رجال واجهوا المستحيل بقيادة البطل عبد العزيز قابيل

شاءت المقادير ألا يرحل اللواء عبدالعزيز قابيل إلا وقد شاهد احتفالات مصر بمرور نصف قرن على أعظم انتصار مصرى فى العصر الحديث.

 

رحل البطل الذى قاد الفرقة الرابعة المدرعة فى حرب أكتوبر، وأسهم ورجاله البواسل فى تحطيم أحلام العدو الإسرائيلى وإفشال مخططه الرامى لاحتلال مدينتى الإسماعيلية والسويس.

هو القائد الفذ، الذى واجه بفرقته ثلاث فرق مدرعة إسرائيلية، فاستحق أن يمنحه الرئيس السادات وسام نجمة الشرف، وأن يسجل اسمه بحروف من نور فى كتاب "البحث عن الذات".

رحل اللواء أركان حرب عبد العزيز قابيل يوم 11 أكتوبر، عن عمر ناهز السادسة والتسعين، ولن ترحل وصاياه على مر الحياة.. فالسيرة أطول من العمر، والبطولة باقية ما بقى لهذا الوطن درع وسيف.

رحل الأب الروحى لفرقة "الصاعقة المدرعة" - كما كان يحب أن يلقبها - لكن حكمته العسكرية فى مجابهة المستحيلْ ستبقى متوارثة من جيل إلى جيل.   

واليوم.. نستدعى من الذاكرة حوارات قديمة مع اللواء قابيل.. ونبحث فى أوراقه الشخصية عن بطولات العسكرية المصرية وفى القلب منها بعض أعمال قتال الفرقة الرابعة المدرعة فى حرب أكتوبر المجيدة.

كنت قد التقيت اللواء أركان حرب عبدالعزيز قابيل للمرة الأولى قبل 15 عاما، وتكررت اللقاءات.. أحد تلك الحوارات كان عن قيادته للفرقة الرابعة المدرعة إبان حرب أكتوبر 73، والتى استحق عنها أن يُمنح وسام نجمة الشرف العسكرية.

قبل لقائنا الأول كنت قد جمعت عن اللواء قابيل ما تيسر من معلومات، ومن بينها ما سجله الرئيس السادات عنه فى كتاب "البحث عن الذات" بقوله:

"أعطيت الأمر الذى الذى أعتبره أهم من قرار 6 أكتوبر بألا ينسحب جندى واحد أو بندقية واحدة من شرق القناة، وأن علينا أن نتعامل مع الغرب (يقصد قوات العدو التى عبرت إلى الضفة الغربية أثناء الثغرة) حسب الأوضاع الموجودة، ثم بدأت أتصل بنفسى مع الفرقة المدرعة وكان يقودها ضابط اسمه قابيل، وهو بطل من أبطال حرب أكتوبر".

ثم عاد الرئيس السادات ليضيف:

"لن أنسى موقف الضابط قابيل لأنه وقف يناور بفرقة مدرعة واحدة فى المسافة بين السويس والإسماعيلية.. مسافة تحتاج لثلاثة فرق من الشمال إلى الجنوب حتى يثبّت الإسرائيليين فى الجيب".

هنا يكمن أحد دلائل قدرة اللواء أركان حرب عبدالعزيز قابيل.. والذى طلبت منه التعليق على ما كتبه الرئيس السادات عن بطولته، لكنه تجاوز التعقيب الذاتى مكتفياً بالقول: "إن ما ذكره الزعيم السادات مدعاة لكى تفخر الفرقة الرابعة ببطولات رجالها البواسل سواء فى تأمين عبور فرق النسق الأول للجيش الثالث الميدانى يوم 6 أكتوبر أو من خلال أعمال القتال الخاصة بتطوير الهجوم لتخفيف الضغط عن الجبهة السورية، أو من خلال ملاحم الدفاع عن مدينتى الإسماعيلية والسويس بعد يوم 16 أكتوبر وما تلاها".

ونعود لذكريات حوارنا مع اللواء أركان حرب عبدالعزيز قابيل الذى علق قائلاً: "عندما حدثت الثغرة جرى اتصال بينى وبين قائد الجيش الثالث الميدانى اللواء عبدالمنعم واصل، وتم إبلاغى بمهمتى فى التصدى للقوات الإسرائيلية وتدميرها، ثم جرى اتصال آخر مع المشير أحمد إسماعيل وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة الذى قال لي: "إن المهمة صعبة لكنك جدير بتنفيذها".. بل إن الرئيس السادات كان دائم الاتصال بى للتشاور حول مجريات سير القتال، وفى أحد الاتصالات قال لي: يا عبد العزيز مصر أمانة فى رقبتك. فقلت لسيادته: روحى وأرواح رجالى فداء لمصر يا سيادة الرئيس".

فى حوارى مع  اللواء قابيل حدثنى عن أمثلة من تضحيات الفدائيين من ضباطه ومن بينهم النقيب آمال الشحات، الذى قاد إحدى السرايا فأمكنه بالضرب المباشر أن يدمر دبابات العدو فى المنطقة الحصينة بلسان بورتوفيق، وكيف شارك مع أفراد المقاومة الشعبية فى الدفاع عن مدينة السويس يوم 24 أكتوبر.

أعطانى اللواء قابيل نماذج فدائية أخرى عن أعمال قتال الفرقة الرابعة ومن بينها كمثال دور الشهيد نور عبدالعزيز قائد أحد ألوية الفرقة الرابعة المدرعة والذى كان قد تقدم بجنوده لأبعد نقطة وصل إليها جندى مصرى فى ممر متلا بقلب سيناء أثناء تطوير الهجوم، فاستحق أن يُمنح نجمة الشرف.

ذكر لى اللواء قابيل اسم النقيب الشهيد عاطف عبدالباقى السيد، الذى تمكن ورجاله من تدمير 12 دبابة إسرائيلية فى اتجاه كمين محكم ضد أرتال العدو المدرعة التى حاولت دخول السويس ومُنيت بالفشل الذريع يوم 24 أكتوبر 73.

راح اللواء قابيل يتذكر المزيد عن بطولات رجاله، ومنهم المقدم صلاح مصباح قائد إحدى كتائب اللواء الميكانيكى للفرقة الرابعة، والذى تم تكليفه بتعطيل تقدم إحدى فرق العدو المدرعة نحو منطقة مطار كسفريت.. ولم ينس أيضا اسم الملازم سامح الذى كانت مهمته استطلاع قوات العدو خلف الخطوط، فنجح فى أن يمد قيادة الفرقة الرابعة بأدق تفاصيل تحركات أرتال العدو المدرعة، فاستحق أن يُمنح بعد الحرب وسام النجمة العسكرية.

وفى هذا الحوار الاستثنائى، أعطانى اللواء قابيل لمحات مضيئة عن الفرقة الرابعة المدرعة قائلاً: "كان تقدير قادة حرب أكتوبر لهذه الفرقة فوق الوصف.. ويكفى الإشارة إلى أن قوات العدو أثناء الثغرة كانت تتألف من ثلاث فرق مدرعة، منها فرقة شارون الذى كان حلم حياته احتلال مدينة الإسماعيلية أو السويس.. لكن بالإرادة والتدريب والتخطيط السليم أسهمت الفرقة الرابعة فى التصدى للعدو عبر دراسة سلبياته وفى مقدمتها عدم قدرته على القتال بعيداً عن مراكز دعمه لعدة أسابيع، إلى جانب مانع آخر كان يواجه العدو، حيث كان الكثير من ألويته محاطة بالمرتفعات، ونجحت الفرقة الرابعة فى الضغط على القوات الإسرائيلية بعنف واعتلت الهيئات العالية بين الجيشين الثانى والثالث فى مناطق أم كثيب والقط وكسفريت.. كنا نطلق جحيم نيراننا ونقتنص الدبابات والمركبات الإسرائيلية، وكنا نمتلك الدفاعات المجهزة التى اتخذنا الكثير منها كقواعد نيران رهيبة، وأمكننا بالبعض الآخر القيام بمناورات أربكت العدو وشلت قدرته على رد الفعل".

هنا نورد الاقتباس التالى مما سجله المشير الجمسى فى مذكراته عن الفرقة الرابعة وقائدها العميد البطل عبدالعزيز قابيل، إذ كتب المشير الجمسي: "حضر الرئيس السادات إلى مركز العمليات أكثر من مرة، وكنت على اتصال مباشر مع العميد عبدالعزيز قابيل قائد الفرقة الرابعة المدرعة لمتابعة الموقف أولا بأول لاستمرار الضغط على العدو حتى لا يتمكن من توسيع المساحة التى تعمل فيها قواته، وتعطيل تقدمه فى اتجاه السويس".

وأضاف المشير الجمسى فى مذكراته:

"فى إحدى زيارات الرئيس لمركز العمليات شرحت له الموقف الذى لم يكن فى صالحنا، وبعد اتصالات لم تنقطع منى مع العميد قابيل أبدى الرئيس ارتياحه للجهد الذى تبذله الفرقة الرابعة المدرعة والقوات الجوية فى القتال. ولم ينس الرئيس السادات موقف قابيل أو فرقته فى المواقف الصعبة التى واجهتها فى هذه الفترة. فقد كنا اقترحنا للعميد قابيل – ضمن مقترحات الأوسمة للمقاتلين بعد الحرب – وساماً حددناه كالمتبع، إلا أن الرئيس عدل بنفسه وبخطه الوسام الذى يمنح له ليكون مستوى أرفع وهو نجمة الشرف الذى يٌمنح للضباط الذين يقومون بأعمال تتصف بالشجاعة فى مواجهة العدو".

أعود لذكرى حوارى القديم مع اللواء قابيل وأتذكر قوله: "على الرغم من فشل العدو فى احتلال أى من مدن القناة، فإن الرئيس السادات كان جاهزاً لتدمير قوات العدو فى الثغرة من خلال الخطة "شامل"، التى قرر الزعيم أن تتم بقيادة اللواء أركان حرب سعد مأمون، وكانت الفرقة الرابعة المدرعة جاهزة للقيام بواجباتها القتالية بموجب هذه الخطة على أكمل وجه.. وهو ما يعنى أن التدخل العسكرى لتصفية الثغرة كان سيتم بمنتهى العنف إذا ما فشل مسار التفاوض السياسى.. وهنا تكمن إحدى تجليات عبقرية السادات كسياسى وكقائد عسكرى".

كثيرة هى المحطات فى حياة اللواء قابيل ومن بينها مشاركته فى حروب مصر المعاصرة بدءاً من العدوان الثلاثى وحتى حرب أكتوبر.. وقيادته للمنطقة العسكرية الغربية بدءاً من عام 1987 وحتى عام 1980، ثم عمله  ملحقا عسكرياً بواشنطن حتى عام 1983، فمديرا لمركز الدراسات الاستراتيجية للقوات المسلحة حتى منتصف عام 1984.

ولن تنسى مصر أياديه البيضاء على النشاط الرياضي، وهو البطل الذى مثلها فى أولمبياد دورة هلسنكى عام 1952 ضمن الفريق القومى لكرة القدم، كما عمل وكيلا لنادى الزمالك بالتعيين عام 1996، وشغل موقع نائب رئيس الاتحاد المصرى لكرة القدم لأكثر من فترة زمنية عامى 2000 و2005.. رحم الله البطل اللواء أركان حرب عبد العزيز قابيل.

 	محمد مسعد

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر تعيد لم شمل أهالى غزة بعد فتح الجانب الفلسطينى من معبر رفح

تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج

7 محاور أساسية لتحسين أوضاع المواطنين.. ضمن أهداف الحكومة الجديدة

3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...

مصر وتركيا..شراكة استراتيجية لتوحيد جهود حماية الاستقرار ودعم القضيةالفلسطينية

خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى

إنذارات الرئيس «السيسى» للمتلاعبين فى القرن الأفريقى.. والطامعين فى دول الجوار

لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...


مقالات

"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م
شارع المعز لدين الله
  • الخميس، 26 فبراير 2026 09:00 ص
بئر يوسف
  • الأربعاء، 25 فبراير 2026 09:00 ص