ربما لن تروق لك الإجابة التي ستقرأها في هذا الموضوع، لكنني أؤكد لك أنها أكثر منطقية عما سمعته من قبل.
والسؤال بدأ من صديقى المخرج هيثم أبو عقرب بعد رحلة "فصلان" قضيناها فى مدينة القصير، وكان بصحبتنا صديقنا مهندس الصوت "ميجا".
في طريقنا للعودة، سألني أبو عقرب من يملك السمسمية ؟ قلت كالعارف مصر طبعا.
والدليل الرسومات الموجودة في مقابر بني حسن بالمنيا، ثم أسهبت بالحديث عن كيفية مشاركتها لمعاناة من حفروا قناة السويس، وقصة دخولها إلى بورسعيد على يد فنان نوبى اسمه عبد الله كبربر، وصراعها مع فن "الضمة"، قبل تحولها إلى فن شعبى على المقاهي جلس في الخندق الوطنى سنوات ٥٦ و ٦٧، و ٧٣، وما بينهم، جلس يغنى ويقاوم ويرفع الهمم.
أعتقد أنني كنت سعيدا، وأنا أتحدث عن أنواعها المختلفة الطنبور النوبي صاحب الأوتار الخمسة والحواية وصندوق الخشب، و"الباسنكوب"، آلة قبائل العبابدة والبشارية وسمسمية مدن البحر الأحمر ذات الأذرع الطويلة، والأخرى ذات الصندوق شبه المستحيل التي يلعب عليها بدو سيناء ومطروح، وتلك التي طورها "العشري" في بورسعيد وجعلت صورته على أغلفة مجلات أجنبية.
وتطرقت للأحاديث الكثيرة التي دارت في هذا الشأن بيني وبين الراحل الريس زكريا إبراهيم، مؤسس فرقة الطنبورة في بورسعيد، وعميد أقدم صانع للسمسمية في الإسماعيلية، وأحمد عبد الماجد، الوحيد الذي لا يزال يصنع "الطنبور" في أسوان، ومحمد نعيم عازف "الباسنكوب" في شلاتين.
وما أن انتهيت، وشرع أبو عقرب لرفع صوت كاسيت السيارة، حتى خرج ميجا - مهندس الصوت - عن صمته ليسأل: طيب، طالما هي مصرية ؟ اتسجلت ليه في اليونسكو باسم مصر والسعودية ؟
وقبل أن أشرع في الحديث عن تواجدها في مدن البحر الأحمر، في عدن والمكلا والحديدة باليمن، وجده وينبع وأملج والوجه بالسعودية، والعقبة بالأردن، وبورتوسودان وسواكن بالسودان، ومصوع بأريتريا.
انتبهت لأهمية السؤال، وحاجته لإجابة أكثر دقة، كان أول من خطر على بالى هو "راوى".
آلو يا راوي، فيه غدا في "الحانة"، ولا نجيب غدانا معانا؟"
لسه جايب من السوق "ماكريل" طازة، كان بيلعب في الميه، مستنيكم".
عمرو الراوي ليس فقط عازف سمسمية، أو صاحب فرقة تغنى من تراث البحر الأحمر تراث القصير والغردقة ورأس غارب، وفنون الينبعاوي والخيبيتي التي تجمع بين مصر والسعودية واليمن، ولكن باحث مهووس بالسمسمية وتاريخها وفنونها، وطرق صناعتها.
وبسبب هذا الحب، خصص شقة كاملة أعلى مسكنه في رأس غارب، سماها "الحانة"، تحتضن حوائطها ما لا يقل عن ١٠٠ سمسمية، كل واحدة منها تتحدث عن زمان ومكان وفنان.
ولراوى كتاب من جزءين، اسمه نغم البحر"، يبحث فيه عن الفنون البحرية، وبطلتها السمسمية، فيذهب إلى اليمن والسعودية وأريتريا والأردن والسودان، يرصد ويجمع ويحفظ.
كانت الرياح قوية، مما جعل شوارع "رأس غارب"، خالية من الناس، مع أن الساعة لم تتخط الخامسة مساءً بعد.
وكانت رائحة "الماكريل"، "مفحفحة" من على سلم "راوى".
صحبنا إلى "الحانة"، كلنا وشربنا الشاي، وانضم إلينا أحمد منير فنان نوبى يعيش فى رأس غارب منذ سنوات، لتسمع القليل من الموسيقى، قبل أن نضع سؤلنا أمام "راوى".
قال إن الإجابة الشائعة عن هذا السؤال، هي نفسها التي نقلتها لأبو عقرب فى الطريق، وينقلها ويرددها الكثير في كتب وبرامج وصحافة، ولأنها تجزم بالمصرية الخالصة للسمسمية، كان طبيعيا أن يكون هناك تحفظ من البعض على السوشيال ميديا الفترة الماضية، أن نجد من يتساءل: لماذا تتقاسم معنا السعودية السمسمية؟، لماذا تسجل باسم الدولتين في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي بمنظمة اليونيسكو؟
لو حاولنا أن نفكر في هذه الإجابة الشائعة، ربما خرجنا بنتيجة مختلفة.
أولاً: بالنظر لآلة "الكنار" المرسومة على المعابد الفرعونية سنجدها مكتملة الأوتار ٧ أوتار تمثل السلم الموسيقى بينما حين ننظر للسمسمية في شكلها التقليدي - بعيدا عن المحاولات الحديثة لتطويرها - نجدها آلة ناقصة بخمسة أوتار.
الشكل الموجود على المعابد شكل لآلة احترافية لها مكانتها بين الآلات التي تعزف فى المعابد، بينما السمسمية آلة شعبية بدائية جدا، صندوق من الخشب أو ظهر الترسا أو طبق مع أوتار تستخدم في شبك الصيد.
ثم إذا كانت "السمسمية" هي امتداد للآلة المرسومة على المعابد، لماذا لم تظهر أو يكن لها تواجد في المنيا أو الأقصر أو الشرقية أو عين شمس، عواصم مصر القديمة ؟
في اعتقادي أن آلة الهارب، أقرب للآلة المرسومة على المعابد ليست "السمسمية".
ثانياً: بالنسبة لوصولها إلى قناة السويس مع العمال القادمين من الجنوب أثناء السخرة، وأنها كانت ونيستهم بعد انتهاء العمل.
لترجأ قليلا دخلت مع من؟، ونفكر في كونها ونيسة للعمال هل تعتقد أنه تحت نظام السخرة، والعمل تحت الكرباج والموت الجماعي من العطش بسبب ندرة المياه العذبة وقلة الأكل، هل لهؤلاء البائسين أن يكون في سعتهم وقتا للغناء؟
لنقل إن الفن يخرج من رحم المعاناة، وأنهم كان لديهم الوقت للغناء، لماذا لم تصلنا أية أغنية من تلك المرحلة ترصد أيام الحفر وتنقل حياة العمال، مع أن تراث السمسمية يحمل على كاتفيه مئات الأغانى القادمة من أزمنة أبعد؟
هل صادفتك أي صورة أو رسمة - رغم كثرة الصور والرسوم العمال يعزفون السمسمية أيام حفر السويس؟
الأقرب للمنطق، إن السمسمية، عرفت بورسعيد وإسماعيلية بعد الانتهاء من حفر القناة، وقد سبقها إليهما فن "الضمة" قادما من مدينتي "دمياط" و "المطرية"، كونهما الأقرب
والأقدم، والأكثر تأثيرا في تكوين اللبنة الأولى لسكان بورسعيد التي ولدت مع ميلاد قناة السويس.
ولم يكن مرحبا بالسمسمية في البداية، فهي ناقصة السلم لا تعزف سوى مقام الراست، بينما في غناء القادمين من دمياط والمطرية، في غناء أهل البحر والبرامكة متسع للموشحات والمقامات الأخرى.
دخلت المقاهي على استحياء، لم تجد لها مكانا في حفلات السمر والزواج، إلا بعد ذلك.
لكن الأمر مختلف في السويس، فالآلة موجودة منذ القدم وكانت تلعب دورا رئيسيا في زفة
الحجاج، وحفلات واحتفالات الناس. إذن من يملك السمسمية ؟
تعال نختبر قصة أخرى. لنقل، إنه في عصور قديمة ما بعد الفرعونية، كانت هناك محاولات للبحث عن اللؤلؤ في البحر الأحمر، وهو عمل شاق يحتاج للياقة بدنية ونفس طويل للغطس، ما سمح بتجارة العبيد في فترات زمنية، لم تكن كتلك التي تاجر فيها الغرب، كان سكان حوض البحر الأحمر، أكثر تحضرا في المعاملة، يصل الأمر لاعتبار العبد أحيانا واحدا من أهل البيت، وكان يُسمح للعبيد بالاحتفاظ
بعاداتهم وتقاليدهم وممارسة فنونهم.
وكان من ضمن الآلات الموسيقية التي ظهرت معهم، آلة وترية شعبية بخمسة أوتار، بدأت تتسلل إلى الموانئ المختلفة، تتنقل مع الصيادين إلى عدن والمكلا والحديدة باليمن، وجده وينبع وأملج والوجه في السعودية، والعقبة في الأردن، والسويس والقصير وشلاتين في مصر و بورتسودان وسواكن في السودان، ومصوع في أريتريا.
لم تزدهر تجارة العبيد ولم تستمر طويلا، بسبب قلة اللؤلؤ لكنها كانت قد نقلت العديد من الزنوج والأفارقة ممن قرروا البقاء في المنطقة، وكانوا أكثر تمركزا في ميناء الحديدة باليمن وينبع بالسعودية، والطور في جنوب سيناء بمصر.
مما جعل فن الخيبيتي بمعروف باليماني، والفن البحري معروف بالينبعاوي، وكلاهما مرتبط بالسمسمية.
وإذا نظرت إلى التركيبة السكانية في مدينة "الطور". ستجد أن الغالبية العظمى ممن يعزفون على السمسمية الآن، وكذلك الفنانين الأوائل الذين وصلتنا صورهم، هم من أصحاب الشعر الأكرت والشفاه الغليظة والبنية الجسمانية الضخمة، ممن يسمون "الطورة"، وهي ملامح لا تتشابه مع نفس سكان المدينة من القبائل العربية، كأبناء العليقات والقرارشة ومزينة والعوامرة وغيرهم.
حتى عبد الله كبربر الذي ينسب له إدخال السمسمية إلى بورسعيد يحمل الملامح النوبية أو ربما الزنجية، وكون أن الآلة خماسية الأوتار يجعلها مربوطة بأفريقيا أكثر، فهو السلم الموسيقى الشائع في القارة السمراء.
وهناك أمر خاص مسجل عن تلك الآلة أيضا في السعودية يمكننا الحديث عنه بعد شرب "الجبنة".
"تشربوا جبنة؟"، يقول "راوی" فنرد: "نشرب".
دخلت الآلة السعودية أيضا مع تجارة الرقيق، ممن جاءوا من أفريقيا الشرقية والسودان وأثيوبيا، ولعبوا دورا مهما في التنوع الثقافي والموسيقى لمكة والحجاز، قبل أن يتسارع نشاط الاعتاق من الرق بداية القرن العشرين.
ورصد المستشرق الهولندى ستوك هورو خرونيه عام ۱۸۸۵ ملامح الحياة الاجتماعية للجاليات الافريقية المكية بأنهم كانوا يقومون باحتفالات شعبية أسبوعية تبدأ من ظهيرة يوم الخميس وتمتد إلى صباح الجمعة، يلعبون فيها بآلة بالطنبورة.
في النهاية، يمكننا أن نقول إن السمسمية بمسمياتها المختلفة هي ابنة أفريقيا، التي تبناها البحر الأحمر، وأعاد صياغتها، ليجعل منها ثقافة مشتركة بين مدنه المختلفة.
السمسمية ملك البحر.
نترك "راوي"، وفى الطريق، نسمع من SoundCloud، فرقة أبو سراج تغنى بالسمسمية: "سيدي قلبها قاسي جارت عليا بالغياب وشيبت راسي .
الأسئلة الصعبة:
لماذا تتقاسم معنا السعودية، السمسمية؟
الآلة المرسومة على المعابد الفرعونية مكتملة الأوتار بينما السمسمية ناقصة.. فكيف تكون امتدادا لها؟ ولماذا لم تظهر في الأقصر أو المنيا؟
إذا كانت السمسمية شاركت في حفر قناة السويس، فلماذا لم تصلنا
أغانى توثق لحياة العمال في السخرة؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر ليست مجرد زيارة رسمية عادية بل محطة مهمة جديدة في إعادة تشكيل...
تلوح فى الأفق بعض التسريبات حول وجود بعض المقترحات بإلغاء بطولة الدورى هذا الموسم..
فقد بصره بسبب الجهل وطردته الجمعية الشرعية لسماعه القرآن من الراديو أبوه الصوفى تركه فريسة للجوع فى الحسين وحرمه من...
عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بقوة مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتحركات بحرية وجوية