قصص محمد البُرمى.. حكايات عــن ذلك العالم الذى فَقَد واقعيَّته

«يجذبُ المعادن ويحبُ الكلاب» مجموعته الثانية صدرت مؤخرًا شظية من «ثورة يناير» عاشت فى جسد أحد أبطاله وغيرت نظرته إلى الدنيا حصل على «جائزة ساويرس» فى القصة وله كتاب عن «أحلام غرف الملابس»

لا يدخل القارئ عوالم القصص التى يكتبها محمد البُرمى إلا ويبقى مشدودًا إليها، ثم إنه لا يستطيع أن يخرج منها ـ بعد القراءة ـ  إلا وهو يهجس بالكثير من الأسئلة، عن ذلك الواقع الذى ترويه القصص، والذى يبدو كأنه فَقَد واقعيَّته على نحو ما. كأنه تعرّى فجأة وأصبح شيئًا آخر.

لعل أكثر ما يسعدنا فى عمل كتّاب القصة القصيرة من الجيل الجديد، أنهم باتوا أكثر جرأةً وتحررًا فى فهم العلاقة بين الواقع والخيال، وبالتالى باتوا أكثر قدرة على التعبير عن منغصات عصرهم بأدوات تناسب هذا العصر وتترجم أحلامه وطموحاته وأمانيه الإنسانية المشروعة. ونحن ممن يعتبرون القصة أدبًا أكثر تحررًا وشغفًا بالتجريب من الرواية، لأن الأدب الأوسع انتشارا (مثل الرواية) من الطبيعى أن يكون مقيدًا ومشروطًا بشروط السوق وقوائم المبيعات واحتياجات الجمهور وذوقه، الأمر الذى جعل ـ على سبيل المثال ـ من يحيى الطاهر عبدالله (1938 ـ 1981) أيقونة التجريب فى الأدب العربى الحديث، متجاوزًا أترابه، بذلك العالم القصصى الخاص، الذى قدمه فى نحو ست مجموعات وثلاث روايات فقط، صانعًا أسطورته الخاصة لقريته "الكرنك"، لكى يضيف بها "خيط شعاع جديد إلى الشمس"، أو بمعنى أصح لكى يمنح الأدب القصصى الحديث قيمة "إضافية" هى "قيمة الدهشة" المستقاة مباشرة من ماضينا ومن تراثنا الحكائى.

الأرجح أن العصر الذى نعيشه الآن، وهو عصر الميديا والصورة والوسائط الإلكترونية المتعددة، يحمل الأدب المسئولية فى أن يلعب دورا أكثر عمقا من مجرد تصوير الواقع أو ترجمته أو عكسه كمرآة، وهو دور أصبح من الصعب الاستغناء عنه أو التفريط فيه، أقصد هنا دور الخيال فى حسم كثير من أدوات الفن وفى تشكيل وجدان الناس وأحلامهم وطموحاتهم، ربما لأننا نعيش ذلك العصر الذى يصفه الفلاسفة بأنه عصر "مجتمعات المراقبة"، بما يجعل الخيال ضرورة فى القصص التى يكتبها الجيل الجديد، للفرار من هذا الواقع البائس، وهو ما فعله الكاتب محمد البُرمى فى مجموعته القصصية الجديدة "يجذبُ المعادن ويحب الكلاب"، التى أصدرتها "دار الكتب خان" للنشر مؤخرا، وهى المجموعة الثانية فى مسيرته القصصية، بعد مجموعته الأولى "للمحبين والأوغاد وقطاع الطرق"، التى صدرت العام 2021 عن سلسلة "إبداعات" التى تصدرها "الهيئة العامة لقصور الثقافة".

العنوان ـ إذن ـ هو أول ما يلفتنا فى هذه المجموعة الجديدة، وهو مأخوذ من عنوان إحدى القصص، عاكسا من "العتبة" الأولى أزمة تتعلق بالشعور الإنسانى العميق بالوحدة وانعدام الإحساس بالأمان، والرغبة فى تجنب البشر أو تخطيهم، فالبطل هنا لا يجذب المرأة مثلا ولا يحب البشر مثل الآخرين، بل يجذب أشياء غير عاقلة "جمادات"، ويحب الحيوانات دون البشر، الأمر الذى يضعنا أمام نوع خاص من البشر لا يشبه الآخرين، فمن يكون ذلك الشخص الذى يجذب المعادن، سوى واحد من الناس قاده الحلم يوما إلى الثورة، حيث أصيب فى "ثورة يناير 2011" برصاصة معدنية، استقرت فى جسده ونصحه الأطباء بالتعايش معها، لقد تركت رصاصة الثورة أثرا هائلا على حياته، لأنها جذبت إلى جسده الكثير من المعادن بعد ذلك، كأنها أصبحت لعنته الخاصة، حيث اضطر بعدها لتركيب عدة مسامير وشرائح معدنية لإصلاح كسور وآلام عظامه، التى زادت فى تلك الحياة التى استمرت صعبةً ومريرةً بعد الثورة، الأمر الذى جعل جميع أبطال قصصه يعانون من الوحدة والعزلة، أغلبهم يعيش بلا حب ولا أصدقاء، منهم من اضطر إلى اقتناء كلب وآخر اقتنى سلحفاة فى بيته، على سبيل التخلص من كدر الوحدة وآلام الإحساس العميق بالغربة داخل المجتمع الذى يعيش فيه.

يقول فى القصة التى حملت المجموعة عنوانها، شارحا الأسباب التى جعلته ينفر من فكرة وجود رصاصة معدنية فى جسده، متسائلا عن المغزى:

"لم يكن سؤالا متعلقا بالموت والحياة، أو ما يصلح من عدمه ولا حتى تأثير تلك الرصاصة على الجسد، لكنه قلق من وجود شىء غريب فى داخلى، يحمل ذكريات حزينة وأياما قاسية وأحلاما ضائعة، ما المغزى الذى تريد الدنيا أن تقوله لى من موقف كهذا؟".

 مجتمعات المراقبة

المجموعة التى لا تتورط قصصها فى السياسة تبدو وكأنها تحمل من التناقضات ما يمكن أن نعيده إلى عصر ما بعد الثورة وتوتراتها وفوضاها التى لا تنسى، الأمر الذى جعل قصص المجموعة الخمس عشرة تموج بروابط من الثنائيات الضدية المتعارضة، التى تجعل القارئ يتأرجح دائما بين عالمين متناقضين تفصلهما هاوية عميقة: الواقع والخيال، القرية والمدينة، العزلة والاندماج، الحنين إلى ماضى الأسرة والرغبة العارمة فى الحياة الآن بعيدا عن الجميع، الاستقرار الأسرى وأمانه مقابل مغامرات العلاقات النسائية العابرة وأشواقها، ومن عناوين القصص يمكنك أن تفهم شيئا عن رغبة الكاتب فى ترويض عزلته: "رباط الحذاء الذى خطط لقتلى"، "غرفة أبى التى خبأ فيها العزلة"، "وقائع مقتل السيدة مرسيدس"، "سبيل محمد على"، "اليوم السادس"، "سلاح الأمان"، "صندوق أمى"، "كما يليق بسلحفاة"، "حائط لتخليد الذكرى".. وغيرها.

ما أريد قوله، هو أن الكاتب اكتفى بالإشاراة إلى هذه الوحدة العميقة التى خلفتها الثورة فى النفوس، من دون الإشارة إلى الثورة أو إلى الأوضاع الاقتصادية، مكتفيا بالوقوف أمام حالات نفسية مثيرة للدهشة دائما، كما لو كنا أمام بشر حطَّمتهم التجارب، وقد ولّد هذا الاغتراب القاتل للبطل بين أهله وأسرته واحدا من أسوأ نتائج "مجتمعات المراقبة"، وهو التعبير الذى صكَه الفيلسوف الفرنسى "ميشيل فوكو"، قبل حتى أن يتحقق بحذافيره بعقود طويلة، حينما ظهر "عالم السوشيال ميديا" و"صفحات التواصل الاجتماعى"، منتبها إلى أن الرأسمالية التى مارست سيطرتها على أجساد البشر فى القرنين الثامن والتاسع عشر وأوائل القرن العشرين، عبر مؤسسات مثل السجون فى "المجتمعات التأديبية"، هى نفسها الرأسمالية التى أصبحت المراقبة هى مهمتها الأولى الآن، بغية دراسة السوق.

نعم، وبكل أسف، لقد أصبحت دراسةُ تطلعاتِ السوق فى حدِّ ذاتها أداةَ المراقبة الاجتماعية الجديدة، فى أغلب البلدان الرأسمالية، والفلاسفة يعرّفون مجتمعات المراقبة بأنها الإجراءات المتبعة فى أوساط الاحتجاز: "البيت" و"المدرسة" و"الثُكنة" و"المصنع" و"المستشفى" و"السجن"، والتى من شأنها جميعا أن تضع الإنسان داخل أسوار محددة وأسير سلوكيات مراقبة بالكاميرات أو بالحراس، وبالتالى يبدو الخيال هنا ضرورة فنية وأدبية فى زمن المراقبة القمعية ذاك، وتبدو القصص القصيرة والشعر والمسرح والتصوير وغيرها من الفنون كأنها محاولات لا تنتهى لكسر تلك القيود المفروضة على الذهنية السائدة، وهى كفنون تقوم بدورها كأدوات فى توسيع الخيال بحثا عن مخارج مناسبة للشقاء الذى يعانيه الإنسان.

 للــمحبيــن والأوغـــاد وقطــاع الطرق

باستثناءات محدودة، يبدو البطل فى جميع قصص "يجذب المعادن ويحب الكلاب" هو نفسه دائما رجلا محبطا يقاوم وطأة العزلة أو مريضا يعانى متاعب الاندماج مع زملاء العمل، أو ضجرا يبحث عن وسيلة لتمضية الوقت والتسلى، وبدا فى كثير من القصص وكأنه يعانى من الرهاب الاجتماعى، أو ما يمكن أن يسميه الطب النفسى "اضطراب القلق الاجتماعى"، الذى يؤدى إلى الشعور الدائم بالخوف والقلق، ويبدو المرء المصاب به غير قادر على إقامة علاقة سوية حتى مع أقرب الناس إليه، وفى إحدى القصص الجميلة من المجموعة "وقائع مقتل السيدة مرسيدس" يلجأ الكاتب إلى تقنية الحلم ليحل مشكلته مع العالم، وكأنه يعرى العالم الواقعى البشع من واقعيته، حيث تبدو الزوجة غير المثقفة وكأنها تنتقم من الزوج دائما بالسخرية منه ومن مشاريعه ومن تصوراته المتضخمة حول ذاته، فهو يشعر أنه يستحق مصير فنان رغم أنه أضاع عمره ـ أو يكاد ـ فى وظيفة روتينية بائسة، ويأسى لأن مرسيدس زوجة الكاتب الكولومبى الشهير الحاصل على (جائزة نوبل 1982) جابرييل جارثيا ماركيز (1927 ـ 2014) كانت مؤمنة به أشد الإيمان، لدرجة أنها باعت كثيرا من أثاث منزلها لكى ترسل روايته الأشهر "مائة عام من العزلة" للطباعة، بينما بطل قصتنا يعانى من الإحباط الذى تسببه زوجته "الجاهلة" ويفكر فى التخلص منها بوضع السم البطيء لها، وذات ليلة، وحينما تأكد أنه تخلص منها بالقتل تركها جثة هامدة فى الحمّام ودخل لينام، لكنه يصحو فى اليوم التالى على صوتها الهادر وهى تقول: "معاد الشغل يا سى ماركيز.. قوم جاتك داهية"، فكل ما فعله الكاتب هنا أنه حاول أن يجد فى الحلم مخرجا من كل هذه الكوابيس التى تحيطه.

ورغم أننا نعتبر أن الكتاب هو كتابه الثانى لا الأول، نظرا إلى أن الكتاب الثانى يكون فيه الكاتب أكثر نضجا واكتمالا، إلا أننا نؤكد أن الفهم الحقيقى لكاتب هذه المجموعة وللأدوات التى يبنى بها عالمه القصصى لا يستقيم دون قراءة مجموعته السابقة "للمحبين والأوغاد وقطاع الطرق"، التى قدم فيها نفسه لأول مرة بصوت أكثر شاعرية، وهى المجموعة التى حصلت على جائزة ساويرس 2022، لكتاب القصة من الشباب، وفيها صياغة أكثر جرأة لجوانب من حياة البطل الذى يعيش مغتربا فى بلده، ثم يلجأ إلى السفر لتصبح غربته غربتين، ويصبح مهموما بالبحث طوال القصص عن الحب، ففى هذا العالم الذى اندحرت فيه ثورة تطالب بالحريات، كان من الطبيعى أن يفشل أبطال القصص فى تذوق طعم الحب، أو فى تحقيق النجاح خلال معارك الحياة اليومية، وتبدو الضغوط الهائلة على أبطال المجموعة كأنها معضلات لا حل لها سوى بالخيال.

يشار إلى أن محمد البُرمى صحفى مصرى، عمل مديرا لتحرير موقع المصرى اليوم، ومدير تحرير صحيفة "عاجل" السعودية، كما عمل فى عدد من الصحف والقنوات المصرية والعربية، إلى جانب عمله فى جريدة "الرؤية" بسلطنة عمان، وصدر له كتاب ينتمى إلى "أدب كرة القدم" بعنوان "كل شىء أو لا شىء عن الكرة وأحلام غرف الملابس".

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات