حكايات عادية جداً- نوح «19» كن جميلًا

أنك مثقل، وأن الدنيا تشد ذراعيك لتوقعك فى فتنتها، أشعر بك، وأقدر الحيرة التى تعتريك، لكننى لابد أن أحدثك فى موضوع ابنة عمك، نعم..

أنت تزوجتها كى تستر عليها، أفهم دوافعك النبيلة وفرحت بهذا الاختيار، ورأيت فى حماستك للستر والخير، برغم كل ما لاقيته وتلاقيه من إخوتها، قوة لم أجدها فى شخص من قبل، أن تختار الخير والسلام تحت وطأة الظلم والحرب، أمر صعب، لا يقدر عليه سوى الذين يختارهم الله من عباده الصالحين، وأنت صالح يا نوح، مثل والدك وجدتك مكة وجدك إبراهيم الكبير، إنه نسل شريف، لم تنل منه الضغائن ولم تغلبه الدنيا.

أكمل جميلك يا ولدي، وادخل على ابنة عمك، فى الأمر صون لها ولطفلها القادم، لقد جهزنا لكما المقعد الخلفي، به حجرة بمنافعها، لتسكنا فيها إلى أن يحلها الله، ادخل عليها، تحرر من قيود الماضى يا ولدي، البنت تحبك، وحين رفضتك من قبل، رفضتك لأنها لم تكن تعرفك، نحن أعداء ما نجهل يا نوح، الآن تعرفك، رأتك ورأت نور قلبك، وأحبتك، وأنت تحبها وإن ادعيت غير ذلك، دع الحب ينتصر يا ولدي، افسح له الطريق، الحب وحده هو طوق النجاة وقت الخطر.

*****

ارتحت لكلمات الشيخ نعيم، مع أن عقلى كان يرفضها تماما، ويدعم عكسها، لكنه حين تحدث، بدت الأفكار المظلمة فى قلبى تنهار، واحدة تلو الأخرى، فتحت كلماته طاقة نور فى نفق مظلم.

ذبح يومها معزة، ودعا إليها بعض الدراويش، أكلنا معا، ضحكت يومها على خلافات اثنين من الدراويش، وكنت قد نسيت الضحك، انفض الخلاف، وسحب الشيخ نعيم الدف، ظللنا نمدح للفجر.

كن جميلاً ترى الوجود جميلا/ ودع عنك لغوا، كفاك قال وقيلا

ولا تعترض أحدا فلربما أصابك ما به فكان جزيلا

الحق قل ما شئت ولا تخش فى الحق شيئا ولو كنت نزيلا.

******

يوم وفاة خالى كرم، لم أعد للجبل.

كانت الليلة الأولى التى أبيتها مع أمى وأختي، الليلة الأولى التى أتمدد فيها على سريري، وأضع فيها رأسى على مخدة قطن، مريحة، لا ملابس مكبوسة فى جوال، ولا حصير خوص يعلّم فى الظهر والجنبات، لكننى لم أنم، ليس خوفًا من حكومة أو ناس، ظلت أحداث تطاردني، تتكرر أمامى واحدة تلو الأخرى، منذ سماعى لخبر الوفاة، ونزولى للبلد تحت الشمس فى وضح النهار، القبر، الذهاب إلى المندرة، العزاء، أصوات الرصاص التى انطلقت فجأة، هرع الناس، اندفاعى للذهاب إلى المتحاربين، صاحب الموتوسيكل الذى تركنى بعيدا، الرصاص الذى ضُرب فوق رأسى وتحت قدمي، الوجوه الكالحة، الأيادى المتسخة التى تقبض على البنادق، وعيون الأطفال الخائفة، اشتعال النار فى القصب، وانطفاءه رويدا رويدا داخل النفوس.

شيء ما غامض كان يشدنى للمضى فى هذا الطريق، دفعنى إليه دفعا، أدخلنى وسط النار، جعلنى أتحدث بصوت عال، لا أعرف من أين جئت بما قلته، وكيف خرج مرتبًا ومقنعًا، ولماذا صمت الجميع، أوقفوا الرصاص، ووافقوا على الانتظار.

لكن، ماذا بعد؟

قيدت نفسى بكلمة معهم وحددت موعدا، على بعد ١٥ يوما من الآن، وورطت معى آخرين فى هذا التعهد، إن غبنا، ستنفجر ماسورة دماء، وستأخذ فى وجهها الأبرياء.

يا الله، أخذتنى إلى الطريق، اللهم لا اعتراض، إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي، اللهم خذ بيدى إليك بالعطاء واهدنى لما تحب وترضى.

******

 فى ظهيرة اليوم التالى، قابلت على وضياء وأشرف، شركاء التعهد، كل واحد منا أتى وفى عقله نفس السؤال: ماذا سنفعل؟

- نحن لن نستطيع الحل وحدنا، فى النهاية لدى كل واحد منا قربى أو نسب فى العائلتين، والفتن كثيرة، سنكون محل شك.

- لماذا لا نلجأ إلى العمدة وشيوخ البلد، هم أدرى بمثل هذه المشاكل؟

- لو كان العمدة يرغب فى الحل لما بقى هذا الصراع طوال السنوات الماضية.

- نحن نحتاج لعقلاء من خارج البلد، الناس تثق فيهم وتقدرهم.

-اسمع عن الشيخ تقادم الإسناوي، والأمير الفضل فى دندرة، والعمدة غلاب فى الحراجية بقوص، وآل الطيب فى الأقصر.

-لى زميل من آل الطيب، كان معى فى كلية أصول الدين، وبالمصادفة كان يكلمنى بالأمس.

-لا توجد مصادفة يا أستاذ أشرف، هذا هو الطريق.

******

ذهب أشرف وضياء إلى ساحة الطيب ونجحا فى تحديد موعد لزيارة الأجاويد ضرار، والموعد بعد أسبوع.

أسبوع، لم نتوقف طوال أيامه عن زيارة شباب ناس رزق وناس جامع، فى البيت، فى الزرع، فى الطريق، ذهبنا لنسمع، لتُخرج الصدور ما بداخلها، لا نطلب العفو، بل نطلب الحكاية، لا ندعو لنسيان الماضي، بل ندعو لمنع دماء جديدة.

ضرار ملطخة بقصص الدماء، الجميع يدفع الثمن، هناك مدارس تُقفل، وأسواق تُفض وشوارع تُغلق، وأبرياء يتساقطون.

فى قريتي، لا يُسأل الرجل عن اسمه، بل عن ثأره، ولا تُقاس الأعمار بالسنين، بل بعدد الجنازات التى شهدها الصبى قبل أن يبلغ.

******

جاء الأجاويد، فُتحت منادر ضرار لاستقبالهم، لكنهم اختاروا الجامع الكبير، وخطبوا الجمعة.

الحمد لله رب العالمين، فطر الكون على الرحمة، وبث فى الوجود آيات الحكمة، نحمده سبحانه على نعمة الإسلام، دين السماحة والسلام، الذى شرع لنا سبل الخير، وأنار لنا دروب اليسر، ونسأله الهدى والرضا والعفاف والغنى، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فإننا نعيش أياما مباركة نستحضر فيها ذكرى مولد سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذى جعل السماحة منهجا نورانيا فى حياته كلها، فى بيته، مع أصحابه ومع أعدائه، فى القول والعمل، فى السلم والحرب.

أيها الكرام، جاء النبى ليحرر العقول من قيود الغلو والتشدد؟ جاء رحمة للعالمين، رحمة تُحرر الأرواح من سجون الشحناء والبغضاء؟ كان مثالا حيا لما يدعو إليه البيان الإلهي: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين"، صدق الله العظيم.

******

ببشاشة الوجوه ورقة التعامل وحلاوة الكلام، طرق الأجاويد على قلوب الناس، ففتحت لهم، زاروا ناس جامع وسمعوا منهم، وزاروا ناس رزق وسمعوا منهم، قبلوا ضيافة الشيخ نعيم فى العرب، وشربوا الشاى عند ناس العمدة، وقالوا إنهم سيعودون وأنه خير.

عادوا مرة واثنتين وثلاثا، وأصبح لهم فى ضرار مريدون، نفوس عطشى للأمن والسلام.

وفى الموعد النهائى للحكم، تشارك شباب البلد وأقاموا صوانا كبيرا فى ساحة السوق، وجاء الأجاويد وفى أيديهم رجال دين، والعمدة، والمأمور، وعضو مجلس الشعب.

وصدر الحكم: براءة ناس رزق من دم شاب ناس غالب، الشاب الذى قُتل بالخطأ فى الظلام.

ورضى الجميع بالحكم، كان أكثر ما كان يؤرق ناس غالب أن لهم ثأرا، تعيّرهم النفوس المريضة به، وتحرضهم على أخذه، الآن.. الأجاويد حكمت أمام الجميع، بأن لا ثأر لهم، وتنفس الصعداء ناس رزق، وتقدم المتحاربون ليحتضنوا بعضهم، كانت المشاعر متضاربة، من يبتسم ومن يبكى.

 تعاون الشباب فى فتح وفرش مندرة ناس غالب لأخذ العزاء، وذهبوا إلى المدافن ليغلقوا قبر الشاب القتيل.

******

نزلت بعفاف إلى البلد، وبدأت أعيش بين الناس.

الرياضى

Katen Doe

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا
كنت واقفا مع رضوان، أعلى الجبل، كان متحمسًا وهو يشير إلى "الضهرة"، ويع
حكايات عادية جداً زيارة لأكبر سباق خيل شعبى فى صعيد مصر
حكايات عادية جداً: نوح «16» أخبار وأهرام كل يوم فى بلاويكى
نوح « 13 » ما لذَّةُ العيشِ إلّا صحبةُ الفقرا
حكايات عادية جداً نوح «12» الحب من قبل البشر
عطا
عطا

المزيد من أقلام

نحو الحرية - سوريا.. أزمات لا تنتهى

ما يجرى فى سوريا اليوم لم يعد حربًا تقليدية بقدر ما هو إعادة ترتيب معقدة لخرائط النفوذ ومحاولة تثبيت أمر...

حكايات عادية جداً- نوح «19» كن جميلًا

أنك مثقل، وأن الدنيا تشد ذراعيك لتوقعك فى فتنتها، أشعر بك، وأقدر الحيرة التى تعتريك، لكننى لابد أن أحدثك فى...

نحو الحرية - شكراً للرئيس

لا شك أن تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسى فى ملف الانتخابات البرلمانية يعكس إدراكًا واضحًا لخطورة هذا الاستحقاق، وأهميته فى...

حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا

عجبى على رجال عدوا البحر ما اتبلوا/ عدوه بحرده لا مالوا ولا ذلوا


مقالات