أوراق ساحر الكتابة «15» «قاهر الظلام».. الفيلم الذى تبرأ منه صبرى موسى

السيناريو الأصلى يتناول معركة طه حسين والأزهر حوله المخرج إلى قصة حب وكوميديا / مخرج الفيلم عاطف سالم يكلف بطله محمود ياسين بكتابة مشهدين أثناء التصوير

رغم أنه اختار يوم الهول يوم وداع، حين كانت مصر كلها مشغولة فى حرب أكتوبر، ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة، لكن هذا - وهو لو تعلمون عظيم - لم يمنع أن يحظى عميد الأدب العربى بوداع يليق بمكانته، فخرجت مصر تودعه فى صبيحة يوم الأربعاء 31 أكتوبر 1973 فى جنازة مهيبة انطلقت من جامعة القاهرة، وشاركت فيها جموع غفيرة زادت على الخمسين ألفا، توحدت فيها مصر الرسمية ممثلة فى مسئولين بأهمية حسين الشافعى نائب رئيس الجمهورية ومحمود فوزى مساعد الرئيس وممدوح سالم نائب رئيس الوزراء.. ومعهم مصر المبدعة برموز فى قيمة توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وسهير القلماوى ويوسف السباعى، وحولهم وبجوارهم وقبلهم مصر الشعبية بطوفان من كل الطبقات والأعمار، جاءوا ليودعوا الأستاذ العميد.

     (1)

فى انفعالات الوداع، قررت الإذاعة المصرية أن تسارع بعمل مسلسل درامى عن حياة عميد الأدب العربى، وحشدت له ألمع أصوات الدراما الإذاعية ونجومها، فاجتمع على شرف العميد عمالقة التمثيل بوزن محمود مرسى ومحمود المليجى وعبد المنعم إبراهيم وحسن عابدين وزيزى مصطفى وعبد الغفار عودة وأحمد مرعى، وعمالقة الموسيقى والغناء بمكانة محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ومحمد الموجى وعلى إسماعيل ومعهم الشاعر الغنائى محمد حمزة.. وسابق المؤلف الإذاعى سمير عبد العظيم الزمن لينتهى من كتابة 30 حلقة عن سيرة د. طه حسين مستوحاة من كتاب للناقد والكاتب الصحفى كمال الملاخ عنوانه "قاهر الظلام".. وهكذا ظهر أول عمل درامى عن حياة صاحب "الأيام"، لكن بقى تأثير العمل خافتا وقاصرا رغم جودته، ذلك أن حياة طه حسين بها من الرحابة والثراء ما يجعلها تتسع لعشرات الأعمال والرؤى ووجهات النظر، وفوق ذلك فإن للصورة سحرها وتأثيرها وانتشارها مهما كانت روعة الدراما الإذاعية وسحر خيالها، ومن هنا فكّر الأديب الكبير صبرى موسى فى تقديم حياة طه حسين على شاشة السينما.

كانت الفكرة (فيلم سينمائى عن طه حسين) فى ذلك الوقت من نهايات السبعينات ضربا من "الجنون"، ففيلم جاد عن رجل مثقف (حتى لو بشهرة عميد الأدب العربي) سيكون نشازا فى السياق التجارى الهادر والمسيطر على سوق السينما وشاشتها فى ذلك الحين، يكفى أن تقرأ نماذج من عناوين أفلام تلك الفترة لتدرك فداحة ما قرره صبرى موسى: "عندما يسقط الجسد"، "بص شوف سكر بتعمل إيه"، "فتاة تبحث عن الحب"، "ألف بوسة وبوسة"، "عذراء ولكن"، "عيب يا لولو يا لولو عيب"، "واحدة بعد واحدة ونص"..

صحيح أنه وجدت أعمالا جادة حاولت أن تسبح ضد التيار وتقدم سينما حقيقية، مثل "السقا مات" و"عودة الابن الضال" و"الصعود إلى الهاوية"، لكنها بدت قليلة ومحدودة ولا تستطيع منافسة الأفلام التجارية فى شباك التذاكر.. ومع ذلك أصر صبرى موسى على مغامرته السينمائية المحفوفة بالمخاطر.

نقف هنا لنقول إن اختياره لسيرة طه حسين لم يأت من فراغ، ففضلا عن تأثير العميد الطاغى على جيل صبرى موسى بل على أجيال سبقته ولحقته، رأت فيه نموذجا ملهما للإبداع، وتجربة فريدة فى الثقافة والأدب والفكر، وعلامة إنسانية متفردة على الإرادة والتحدى، فإن صبرى موسى رأه جديرا أيضا  بأن يتصدر مشروعه السينمائى التنويرى،  وهو المشروع الذى داعب خياله منذ تجربته مع فيلم "الشيماء"، بعدما أدرك تأثير السينما الطاغى فى تقديم وتسريب الأفكار التنويرية إلى عقل ووجدان الجمهور العريض بكل مستوياته وشرائحه، ففكر فى تقديم المزيد من تلك الأعمال التنويرية، وهل هناك تجربة مصرية فى التنوير أسطع وأروع من طه حسين؟

ولذلك فإنه عندما شرع فى كتابة سيناريو فيلمه عن طه حسين فإنه اتجه مباشرة إلى تلك الواقعة أو الموقعة الأخطر فى مسيرته، وهى تلك المتعلقة بأزمة كتابه "فى الشعر الجاهلى" (1926) التى أغضبت قوى التخلف والرجعية فأثارت ضده العواصف وأوصلته إلى النيابة وتسببت فى فصله من الجامعة وفى طعنه فى عقيدته، لمجرد أنه استخدم عقله وقواعد المنهج العلمى فى تناول التراث العربى، وهى الأزمة الكاشفة والمعركة العاصفة التى خاضها طه حسين بجسارة وانتصر فيها للعقل والاستنارة والعلم..

إنها إذن بكل المقاييس مغامرة سينمائية "مجنونة" بمعنى الكلمة فى مثل هذا التوقيت، ولذلك احتاجت- فى البدء - إلى منتج يتمتع بروح المغامرة، وهو ما تحقق فى المنتج الشاب يومها "سعد شنب" الذى وصفه الناقد السينمائى المرموق سامى السلامونى بسببها بأنه "مجتهد وجاد ويحرص على مستوى معقول لأفلامه".. وكتب عن تلك المغامرة - على غير عادته - بحماس مفرط:

"مثلما كانت حياة طه حسين وعطاؤه الغزير العظيم مغامرة شجاعة فى بحار الظلمات.. يكون إنتاج فيلم عن حياته مغامرة شجاعة أيضا فى ظلمات السينما المصرية.. لا يُقدم عليها إلا فنانون يستحقون الاحترام، لأنهم احترموا أنفسهم وفن السينما الذى يمارسونه، كما احترموا رجلا نادرا فى تاريخ الثقافة المصرية بل العربية كلها حينما فكروا فى المجازفة بتحويل حياته إلى فيلم.. لقد كانت كل علاقة السينما المصرية بالتاريخ المصرى وبالشخصيات المصرية التى تستحق الاحترام هى علاقتها بمجموعة من الراقصات تحولن فى أفلامنا إلى مناضلات وشهيدات بل وقائدات أحيانا للحركة الوطنية.. وعندما تترك هذه السينما هذا كله وتقرر الخروج من الكباريه لتقدم طه حسين فى فيلم، لا بد أن نرفع أيدينا جميعا بالتحية..".

وبدأ حلم صبرى موسى يتجسد ويتحول إلى حقيقة مع حماس مخرج بموهبة عاطف سالم ونجم شباك بشهرة محمود ياسين لتلك المغامرة.. ولكن سرعان ما تحول حلمه إلى كابوس.

 (2)

كتب صبرى موسى سيناريو وحوار "قاهر الظلام" برؤيته الخاصة، وراجعه ثلاثة من أهم تلاميذ وأصدقاء طه حسين والعارفين بسيرته (توفيق الحكيم، يوسف جوهر، نجيب محفوظ)، ورغم ذلك فإن عقلية الرقابة المنغلقة خافت أن يتسبب فى أزمة مع مؤسسة الأزهر، فطلبت تعديلات فى السيناريو، وحتى لا يتسبب صبرى فى تعطيل العمل أو إيقافه فإنه حاول أن يخفف من تلك المشاهد التى أثارت مخاوف الرقباء، فعدّل بقدر ما يستطيع دون أن يؤثر على سياق الأحداث والمعانى التى أراد توصيلها..

وفى تلك الأثناء تقرر ترشيح صبرى موسى لرئاسة مكتب "روز اليوسف" فى العراق ومنطقة الخليج، وكان عليه أن يحزم حقائبه ويسافر إلى بغداد ليتولى مهام منصبه الصحفى الجديد..

سافر صبرى وهو يظن أن كل شىء على ما يرام، فكل العناصر أصبحت جاهزة للتصوير وإنجاز الفيلم، بما فيها التوزيع الذى تحمست له الهيئة المصرية العامة للسينما والمسرح، وطار مخرجه عاطف سالم وبطله محمود ياسين إلى باريس لعمل معاينات للأماكن الحقيقية التى عاش ودرس بها طه حسين أثناء سنوات بعثته بالعاصمة الفرنسية، وهناك رأى المخرج أن يستعين بممثلة فرنسية لتجسد دور "سوزان" زوجة طه حسين الفرنسية (على سبيل المصداقية)، ووقع اختياره على الممثلة الفرنسية الجميلة "يولاند فوليو"، على أن يقوم فيما بعد بعملية دوبلاج بتركيب صوت ممثلة مصرية تؤدى حوارها (وهى المهمة التى قامت بها الممثلة إجلال زكى)..

كما كان اختيار الشيخ سيد مكاوى ذكيا لأداء الأغانى بالفيلم، فهو الأقدر على أن يقترب من إحساس طه حسين ويعبر عنه بحكم أن عاش مثله تجربة الحرمان من نعمة البصر..

وصحيح أن اسم محمود ياسين على الأفيش كان من أهم عوامل الجذب الجماهيرى، باعتباره أبرز نجوم الشباك فى تلك المرحلة، إلا أنه كان إلى جواره مجموعة لا يستهان بها فى موهبة يحيى الفخرانى وحسن مصطفى وحمدى أحمد و زوزو حمدى الحكيم..

وانتظر صبرى موسى الفيلم الذى حلم به، ولأنه لم يحضر العرض الخاص للفيلم ( 29 فبراير 1979) عند نزوله لدور العرض، كانت فرحته لا توصف عندما حمل إليه صديقه عدنان قحطان (سفير البحرين بالعراق) نسخة من "قاهر الظلام" على شريط فيديو، حملها معه من القاهرة (وكان قد قضى إجازة بها) إلى بغداد، لكن علامات الصدمة كست وجه صبرى موسى بمجرد أن شاهد الفيلم، إنه فيلم آخر وليس العمل الذى كتب له السيناريو والحوار..

كان آخر من يعلم بما حدث للسيناريو الأصلى الذى تركه قبل سفره، والذى حدث هو أن مخرج الفيلم ومنتجه خافا من أزمات جديدة مع الرقابة والأزهر، وخافا كذلك من ما حسبوه افتقار الفيلم لعوامل الجذب التجارى والمنافسة الجماهيرية، فقررا إجراء تعديلات فى السيناريو دون الرجوع لصاحبه، واستعانا بالأساتذة رفيق الصبان وسمير عبد العظيم وكمال الملاخ للقيام بتلك المهمة، وكان أبرز ما فعلوه هو إخفاء المحور الرئيسى للسيناريو الأصلى وهو معركة طه حسين مع الأزهر بسبب كتاب "الشعر الجاهلى"، والتركيز على قصة الحب الدرامية التى جمعت الشاب المصرى الصعيدى الكفيف والفرنسية الحسناء وانتهت بالنهاية السعيدة، وإضافة مشاهد تثير الضحك والبهجة وتخفف من الجو العام الجاد للفيلم..

وهو أمر أثار تساؤلات النقاد الجادين العارفين بسيرة طه حسين، وكان من بينهم سامى السلامونى الذى كتب:

"ومن العبث بالطبع أن نقارن الفيلم بحياة طه حسين الحقيقية أو بمواقفه ومعاركه العديدة، فقد كانت هذه بالتأكيد مهمة أكبر من طاقة صانعى الفيلم.. إن أعظم معارك طه حسين حول كتاب "الشعر الجاهلى" مثلا ومواقفه المعروفة مع قوى التخلف التى صدمها هذا المفكر والأديب بل والسياسى العظيم غائبة عن الفيلم.. ولهذا فإن أخطر ما يعيب الفيلم أنه يبدو وكأن محور حياة طه حسين كلها كان قصة الحب بينه وبين زوجته الفرنسية سوزان التى لعبت دورا عظيما فى حياته كامرأة عظيمة، كما يبدو وكأنه يريد أن يثبت فقط كيف استطاع فتى ريفى فقير ضرير أن ينتصر على كل ظروفه ليصبح عظيما، وكل هذا حقيقى بالنسبة لطه حسين ولكنه لم يكن كل معنى حياة وأعماله.. وفى نفس الوقت قد يكون غريبا أن يكون هناك بعض الخلل التاريخى فى التتابع الزمنى لبعض الأحداث، بحيث لا يجيء بعضها فى مكانه الصحيح..وإذا كان طه حسين عظيما بما يكفى فلا يعنى هذا أن يقدم السيناريو كل الشخصيات الثانوية التى أحاطت به كنكرات غير مرسومة أو موظفة جيدا، مثل تلك الشخصية الغريبة التى أداها يحيى الفخرانى والتى كان مقصودا بها الإضحاك، فلم يزد دورها عن وظيفة المهرج التقليدى فى أفلامنا الذى لا أتصور أنه كان موجودا فى حياة طه حسين".

المؤكد أن السلامونى كتب ما كتب وهو لا يعرف أن كل تلك الملاحظات تلافاها صبرى موسى فى السيناريو الأصلى، قبل أن يتم انتهاكه بتعديلات شوهته وأفقدته معناه، وهى تعديلات لم تتوقف على الثلاثى الذى اختاره المخرج، بل شارك فيها بطل الفيلم الفنان الكبير محمود ياسين، فقد سمعت منه أنه كتب مشهدين من مشاهد الفيلم، أولهما مشهد ليلة زفاف طه حسين وسوزان، حيث أراده المخرج رومانسيا ناعما بلا حوار، فحقق محمود ياسين رغبته فى صياغة جملة شاعرية يعبر بها طه حسين عن حبه لسوزان..

كما حقق رغبة المخرج فى ابتكار مشهد يعبر عن روح التمرد التى كان عليها طه حسين فى شبابه، فعاد إلى "الأيام" واستوحى مشهدا يدور بين طه والخديوى، قرر عاطف سالم أن يضيفه للسيناريو بعد أن صوره فى قصر عابدين!

  (3)

ولما عاد صبرى موسى من بغداد فى أول إجازة كان أول ما فعله أن تبرأ من "قاهر الظلام"، ولم يكتف بخطاب رسمى وجهه إلى صناعه بما فيهم شركتى الإنتاج والتوزيع، سجل فيه احتجاجه واعتراضه على ما أحدثوه من تشويه فى السيناريو الأصلى واجترائهم على كل هذه التعديلات المخلة بدون الرجوع إليه، واحتراما لحقوقه الأدبية والفكرية، فإنه كذلك كتب مقالا بقلمه نشره حينها، حكى فيه ما حدث، وأعلن أنه لا يتحمل مسئولية الفيلم المعروض، بل طالب على سبيل التهكم والسخرية أن يتم تعديل اسمه من "قاهر الظلام" إلى "الأعمى والحسناء"!

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سامح الجباس: أعدت خطب طه حسين للحياة بعد 70 سنة
د. نسمة يوسف إدريس تتحدث عن أمير القصة القصيرة
طه حسين
الناقد أيمن بكر يقرأ ملامح التجربـة المعرفية فى «هوامش العميد»

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - الفانوسجي

يبدو اللقب غريبا، وربما هذه هي المرة الأولى التي تسمعه فيها رغم أنه معروف تماماً في منطقة الدرب الأحمر..

مدحت صفوت: الترند جعل «اللايك» و«الشير» المعيار البديل للقيمة الجمالية

المشهد الثقافى يشبه بوفيه مفتوح فى عرس صاخب.. والرواية وجبة جاهزة الأكاديميات تُخرّج موظفى نقد أوشارحى مناهج وليس نقادًا

عصام الزيات: الطب أعطانى المادة الخام والكتابة أعطتها معنى

تعلّق القراء بالجوائز شىء طبيعى لأنها تمثل «فلترة رسمية» الكتابة علّمتنى الإصغاء ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق

بين الغيب والحظ والقسمة والنصيب فلسفة القضاء والقدر

يذكر ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤنثا «توشيه» نسبة إلى...


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص