حكايات عادية جداً - نوح «12» الحب من قبل البشر

فى ذكرى رحيله ال 41 ما الذي تنتظره؟ لماذا تؤجل المواجهة؟، أخذوا أرضك، وقتلوا والدك، وحين عرضت عليهم السلام طردوك، وفي غيابك أهانوا أمك وأختك، فيما تفكر؟ إياك أن تعتقد أن التأجيل سيحل القضية؟ وإياك أن تظن أنك ستكسب هذه المعركة بالسبحة التي في يدك؟

 

یا ابن عمنى، لقد أحل الله القصاص، الإحقاق الحق وإقامة العدل وردع الجريمة، العين بالعين والسن بالسن، هذه معركة لا مقر منها، أعلم أنه لم يخطر على خيالك قط أن تكون مطارد، تحمل سلاح وتقيم في جبل، لكن أنظر النفسك إنه الحال الآن، الواقع الذي يجعلنا نجلس في كهف مظلم تواجه البرد بالنار وأكواب الشاي.

أنظر فيما أقامك الله يا نوح، أنت من علمتني هذه العبارة، ودائما ما كنت تقول إن المشيئة سابقة والقدر نافذ، قدرك من كتب عليك هذا الطريق، فكن مستعدا للثان وامضى إليه قويا، فخصمك لا يفهم سوى القوة، أولاد عمك لا يتحدثوا إلا بالرصاص. إنهم يتكسبون من إرهاب الناس، ولن تنطفأ نار شرهم إلا إذا وجدوا من يردعهم، إياك أن يغريك الصبر فهو الموت البطيء، وإياك والطيبة، فلن تحميك لا تكن درويشا مثل أبيك، ولا تخذل أمك الحزينة التي تنتظرك من أربعين عاما لتعيد إليها الحق والابتسامة.

قال رضوان الكثير حتى اقترب الفجر واختار أن ينام فخرجت من الكهف أسم الهواء كان القمر أبيض كالثلج، تداعبه السحب وهي تمر مسرعة. أشعر أنني متقل رغم الجمال، يا الله.

یا رب یا علی یا عظیم یا سميع يا بصير، يا عليم يا قدير يا من هو هو أنت ربي وعلمك حسبي إن تمسسن بضر فلا كاشف له إلا أنت، وإن تردن بخير فلا راد لفضلك اللهم إني سلمت أمري إليك و وجهت وجهي إليك، وأنت عالم بقلبي وصري، اللهم خذ بيدي واهدني وتجنى من كل عمل يغضبك. واستعملني فيما ترضى به علی

سرقني الذكر من الوقت والمكان، جعلني في حال غير الحال حتى بسطت الشمس سيطرتها على الجبل واستيقظ رضوان ليعيدني إلى الواقع، قال إنه سينزل البلد يطمئن على أولاده وزوجته على أن يعود بعد يومين، ببعض الأكل والماء، وفرصة لأن يعرف أيضا ما يدور في ضرار، حتى تعرف ماذا سنفعل في أيامنا المقبلة.

تركتي رضوان وأنا أستعد للنوم، ومنذ أن دخلت هذا الكهف لأول مرة منذ أن اخترته مع رضوان محلاً لإقامتنا المؤقتة، وأنا لا أنام إلا بعد أن تخرج الشمس، كنا ننام مططنين، ومقتنعين أن لا أحد يمكنه الوصول إلينا، لكتلى في هذا اليوم، سمعت الخشخشة أقدام تسير على الحصى، فتحت عيناي فوجدت من وصل قدمی غریب تظهر امامی

كتمت أنفاسي وسحبت البندقية الراقدة بجواري وحين أصبح اصبعي على الزناد، وقفت.

من أنت؟

كان نحيفا، كالح البشرة بوجه منحوت، يرتدي فوق جلبابه سدیری بدوی

لا تخف يا نوح، أنا صديق ما عدو، جاي في خير ماهر

"خليك مطرحك"، صرخت فيه كي لا يتقدم أكثر لكنه تعامل معى كأنه يعرفني إنه يبتسم بود وكأننا أصدقاء.

أنا طه ود الشيخ نعيم من العرب، وعندى رسالة لك.

سمعت عن الشيخ نعيم القليل، ومن القليل أنه بعيش وعائلته في الجبل، يرعون الأغنام والجمال ولا ينزلون القرية إلا للأسواق، وسمعت أن الشيخ نعيم كان صديقا لأبي، لكنني لم أره في حياتي، لا أعرف شكله وأولاده ومكان بيته، ولم يحاول هو التواصل معنا طوال السنوات الماضية، سألت أمي ذات مرة عنه، فقالت لم يكن سوى شخص عادي مجرد معرفة، كما يعرف الناس بعضهم البعض في ضرار

أنا لا أعرف الشيخ نعيم ولا أعرفك، وأحترس من الاقتراب ما زال إصيمي على الزناد

معنى أمارة، إذا كانت معك سبحة جدك الحاج إبراهيم، فانظر إلى الحبة الحادية عشرة فيها. ستجد أنها مكسورة.

سحبت السبحة من تحت المخدة التي كنت أنام عليها، دون أن تترك يدى البندقية، نعم الأمارة صحيحة.

لكن كيف وصلت إلى هذا الكهف، وعلمت أنني فيه ؟

أهل مكة أدرى بشعوبها، ونحن تصادق هذا الجبل منذ أن خلقنا الله تتسابق بين ممراته وهضابه وأوديته، فتعرفه كما تعرف بيتك وفرشتك تعرف من يدخل ومن يخرج دون أن تتدخل اركب يا نوحاركب، وستعرف الكثير عند الشيخ نعيم.

كانت كلماته منضبطة وصافية، يبدو أنه متعلم. وافقت على عرضه لكنني طلبت أن يكون سلاحي معنى، ولم يعترض، وقبل أن تنطلق، أشار إلى الكاسيت المعلق في مقدمة الموتوسيكل، ثم قال: أنا أحب المديح.

قبل كان الحب من قبل البشر أيا ملهمي من أنت، أنت تعرف من أنا أنا فيك أحيا منذ بدلك كان.

والأشيء يفصل بيننا، فغرامنا فيه اختلطنا مهجة وكيان

أنا إن قلت أنت فإنني أنت الذي أعنى وأقصد بالندا إيانا

غيبت عنك القدرة، ورأيتني، فعرفت أن لقائنا قد حان 44

تغرب الشمس بينما أدخل الخيمة، دخلت ليقف صاحبها، الشيخ نعيم، كان يشع من وجهه نور رغم سمار البشرة، تقدم ناحيتي يأخذني بالحضن، قبل رأسي وجبهتي، وأمسك بيدي حتى أجلستي بجواره وبينما كان يطلب من طه، ابنه أن يأت بالطعام وقعت عينى على صورة معلقة أمامنا، إنها لنفس الرجل التي رأيت صورته في مقتنيات أبي...

دا مولانا الشيخ أحمد رضوان، رضوان الله عليه حبيبي وشيخي، وكان شيخا لو الدك الله يرحمه. ولأنه إلى أقامه الله في الاختبار ثلاثين عاما، زاد فيه البلاء واشتد وكرهه أهل بلده، لكنه لم يغضب على أحد، ولم يدع على أحد قط، بل كان يدعو لهم بالهداية.

علق الشيخ نعيم عن الصورة، ثم سألني عن الصحة. عن أمي وأختي، وسبحة الحاج إبراهيم.

أخرجت السبحة من جيبس، فأخذها منى وراحيتأملها، وهو يسرد قصة الدرويش الذي قابله مع أبي في ساحة الشيخ رضوان بالبغدادي بالأقصر: العجب الدرويش بالسبحة وأراد أن يأخذها، حاول صديق أن يثنيه بأن يشترى له أخرى جديدة، لكن الدرويش رفض وخطف السبحة، وجرى، وصديق وأنا نجري وراءه، وحين لحقناه القطع خيط السبحة، ووقعت حياتها على الأرض والدرويش يصرخ لموا متفرقوش"، واسمناها ولضمناها في خيط جديد واكتشفنا أن إحدى الحبات كسرت، رفض صديق أن يستبدلها أو يستغنى عنها، وقال "السليم يداري على الناقص".

كنت أستمع للشيخ نعيم، وبداخلى سؤال أهم: لماذا ظهر الآن وماذا يريد؟ نظر إلى وكأنه قرأ السؤال: يا ولدي حين علمت أنك في الجبل، خفت عليك من نفسك من أن تقودك إلى الدم والهلاك، والدل صديق كان أعز أصدقائي، منذ أن كنا صبية، نحب الرعى وتسلق الجبل والسفر وقد عانى رحمة الله عليه من أخيه وأولاده، لكنهم لم يقتلوه، الرصاصة التي أصابته، كانت البندقية آلية، والبنادق التي كانت مع عمك وأولاده يوم المعركة، كانت قديمة بخمس طلقات ولأنني قلت الحقيقة، والدلك قاطعتني و طلبت ابتعادي عنها وعنكم.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حك\
حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا
حكايات عادية جداً: نوح «16» أخبار وأهرام كل يوم فى بلاويكى
حكايات عادية جداً - نوح «9»: ابن الحرام لابس بدلة مزهرة
احمد
عطا
عطا
عطا

المزيد من أقلام

نحو الحرية - الاتحاد قوة

زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر ليست مجرد زيارة رسمية عادية بل محطة مهمة جديدة في إعادة تشكيل...

بروح رياضية - إلغاء الدورى

تلوح فى الأفق بعض التسريبات حول وجود بعض المقترحات بإلغاء بطولة الدورى هذا الموسم..

حكايات عادية جداً : شهادات تنشر لأول مرة إمام.. سيرة أخرى «1»

فقد بصره بسبب الجهل وطردته الجمعية الشرعية لسماعه القرآن من الراديو أبوه الصوفى تركه فريسة للجوع فى الحسين وحرمه من...

نحو الحرية- شبح الحرب على إيران

عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بقوة مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتحركات بحرية وجوية


مقالات

بيمارستان قلاوون
  • الأحد، 22 فبراير 2026 09:00 ص
لا للفقر في ظل القرآن
  • السبت، 21 فبراير 2026 03:31 م
التغذية الصحية في رمضان
  • السبت، 21 فبراير 2026 01:00 م
سجن خزانة شمائل
  • السبت، 21 فبراير 2026 09:00 ص
من النبأ إلى الخبر في الخطاب القرآني !
  • الجمعة، 20 فبراير 2026 12:00 م