خطورة «الكوزموبولتانية» وروعتهـا فـى باريـس

صورة من احتفالات «الكريسماس» بشارع «الشانزليزيه»

"باريس".. عاصمة النور والموضة والجمال التى يتماهى أثناء زيارتك لها الخيال مع الواقع؛ إنها عاصمة فرنسا التى تترك فى نفسك طابعا فريدا على الرغم من صخبها، فعلى الرغم من أن المدن الفرنسية الأخرى، خاصة فى الجنوب، وكذلك الريف الفرنسى، تتفوق على باريس من حيث الهدوء والطابع الأوروبى الأنيق والطبيعة الساحرة، مثل مدينة أنسى وليون وليل وكولمار، بالإضافة إلى نيس، إلا أن العاصمة الجميلة تظل فى صدارة جدول الزيارة لأى سائح مهما كانت جنسيته.

فى زيارتى الأخيرة للعاصمة الفرنسية لاحظت العديد من المتغيرات التى طرأت عليها، فعدد السائحين لم يكن مثلما كنت أراه فى السنوات السابقة، خاصة السنوات التى سبقت جائحة كورونا، وربما يرجع السبب فى المظاهرات التى عمت مدينة النور لعدة أشهر اعتراضا على بعض قرارات الرئيس ماكرون الاقتصادية، أو ربما كان التغير هذه المرة بسبب فصل الشتاء والأمطار والثلوج التى كست المدينة بطابع أوروبى مبهر، أو ربما بسبب شائعات انتشار الحشرات وتدنى مستويات النظافة التى طالت المدينة الفرنسية القديمة.

فى باريس لا تشعر أنك فى مدينة أوروبية، وتتعجب قائلا: "أين ذهب الفرنسيون الأصليون؟. تكشف الإحصائيات أن معظم الفرنسيين يفضلون النزوح إلى الريف والمدن الهادئة الأخرى للهروب من صخب العاصمة المكتظة بالمهاجرين، خاصة أن باريس افتقدت الأجواء الفرنسية الأصيلة بعدما صارت ملتقى لكل الجنسيات، وفى المقابل اختفت الوجوه الفرنسية أو الأوروبية المألوفة؛ ومن أكثر الجنسيات المنتشرة بباريس الأفارقة ومواطنو دول المغرب العربى، فهم فى كل مكان تذهب إليه، الأمر الذى خلق تنوعا صاخبا فى المدينة القديمة، كما خلق نوعا من التوتر والقلق فى المعاملات الحادة التى تجدها من البعض أحيانا، لكن تظل تلك الحالة "الكوزموبولتانية" التى تمتاز بها المدينة على درجة كبيرة من الروعة، فهى التى تصنع ذلك السحر الذى يشعر به السائحون فى شوارعها القديمة. 

 متلازمة باريس

"متلازمة باريس" التى كتب عنها الرحالة وعلماء النفس هى حالة نفسية حقيقية يصاب بها البعض عند زيارتهم للعاصمة الفرنسية باريس، وتظهر تلك الحالة نتيجة للصدمة الكبيرة فى الاختلاف بين ما وجدوا عليه باريس وما كانوا يتوقعون فيها، ويقال إن من بين ملايين السائحين القادمين إلى باريس سنويا يصاب بتلك المتلازمة المئات، إذ يعانون مللا ويضطرون على إثره إلى العودة إلى أوطانهم، وتنبع تلك المتلازمة الغريبة إلى المخزون الثقافى لعاصمة النور باريس فى أذهان البعض، وذلك لأن باريس مرتبطة فى عقولهم بصورة مثالية راقية طالما قاموا برسمها منذ صغرهم ربما بسبب الأفلام السينمائية الكثيرة التى شاهدوا فيها جمال المدينة وحضارتها العريقة، لكن عندما يقومون بزيارتها على أرض الواقع يتعرضون لصدمة ثقافية نتيجة مشاهدتهم صورة مغايرة تماما تتسم بالسرعة والنشاط والحداثة والصخب والضجيج تختلف تماما عما رسموه فى مخيلتهم، لكن على الرغم من إصابتى بالفعل بتلك المتلازمة فور وصولى إلى باريس، إلا أننى أعشقها، مثلى مثل الكثيرين من عشاقها فى كل أنحاء العالم، فعندما تتعمق فى شوارعها ذات الطابع المعمارى الخاص جدا، ستكتشف أنك بالفعل أمام مدينة صممت لتكون منارة للثقافة والفنون بمتاحفها ومسارحها، إنها تبدو كمركز عالمى حضارى يجذب العقول والقلوب.

 المسلة المصرية والأهرامات

كنت حريصة على زيارة متحف اللوفر الذى يذكرنى الهرم الزجاجى فى ساحته الخارجية بأهرامنا المصرية، وأشعر كيف أثرت حضارتنا على العالم، ثم يزداد فخرى بالحضارة المصرية القديمة حينما أسير من متحف اللوفر عبر الحدائق الشاسعة التى تطير فى أجوائها أسراب الطيور، حتى أصل فى النهاية إلى البوابات الحديدية العملاقة ذات اللون الذهبى التى تشبه أبواب قصر فرساى، ومن خلال تلك البوابات أرى المسلة المصرية فى ميدان الكونكورد، وهى مسلة عملاقة وشامخة يتهافت على تصويرها السائحون من كل دول العالم، خاصة أنها موجودة فى أكثر الأماكن زيارة فى باريس، فهو ميدان لا يبتعد عن شارع الشانزليزيه وبرج إيفيل ونهر السين إلا بمسافة صغيرة.

 أحدب نوتردام

لقد حزن العالم كله عندما احترقت أجزاء من كاتدرائية "نوتردام دى بارى" عام ٢٠١٩، وذلك نظرا لقيمتها التراثية والتاريخية الهامة، فقد بدأ تشييدها عام ١١٦٣، فضلا عن كونها صرحا باريسيا عايش العديد من الأحداث التاريخية والثقافية، وفى زيارتى هذه المرة إلى باريس، بعد مرور ٥ سنوات على احتراق الكاتدرائية، لاحظت أنها لاتزال تحت الترميم، لذلك يكتفى الزوار بالتقاط الصور فى ساحتها الخارجية فقط، وهذا ما فعلته متذكرة قصة "أحدب نوتردام" لـ "فيكتور هوجو" التى تدور أحداثها داخل تلك الكاتدرائية العريقة، بالإضافة إلى أن زيارة قوس النصر، ومركز جورج بومبيدو، والبانثيون الذى يُعرف بمقبرة العظماء، ذكرنى بأهم المفكرين الفرنسيين، أمثال "فيكتور هوجو" و"برايل" و"فولتير". 

 حدائق قصر فرساى

يعد شارع الشانزليزيه واحدًا من أشهر الشوارع التجارية فى باريس، كما يعد مقرا لمحلات الأزياء والموضة والماركات العالمية، بالإضافة لأنه زاخر بالمطاعم والمقاهى الشهيرة التى لا يمكن زيارة باريس دون الذهاب إليها، وفى الشارع كذلك كنيسة الساكركير حيث تشتهر المنطقة بسحرها الفريد وأجوائها الفنية وبقربها من المقاهى الباريسية التقليدية التى تعد قبلة للفنانين المتجولين، بالإضافة الى جسر "الأرك دو تريومف" الذى يمتد عبر نهر السين ويوفر إطلالة رائعة على باريس وحدائق "اللوكسمبورج"، وهى واحدة من أجمل الحدائق فى باريس وتحيط بقصر "اللوكسمبورج" الرائع والنصب التذكارى الموجود فى وسطه.

أما حديقة "تروكاديرو" التى توفر إطلالة رائعة على برج إيفيل ونهر السين النابض بالحياة، فهى المحطة الأولى للسائحين الراغبين باستئجار المراكب السياحية للقيام بجولة نهرية للتعرف على معالم باريس، خاصة قصر فرساى الذى يعد واحدًا من أبرز المعالم التاريخية بفرنسا، ويتميز بالحدائق الواسعة والنوافير الرائعة والممرات الكثيرة والواجهة الخارجية الذهبية التى تعود بك إلى العصور القديمة.

 فوضى الهجرة

لسنوات طويلة ظلت  فرنسا متفوقة سياحيًا على جميع دول العالم، وذلك لأنها كانت تجذب ما يقرب من 85 مليون سائح سنويًا، أى أكثر من تعداد سكانها البالغ حوالى ٦٧ مليون نسمة، ويتفق خبراء السياحة على أن فرنسا توفر للسائحين كل شىء تقريبا، من الشواطئ الدافئة فى الجنوب إلى جليد جبال الألب فى الشمال، وبينهما الريف الفرنسى والمطبخ الفرنسى الشهير والطبيعة الخلابة، وعلى رأس كل هذا نجد مدينة النور باريس التى تجذب وحدها 30 مليون سائحا سنويا، وأتمنى أن تعود باريس إلى سابق عهدها فى هذا التفوق السياحى خلال الفترة المقبلة، وأتمنى أن تستعيد ما فقدته جراء الأحداث الاقتصادية العالمية التى مرت وتمر بكل الدول حاليا، وأتمنى أن تتخلص من فوضى الهجرة التى أصبحت - بلا شك - عائقا كبيرا فوق كاهلها، وذلك بالرغم من اقتصادها الذى كان معروفا أيضا بأنه من أقوى اقتصاديات أوروبا بعد ألمانيا، حيث تمتلك فرنسا اقتصادا متنوعا يشمل الصناعات الرئيسية والخدمات، صناعة الأدوية، والاتصالات والتكنولوجيا، فضلا عن السياحة، الأمر الذى جعل فرنسا من أكثر الدول الجاذبة للهجرة، فهى تتمتع بجودة الحياة والرفاهية. 

 الكريسماس فى باريس

كنت حريصة على زيارة باريس أثناء احتفالاتها بالكريسماس، لأتابع فرح السائحين والفرنسيين كذلك بقدوم السنة الجديدة، وهذا الاحتفال له خصوصية مميزة فى شارع الشانزليزيه الذى استقبل السنة الجديدة بالأضواء المبهرة والعروض الجذابة والاحتفالات الغنائية والاستعراضية المتنوعة التى امتدت حتى الساعات الأولى من العام الجديد، وكل ذلك سط زحام شديد من المحتفلين الذين شاركوا فى تلك الاحتفالات المجانية، على الرغم من التضييق والاحتياطات الأمنية الكبيرة التى وفرتها فرنسا فى تلك الليلة البديعة؛ وهكذا تظل باريس أيقونة أوروبا المتألقة بأنوار الثقافة والفنون.

 	هويدا عبد الوهاب

هويدا عبد الوهاب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...

أبو عبيدة بن الجراح.. أحد المُبشّرين بالجنة والنبى منحه لقب أمين الأمة

رجال حول الرسول «2» ينتمى إلى بنى فهر من قريش وكان من السابقين فى الإسلام وكان زاهداً يعمل من أجل...


مقالات

بئر يوسف
  • الأربعاء، 25 فبراير 2026 09:00 ص
خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص