هناك متسع لكى أذكر كل من تفضل مشكورا وتكلم أو كتب،وقد حاول زوج ابنتى أمينة- الدكتور الزيات- أن يعبر عن ذلك فى كلمة الأسرة التى ألقاها فى المؤتمر، كالذى أود أن أذكره لك الآن هو أننى أحسست إحساسا عميقا.. بقيمة ما فقدت.. بقيمة الإنسان الذى عشت معه تحت سقف واحد أكثر من نصف قرن كزوجة كما قلت..
لحظة كادت تطول لولا أن قطعتها حين غيرت مجرى الحديث بسؤال عن آفتة وهل كانت حقا لها أثر فى حياتهما. بمعنى هل كانت تسبب له نوعا من التوتر؟
على الفور ترد: "لم يكن يتحدث عن ذلك مطلقا.. ولم أجد فى نفسه مرارة من ذلك أبدا، ولم يكن أحد يشعر أو حتى يظن فى أثناء حديثه إليه أنه كفيف.
لماذا؟
ربما كان لزيادة إحساسه وشفافيته".
لقد اعتدت حركاته حتى أصبحت لا أفكر فى ذلك.. كنت أحس وهو معى أنه يرانى.. على الرغم من أننى لا أستطيع بأى حال من الأحوال أن أتجاهل آفته الحقيقية.
كان يتمتع- بلا مبالغة- بقدرات خارقة قد لا يصل إليهما إنسان مبصر.. ويمكنك التحقق من ذلك.. إذا تتبعت وصفه للناس وللأشياء فى"الأيام" و"شجرة البؤس" و"جنة الشوك"، وأخيرا القصة التى نشرت منذ أيام والتى لم يتمها "ما وراء النهر".. وجدت نفسك بالفعل أمام إنسان مصر.. لدقته فى وصف التفاصيل والقسمات والملامح والأجزاء الدقيقة التى ربما يعجز عنها- حتى- المبصرون.
وذكريات - السيدة التى رافقت طه حسين فى رحلته الشاقة الطويلة حتى مرفأ الخلود- عن معركته ضد آفته، تجعلنى أسألها عن ذكريات المعارك التى خاضها هذا الرجل فى الجامعة أو خارجها.. فى الحياة الأدبية والاجتماعية والسياسية فى مصر.
تجيب: كما تعلم أن حياة طه حسين كانت كلها معارك متصلة وبالضرورة جرت عليه أو علينا هذه المعارك متاعب كثيرة.. ولا أستطيع أن أحدثك عن هذه المعارك وآثارها بسرعة ولا فى سطور أو صفحات.. إننى لو تحدثت عنها قائمة ينبغى أن يكون فى مجال متسع.. كأن تكون قسما هاما فى الكتاب الذى حدثتك عنه.. والذى أعده للنشر.. والذى أعدك بقراءة هذه الإجابة بتفصيل أكثر..
لأمر ما يلح على خاطرى هذا السؤال. السيدة العظيمة التى وقفت مع طه حسين أكثر من نصف قرن فى معارك متصلة. بماذا تنصح زوجات الأدبــاء والـمفكرين إن الرجال عموما يمــوتــون قبــل زوجــاتهــم وزوجات الأدباء والمفكرين أطول عمرا من كل الزوجات الأخريات..
لأول مرة تضحك كثيرا من هذه الصيغة أو التركيبة التى كونت بها سؤالى.. والذى يشبه إلى حد ما البلاغ أو البيان الرسمى ثم تقول: "ليس عندى نصائح لكى أقدمها لزوجات الأدباء والمفكرين ذلك لأن حياة كل شخص نموذج لا يتكرر، وبالتالى لا توجد نصائح ثابتة لكل الناس.. ولهذا أسباب عديدة منها:
كل رجل لا يطلب من زوجته نفس المطالب. هذا بصفة عامة.
لا يوجد رجلان من رجال الفكر أو الأدب متماثلان تماما، هل توجد امرأتان متماثلتان متشابهتان حتى يصلح ما تفعله الأولى للثانية؟
على المرأة عندما تجد نفسها أمام قدر معين أن تبحث فى ضميرها عن الصيغة المناسبة أو الأسلوب الذى تتحمل به أعباءها وتحيا به حياتها..
وأما عن كون زوجات الأدباء والمفكرين يعشن عمرا أطول- وهذا بالتأكيد لو حدث فهو لسوء حظهن- فلا تسألنى عنه، لأنه لو كان الأمر بيدى ما وددت الحياة بعد عشرة دامت ستة وخمسين عاما.
سألت قارئة طه حسين الأولى.. أو على الأقل قارئة أفكاره عن كتبه وأحبها إلى نفسها؟
قالت: سئلت هذا السؤال من قبل. وذكرت تأثرى بدعاء الكروان. إلا أننى أود أن أسجل بهذه المناسبة- إعجابى المزدوج بأعماله وأبحاثه.
أولا- لأننى قد عرفت إعجاب العلماء والكتاب والأدباء بقيمة هذه الكتب وتأثيرها
ثانيا- لأننى أعرف طبيعة العمل العلمى الأكاديمى وما يتطلبه من بحث وتحقيق ومراجعة مما يضنى الشخص العادى. وأعرف أن السبب الثانى مدعاة لمضاعفة إعجابى بأعماله.
والسؤال عن كتبه يجرنا بالضرورة إلى سؤال آخر عما كتب عنه بعد وفاته وما رأيها فيه؟
لقد كتب الكثير عن طه حسين.. فى بلاد كثيرة ولغات أيضا، ولقد تلقت الأسرة أخيرا طلبا من إحدى ولايات الهند لتترجم كتبه، وقد سمحنا بذلك بكل سرور. ولذلك فمن الواضح أننى لم أقرأ كل ما كتب عنه.
كما أن حياة طه حسين وأعماله موضوع للكثير من الدراسات والأبحاث والرسائل الجامعية فى مصر وفرنسا وغيرها، وقد حضر إلى القاهرة طالب من جامعة إيران قضى بيننا وفى بيتنا أياما كثيرة ليعد رسالة الدكتوراه عن طه حسين، وكذلك حضرت المستشرقة الفرنسية "كريستيان لاحوريث" لتحضر رسالة دكتوراه عن أدب "طه حسين" وهى تقيم فى القاهرة منذ شهور بالمعهد الفرنسى ومن الكتب التى ظهرت فى مصر.. كتب قام بتأليفها كتاب من مجلتكم "الإذاعة والتليفزيون"، وأذكر منهم ثروت أباظة، وأنت أيضا.
كل ما يمكن قوله فى صدد الحديث عن الكتابات التى ظهرت عن طه حسين.. هو أننى أقدر لأصحابها مجهوداتهم وأذكر لهم جهدهم هذا بالشكر والعرفان والتقدير، على أنى أضيف- بالضرورة- أنه ليس معنى هذا الشكر والعرفان والتقدير.. الموافقة على كل ما كتب عن طه حسين فى مصر أو فى الخارج وهذا أمر آخر..
اللحظات تنتهى بسؤال حول ما تطلبه قرينة الأستاذ العميد من الدولة أو من المفكرين؟
وترد: لا تنتظر منى أن أطلب شيئا من الدولة أو من المفكرين أو الأدباء، بل أنى أحيانا أعتقد أنه لا حق لى حتى فى الشكر، لأن ما تقوم به الدولة والمفكرون والأدبــاء مــوجـه إلـــى ذات الفكر والأدب والفــن وليس إلــى أسـرة طه حسين.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...
الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...
الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...
محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...