حكايات عادية جداً - نوح « 17» الـولد الـى شـرب 99 بحــرًا

كنت واقفا مع رضوان، أعلى الجبل، كان متحمسًا وهو يشير إلى "الضهرة"، ويعرض علىّ الأسماء التى يمكن شراؤها بالمال، لتشاركنا الحرب، وإعادة الأرض.

تخيلت من قبل أن أكون زعيم عصابة، لكننى لم أتخيل قط، أن يكون من بين أفرادها، خائن لصديقه، وقاتل لأمه، ومن يشاع عنه مطاردة الصغار، إنهم قاع الأشقياء، أرخصم.

تطلعت لوجه رضوان تحت أشعة الشمس، لاحظت أنه تغير كثيرا، أصبح عبوسا متجهما، جلده مشدود جاف، جبهته قابضة، وفمه لم يعد يتحدث إلا عن الرصاص والدم، أعمى الانتقام عينيه، فلم يعد يفرق بين ما يصح وما لا يصح.

- يا صديقى وابن خالى، حربى عادلة، لا حاجة لأن يرفع راية الحق فيها هؤلاء.

قلت ذلك، وظهر من بعيد، موتوسيكل يقترب ناحيتنا بالجبل، حين دققت النظر، عرفت أنه طه ابن الشيخ نعيم، الشيخ يطلبنى للزيارة، أو يرسل معه رسالة.

*********

أحب طه، لم أنظر إليه قط إلا ووجدته مبتسما، أحب صحبته على الموتوسيكل، أشعر أننى أطير، يمنحنى الناى المنبعث من السماعة المعلقة أمامه، أجنحة.

 ارفع الصوت يا طه، سمّعنا يا مولانا.

ضرب ناقوسى فى ديرى قم تحركت الصلبان

وآدى راهب الدير أكلمه كلمة

يكلمنى كلمة على كل لسان

الله محبة، الله محبة

لما تدور السواقى تجرى القنا فى البستان

بتدور بتدور بتدور، وتطلع نور ونور

تخضر الأرض ويطرح الورد على العيدان

يا ورد الجنينة قُل لى إيه وصفة الرمان؟

قل لى كمان ع الولد اللى شرب تسعة وتسعين بحر

ولما سألوه قال أنا لسه عطشان

ولد شرب ٩٩ بحرا وظل عطشانا! سمعت قصته من قبل، نعم، حكت لى جدتى مكة حكاية شبيهة من حكايات قبل النوم، حكاية سلامة الذى ولد بعطشٍ لا يهدأ، يشرب الماء من البئر وتبقى شفتاه جافتين.

قالت إنه ذات يوم ضاق من عطشه، فقرر أن يبحث عن بحر يروى ظمأه، وقد نصحه أحد العارفين بذلك، لن يهدأ صدرك إلا إن شربت من البحر، لكن أى بحر؟، لا أحد يعرف.

رحل سلامة عن قريته، مضى من واد إلى واد، حتى وصل البحر الأوّل، ظل يشرب ويشرب، امتلأت بطنه لكنه بقى عطشانا، فمضى إلى البحر الثانى، فالثالث، فالرابع، وفى كل مرة الأمواج ترتفع وتنخفض فى دهشة، الطيور تحوم باستغراب، والأسماك تنظر إليه خوفًا من أنه على كل الماء، شرب ٩٩ بحرًا، وصدره لم يبرد.

كاد أن ييأس فى إيجاد علاج لحالته، فجلس على صخرة كبيرة، نظر إلى السماء: "يا رب، أنا شربت ٩٩ بحر ولسه عطشان"، فسمع صوتًا يناديه من السماء: "ليس عطشك من الماء، إنما عطشك إليّ"، بكى سلامة، نزلت دموعه بغزارة حتى ابتل صدره، وقتها فقط أحسّ أنه امتلأ، وأن عطشه لأوّل مرة قد هدأ.

ومن وقتها، كلّما أحسّ سلامة بالعطش، رفع وجهه إلى السماء وقال: "يا الله… أنت الماء وأنت البحر وأنت السكينة".

*******

كان الشيخ نعيم جالسًا خارج الخيمة، يكشف عن ساقيه لأشعة الشمس، ويراقب الأغنام التى ترعى أمامه ويقف عليها حفيده.

- تعال يا نوح، اجلس جوارى.

أشعر بالخجل كلما أمسك بيدى الشيخ نعيم وحاول تقبيلها، قبلت رأسه وجلست، طلب من طه أن يأتى لنا بالشاى، وأن يحثهم فى البيت لأن يعدوا الغداء، حاولت الاعتذار لكنى لم أطل، فقد كنت فى حاجة لأن أبقى هنا قليلا، آكل طعامًا طازجا وساخنا، وأشغل عقلى بأشياء أخرى غير تكوين عصابة والانتقام.

"الآن أصبح لديك ١٠ أغنام"، قالها الشيخ نعيم وهو يشير إلى اثنين من الصغار يجريان خلف أمهم، فى حقيقة الأمر لا يد لى فى امتلاك هذه الأغنام، وكل ما فعلته أننى دفعت ثمن ٥ منهم، كان الشيخ نعيم هو صاحب الفكرة، هو من حدد ثمن الأكل ووضع الثلث للراعى، هو من يبيع ويشترى ويدير مسائل التكاثر والإنجاب، ثم كل ٢٠ يوما أو شهر، يعطينى مالا ويقول إنه من أغنامى.

يتحمل عنى الشيخ نعيم الكثير، ولعل أقسى ما يتحمله هو وجود عفاف بين عائلته، مضى على استضافتها أربعة شهور، منذ أن جاءت مع السيل مستغيثة، حان الوقت لأن تترك بيوت العرب، وتتركنى، فكرت أن أرسلها لخالتها رزقة، فيمكن أن تحميها من إخوتها، أنا على مشارف معركة، فلترحل الآن، حتى لا يُقال يومًا كذبًا وبهتانًا إننى استخدمت أختهم فى معركتى.

- أريد أن أحدثك عن ابنة عمك.

- وأريد أن أحدثك عنها أيضا يا شيخ نعيم، قل لى ماذا عندك؟

- البنية طيبة، وتسعد بها أم طه، غير أن بقاءها عندنا فيه خطر علينا، الأمر تعقد ولا أريد لأهلى الدخول فى صراع مع أحد من البلد، طول عمر العرب بعيد من مشاكل ضرار.

- ما الأمر يا شيخ نعيم؟ أحدث شىء منها؟

- أخبرتنى أم طه، أن ابنة عمك حامل.

*****

يا الله، ماذا تفعل بى؟

إذا جعلتها تذهب إلى أى أحد من أقاربها سيقتلونها؟، فى نظر الجميع هى تستحق القتل، لقد هربت مع شاب إلى القاهرة، وبقيت مختفية لعامين قبل أن يصل إليها إخوتها، وفى الليلة التى حفروا لها قبرا ليدفنوها حية، نزل السيل وأنقذها وساقها إلىّ، كيف الحال إذا عادت إليهم الآن وهى حامل.

طلبت من الشيخ نعيم، أن أقابلها، قام من جلسته وصحبنى إلى البيت، وعلى الباب طلب منى الانتظار قليلا ليُقدم للأمر، وما هى إلا دقائق، حتى جاء يدعونى للدخول.

أدخلنى غرفة، وجدتها جالسة لم ترفع نظرها لدخولى، ولم تخفضه، كانت عيناها مثقلة بالحزن والخجل والندم واليأس.

كل كلمات العتاب التى دخلت أحملها لم أجدها، كل الكلام عن الماضى، وقصصه وأحداثه وصراعاته، هربت.

- كيفك يا عفاف؟

- عفاف، عايشة من قلة الموت.

قالتها وهى تغرق فى الصمت، كان صمتها يطلب شيئًا، سمعته من بين أنفاسها المرتبكة، ورأيته فى عينيها، كانت تقول "لا تتركنى وحدي" وهى خائفة من ظنى بها.

- قولى لى ماذا أفعل من أجلك، وأنا أفعله الآن؟

- افعل أى شىء، اقتلنى، لكن لا تعيدنى إلى إخوتى.

*****

طلبت من الشيخ نعيم أن يأتى بالمأذون كى أكتب عليها، بدا مذهولا، قبل أن يتقدم ليحتضننى، وهو يردد قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، "من ستر مسلمًا، ستره الله يوم القيامة". وجاء المأذون وأصبحت عفاف زوجتى.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حكايات عادية جداً شهادات تنشر لأول مرة إمام.. سيرة أخرى «1»
حك\
حكايات عادية جداً زيارة لأكبر سباق خيل شعبى فى صعيد مصر
حكايات عادية جداً: نوح «16» أخبار وأهرام كل يوم فى بلاويكى
نوح « 13 » ما لذَّةُ العيشِ إلّا صحبةُ الفقرا
عطا
عطا
عطا

المزيد من أقلام

نحو الحرية - الاتحاد قوة

زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر ليست مجرد زيارة رسمية عادية بل محطة مهمة جديدة في إعادة تشكيل...

بروح رياضية - إلغاء الدورى

تلوح فى الأفق بعض التسريبات حول وجود بعض المقترحات بإلغاء بطولة الدورى هذا الموسم..

حكايات عادية جداً : شهادات تنشر لأول مرة إمام.. سيرة أخرى «1»

فقد بصره بسبب الجهل وطردته الجمعية الشرعية لسماعه القرآن من الراديو أبوه الصوفى تركه فريسة للجوع فى الحسين وحرمه من...

نحو الحرية- شبح الحرب على إيران

عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بقوة مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتحركات بحرية وجوية


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص