وسائل التواصل الاجتماعى منحت قبلة الحياة للقصيدة الحديثة / شعراء كبار يكتبون نصوصًا يسمونها قصائد.. ولا علاقة لها بالشعر إطلاقًا / الشعر لا يطعم قطة.. فهجرته 20 عامًا من أجل بناتى وأسرتى
الشاعر كمال أبو النور أحد أهم شعراء جيل التسعينات، اختفى عن الساحة الأدبية لأكثر من عشرين عاما، ثم عاد فى 2017 بديوان "موجات من الفوبيا"، وفى عام 2018 صدر له ديوان "قفزة أخيرة لسمكة ميتة"، وفى 2022 ديوان "شجرة فى قلب ذئب".. عن تجربته الشعرية ورؤيته للشعر ومستقبل الشعر فى مصر، تحدث معنا فى هذا الحوار:
متى بدأت العلاقة بينك وبين الكتابة؟
منذ الطفولة، حينما كنت فى المرحلة الإعدادية، كنت أعشق فتاة لا مثيل لها، وبسبب العادات والتقاليد الريفية، والضغوط النفسية من أسرتها، أحرقت نفسها وفارقت الحياة، فلم أجد وسيلة تنقذنى من الموت غير الشعر.
من الشعراء الذين تأثرت بهم؟
فى المرحلة الثانوية، قرأت الأعمال الكاملة لأبى القاسم الشابى، وكانت مختلفة كل الاختلاف عن القصيدة العمودية التى كنت أقرأها فى مكتبة خالى، وهو مدرس لغة عربية أزهرى. وحينما دخلت كلية دار العلوم، وقرأت شعراء التفعيلة من الرواد ومن جيل الستينيات، تأثرت بأمل دنقل، وصـــلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطى حجازى فى ديوانه "مدينة بلا قلب"، والشاعر محمد عفيفى مطر فى ديوانيه "يتحدث الطمى" و"رباعية الفرح"، ثم شعراء السبعينيات، وكنت معجبا بكتابة الشاعر عبدالمنعم رمضان. ثم تجاوزت هذه المرحلة سريعا، وقرأت شعراء قصيدة النثر جميعا، وتوقفت كثيرا عند الشاعر عباس بيضون، ثم وديع سعادة. ومن الشعراء غير العرب تأثرت كثيرا بالشاعر الفرنسى "آلان بوسكية".
ما ذكرياتك مع أول قصيدة نشرتها، وظروف نشرها؟
أول قصيدة نشرتها فى مجلة "إبداع"، وكنت طالبا فى الكلية، وكان رئيس تحريرها الناقد الكبير الراحل الدكتور عبدالقادر القط، ولم يكن يوافق على نشر نص لشاعر صغير بسهولة. ذهبت إلى مكتبه وسلمته النص، ولم يعقب على شيء، وقال لى: تنشر فى العدد القادم.
توقفت عن الكتابة 20 عاما، ثم عدت فى عام 2017 بديوان "موجات من الفوبيا".. فما سبب التوقف والابتعاد عن الشعر؟
كى أتمكن من بناء أسرة لا تعيش فى ضيق الحياة، ولتربية بناتى على أفضل وجه، فالشعر لا يطعم قطة، ولم أندم إطلاقا على ذلك، خاصة حينما أنظر فى وجه ابنتى المهندسة "لميس" وابنتى الدكتورة "كنزى"، وفى نفس الطريق تسير ابنتى الأخيرة "رتاج"، ولو لم أفعل سوى ذلك فى الحياة -بعيدا عن الكتابة- لكفى.
هل العودة للكتابة بعد عقدين من الزمن كانت سهلة أم صعبة؟
لم أجد صعوبة فى العودة للكتابة. وبعد أن كبرت بناتى شعرت بأن شيئا ما ينقصنى، فعدت للكتابة مرة أخرى، وكنت أكتب بغزارة، وكأننى أمرن ذاكرتى على استعادة الخيال، وكل ما كتبته من نصوص فى السنة الأولى لعودتى تخلصت منه، وحينما شعرت بأننى راض عن بعض نصوصى نشرت ديوانى الأول "موجات من الفوبيا"، وأنا غير راض عن بعض قصائد هذا الديوان، وكذلك الديوان الذى بعده "قفزة أخيرة لسمكة ميتة"، ولكننى راض إلـى حــد مــا عن ديـــوانى الثــالث "شجرة فى قلب ذئب".
هل الوسط الثقافى تغير عما كان عليه عندما بدأت فى التسعينيات؟ وما أبرز التغيرات؟
نعم تغير كثيرا، فالقاهرة كانت فى ذلك الوقت مركز تجمع لكل شعراء مصر، وكنا نلتقى جميعا على مقهى زهرة البستان، وكنا نساعد بعضنا فى كل شىء، كنا نقتسم الرغيف والحجرة سويا. ثمة دفء كان يربطنا، وكأننا أسرة واحدة، وحينما ظهر الفيسبوك لم تعد القاهرة كما كانت، فليس ضروريا أن يقيم الشاعر فى القاهرة لكى ينشر أعماله أو يعرفه المبدعون، فبضغطة واحدة على صفحته فى الفيسبوك، ينشر قصيدته ويقرأها الجميع، فلم تعد القاهرة كما كانت، ولم تعد علاقة الكتاب والشعراء كما كانت، وتوارى الدفء.
ما أهم ملامح ديوانك "شجرة فى قلب ذئب"؟
هذا الديوان يتكئ على ثلاثة محاور: رؤيتى للعالم والمجتمع فى فترة كورونا، ورؤيتى للمرأة التى رافقتنى والمرأة التى أحلم بها، ورؤيتى للعراقيل التى تعرضت لها فى الماضى وأثرها النفسى والفلسفى على نظرتى للحياة فى الحاضر.
فى بداية الديوان إهداء لنفسك قائلا "كم مرة قتلت توأمك من أجل أن تحيا" فلماذا قررت أن يكون الإهداء لنفسك؟
لأننى تغلبت على قتلى لنفسى أكثر من مرة، كلما هزمت فشلى وخساراتى أولد من جديد. فكم مرة وصلت إلى مرحلة الصفر، ثم أخرج من الصفر لأقصى درجة، وهكذا شعرت أننى إنسان آخر تماما، غير الذى كنته، فكنت أستحق أن أهدى الديوان إلى نفسى القوية، التى لم تعرف الاستسلام.
ما التحديات التى تواجه الشعر فى مصر والعالم العربى حاليا؟
أولى التحديات طباعة الدواوين، فدور النشر تحجم عن طباعة الشعر، لأن قرَّاءه هم الشعراء أنفسهم، إذن لا مكاسب من طباعة الشعر، وهيئة الكتاب لا تستطيع وحـــدها طبـــاعة هــذا الكم الهــائل مــن الــدواوين، وكذلك هيئة قصور الثقافة.
ثانيا: طريقة تعامل وزارة التربية والتعليم مع قصيدة النثر، وكذلك التفعيلة، وعدم الاعتراف بهما. لابد من تغيير هذه المفاهيم، فقد مرت عقود من الزمن على تواجد هذين النوعين من الشعر، ولابد من نماذج تُقرَّر على تلاميذ المدارس، حتى يستطيع النشء تذوق هذين النوعين، وهذا سيؤدى إلى زيادة مبيعات كتب الشعر مستقبلا، نظرا للوعى بهما.
ثالثا: الجوائز ما زالت تعطى بسخاء للقصيدة العمودية، خاصة فى دول الخليج، فما زالت العقلية هناك تتعامل مع الشعر وكأننا لم نتجاوز العصر الأموى والعباسى فى التعامل مع الشعراء، حتى فى مصر مؤسسة ساويرس تعطى جوائز لشعر العامية فقط، والقصة والرواية.
هل الشعر تراجع عما كان عليه من قبل؟
نعم الشعر تراجع عما كان عليه من قبل لصالح الرواية، فمهنتى كمدرس ودراستى لطبيعة التلاميذ فى المرحلة الإعدادية والثانوية، جعلتنى أقول هذا الرأى، فالكثير من تلاميذى يقبلون بشغف على قراءة الروايات، لدرجة أن الرواية التى أعطيها لتلاميذى تدور بين التلاميذ لكى يقرأونها، وهذا لا يحدث مع الشعر حتى العمودى.
هل قصيدة النثر وصلت لما تستحقه من مكانة وحضور على الساحة الأدبية؟
نعم، فقصيدة النثر أصبحت هى المتن الآن، بصرف النظر عن بعض الجهات التى تتبع بعض دول الخليج، لأن لها توجهات بعيدة عن الشعر، فهى ترمى الفتات لبعض الشعراء المشاركين فى ندواتهم وأمسياتهم، وغالبيتهم من شعراء القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، والباقى معروف.
البعض يتهم قصيدة النثر بأنها فى متناول أى شخص يريد الكتابة رغم عدم علمه بأدوات وأصول الكتابة. فما رأيك؟
للأسف الشديد هذا يحدث، فكثير ممن يكتبونها علاقتهم مع اللغة العربية وقواعدها مخزية للغاية، لكن قصيدة النثر من أصعب أنواع الكتابة، وبسبب إحدى آليات قصيدة النثر -وهو السرد- فكثير ممن يكتبون القصة القصيرة، وكذلك قصيدة العامية، كتبوا قصيدة النثر، ورغم إجادة بعضهم لكتابتها، وخاصة شعراء العامية، فهناك فهم خاطئ للسرد الشعرى، فكثير من شعراء قصيدة النثر انحرفوا انحرافا يهدد قصيدة النثر، ومنهم شعراء كبار يكتبون نصوصا يسمونها قصائد، وهى لا علاقة لها بالشعر إطلاقا، لأنها سرد قصصى يخلو من الشعر تماما، وأقول لهؤلاء أنتم خطر كبير على قصيدة النثر، دون أن أسميهم، ولو قصدوا أن هذه كتابة خارج النوع فلا يقولون إنها شعر، ويسمونها كما يشاءون، والحقيقة أن الكتابة خارج النوع هى الأخرى ليست بالسهولة التى يرونها.
هل هناك صراع بين الأشكال الشعرية؟
لا يوجد صراع، فكل الشعراء يتجاورون فى معرض الكتاب مثلا، العمودى والتفعيلة والنثر دون تفرقة. أما الندوات والمهرجانات الخاصة فتسيطر عليها قصيدة النثر.
هل وسائل التواصل الاجتماعى منحت قبلة الحياة للشعر مرة أخرى، أم أساءت له؟
نعم قدمت قبلة الحياة للشعر، ولم تعد للقاهرة مركزية بسبب هذا، ولا حاجة للشعراء لمجلات الشعر، فقصيدة الشاعر عندما تنشر فى الفيسبوك تقرأ أكثر من المجلات بكثير. وبسبب هذه المساحة الكبيرة من الانتشار، أصبح الصغار يقرؤون قصيدة النثر، ولكن للأسف القليلون استغلوا هذا، وكتبوا خواطر وأطلقوا عليها قصيدة نثر.
أنت أحد المؤسسين لصفحة "مجانين قصيدة الـنثر".. ما تفاصيل هذه التجربة؟
كنت من المشرفين على الموقع فى بداية عمله لمدة قصيرة، مثل الكثيرين، لكن الفضل الكبير يرجع للشاعر والقاص محمد نصر، فهو الذى حمل على كتفيه عبء هذا الموقع، رغم مشاركة الكثيرين، وهى تجربة فريدة من نوعها فى عالمنا العربى، فهذه صفحة على الفيسبوك، ثم انتقل من العالم الافتراضى إلى العالم الواقعى، حيث أقمنا مهرجانات شعرية مصرية وعربية، ونجحت نجاحا منقطع النظير، ثم تحولت إلى عمل مطبوع، وهناك تنافس شريف بين شعراء العالم العربى، ومازالت الإنجازات تتوالى مع هذه المجموعة منذ ظهورها، حيث إنها خلقت نوعا جديدا من النشاط الثقافى، لم يعرف من قبل بهذا الشكل.
كيف ترى مستقبل قصيدة النثر العربية؟
قصيدة النثر هى المستقبل كله، إنها تطور نفسها بنفسها وتستفيد من كل الفنون الأخرى. أما القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة فمحكومتان بأغراض ومواريث من الصعوبة الخروج منها بشكل كامل. ولو تأملنا أعمال شعراء قصيدة النثر المتميزين، فمعظهم يتمردون على أنفسهم من كتاب إلى آخر.
ما الذى ينقصنا أو المشاكل التى تواجه الشعراء حتى يتم ترجمة أعمالهم إلى لغات أخرى؟
مشكلة ترجمة أعمال الشعراء قديمة حديثة، فرغم وجود المركز القومى للترجمة الذى أسسه الدكتور جابر عصفور، والذى ترجم تقريبا حوالى أكثر من ثلاثة آلاف عمل إلى الآن، واستفدنا كثيرا منه، ولكن ما ينقصه الاتفاق بينه وبين ما يشابهه من مراكز فى العالم على ترجمة أعمال الشعراء المصريين والعرب المتميزة إلى هذه اللغات، وهذا يحتاج إلى تمويل كبير، ونحن نفتقد هذا التمويل. وأتمنى من الدول العربية الغنية أن تؤسس لمركز كبير لترجمة أعمال الشعراء والروائيين العرب المتميزة إلى اللغات الأخرى، والاتفاق بين المؤسسات الرسمية فى هذه الدول، ودور النشر الخاصة المعروفة عالميا فى أوروبا وآسيا، على نشر الأعمال العربية حتى نستطيع التنافس على الجوائز العالمية الكبرى، كجائزة نوبل مثلا، فمن العيب الكبير أننا توقفنا عند نجيب محفوظ فقط، وكثير من الشعراء العرب والروائيين يستحقون جائزة نوبل، وأعمالهم تفوق بكثير أقرانهم فى الدول الأوربية والأسيوية والإفريقية، ولكن التمويل والعمل المؤسسى يقفان حجر عثرة أمام ترجمة أعمال المبدعين العرب.
ما عملك القادم؟
ديــوانى الــرابـع، وقــد انتهيت منـه منـذ عـام، وهو قيد النشر قريبا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...
رجال حول الرسول «2» ينتمى إلى بنى فهر من قريش وكان من السابقين فى الإسلام وكان زاهداً يعمل من أجل...