ملتقى القصة القصيرة يعيد الاعتبار للثقافــة المستقلة ويحتفى بيحيى حقى

الملتقى شهد 3 جلسات بحثية لكبار النقاد وجلسة قراءات قصصية

بحضور الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، استضاف بيت السنارى بالسيدة زينب، السبت الماضى، فعاليات الدورة الثانية من ملتقى القصة القصيرة، الذى أطلقه ويترأسه الروائى والناقد الكبير سيد الوكيل.. حملت هذه الدورة اسم الكاتب الكبير الراحل يحيى حقى، وأقيمت برعاية مركز "سيا" الثقافى، برئاسة الروائية دكتور صفاء النجار.. تأتى فعاليات الملتقى فى إطار الاهتمام بتاريخ القصة القصيرة وأهميتها فى الأدب، وكذلك الاهتمام بإبداع القصة القصيرة الراهنة فى مصر والوطن العربى.

يعد الملتقى نموذجا للعمل الثقافى الأهلى والمستقل، الذى يقوم عليه أفراد، بعيدا عن المؤسسات الثقافية الرسمية وإجراءاتها البيروقراطية، لكنها ليست فى قطيعة معها، فقد كانت مكتبة الإسكندرية كواحدة من أعرق وأهم المؤسسات الرسمية راعية للملتقى، من خلال إتاحة استضافة الفعاليات فى بيت السنارى التابع لها، وتوفير الجو الملائم للعمل الثقافى، كما شاركت فى الرعاية مؤسسة خاصة هى "سيا"، فكان الملتقى مثالا للتعاون بين المثقف المستقل بطبعه، والمؤسسة حكومية وأخرى خاصة.

لم يكن الملتقى النشاط الثقافى المستقل الأول، ولن يكون الأخير، فتاريخ الثقافة المصرية حافل بالعديد من المبادرات الفردية المستقلة، بل إن هذه المبادرات تعد جزءا أصيلا وفاعلا فى تاريخنا الثقافى، وربما أكثر فاعلية من كثير من الأنشطة الحكومية. مثلا، لا يمكن إسقاط تجارب مهمة مثل مجلة "جاليرى 68" أو مجلة "إضاءة 77" أو مجلة "الكتابة الأخرى"، ومجلة "مقدمة"، أو جماعة "الجراد" أو جماعة "البطة السودا" ذات الطبيعة النسوية، أو جماعة "غضب"، وغيرها من الجماعات والإصدارات الكثيرة التى أثرت الإنتاج الأدبى، وأسهمت فى تقديم أجيال من الأدباء والمفكرين، بل إن العمل الثقافى فى النصف الأول من القرن العشرين كان كله تقريبا قائما على العمل الأهلى المستقل، وكانت المقاهى الثقافية والصالونات المستقلة هى المكان المفضل للأدباء والمثقفين والمفكرين للعصف الذهنى الحر بعيدا عن أية وصاية أو تدخلات، ولا يحكمهم سوى ضميرهم الوطنى وهمومهم الجمالية والفكرية.

شهدت فعاليات الدورة الثانية من الملتقى ثلاث جلسات بحثية، ثم جلسة قراءات قصصية. جاءت الجلسة الأولى احتفاء بالأديب الكبير يحيى حقى، بمناسبة أن الدورة تحمل اسمه بوصفه رمزا من رموز فن القصة. أدارت هذه الجلسة الكاتبة صفاء النجار، وتحدث فيها الدكتور مصطفى الضبع، وعرض ورقته البحثية التى دارت حول "بلاغة المكان فى سردية يحيى حقى" متوقفا عند عدد من الأعمال المهمة للأديب الكبير مثل "قنديل أم هاشم" و"أم العواجز" و"تعال معى إلى الكونسير"، مبينا أهمية الاستفادة من الموروث البلاغى فى تحليل الخطاب السردى وفهم حمولاته الثقافية، مؤكدا أن البلاغية التقليدية لم تمت، ويمكن تطويرها والاستفادة من منجزاتها فى دراسة النصوص الحديثة، كما شارك فى هذه الجلسة الناقد أمل سالم بورقة عنوانها "شهادة قرائية ليحيى حقى" تحدث فيها عن أهم مميزات شخصية الراحل، ساردا بعض المواقف التى جمعته مع نجيب محفوظ وعدد آخر من الأدباء تؤكد نبل شخصيته وتواضعه الجم.

الجلسة البحثية الثانية أدارها الشاعر الكبير الزميل أحمد المريخى، وشارك فيها الناقدان الكبيران الدكتور هيثم الحاج على والدكتور يسرى عبد الله، وجاء بحث الحاج على بعنوان "القصة القصيرة وأزمات الطبقة الوسطى فى مصر فى القرن العشرين"، واستعرض فيه العلاقة الجدلية بين فن القصة القصيرة وازدهارها وبين أحوال الطبقة المتوسطة من الشعب المصرى، فى مراوحة مكوكية بين ما هو فنى وجمالى وما هو اجتماعى وسياسى، لكن البحث ذهب أبعد من القرن العشرين، وعاد بالتاريخ إلى بدايات القرن التاسع عشر، ووصل إلى بدايات القرن الحادى والعشرين.

وذهب الحاج على فى بحثه إلى أن الطبقة الوسطى المتكونة حديثا فى نهايات القرن التاسع عشر استطاعت أن تبنى لنفسها مجموعة من الطموحات على المستوى الاجتماعى والاقتصادى والسياسى، تلك الطموحات التى حركتها فكرة القومية المصرية الناشئة التى تبحث عن استقلالها وصعودها، والتى تسببت الحرب العالمية الأولى وما واكبها من أحداث فى إعاقتها، تلك الحرب التى بدأت الطبقة الوسطى فى أعقابها مباشرة فى الإعلان عن وجودها عبر سلسلة من الأحداث التى كونت ثورة 1919، التى يمكن اعتبارها الإعلان الأول عن اكتمال بنية هذه الطبقة، وهذه التتابعات هى التى تعزز فكرة أنه "أشبه بحتمية تاريخية أن تكتب الرواية المصرية الكاملة الأولى فى سنة 1911 وتنشر فى السنة التالية، أى فى الوقت الذى كانت البورجوازية الناشئة فيه تستشعر وجودها لكنها لم تختبر قوتها اختبارا كافيا، ثم ينقطع الإنتاج الروائى إلى أن يعود فى الثلاثينات عندما كانت البورجوازية المصرية قد فرغت من قياس قوتها واطمأنت إلى مكانها، وفى هذا الوقت نفسه كانت القصة القصيرة قد أخذت تتحول عن مسارها الأول".

وأضاف الحاج على أن قوام ثورة 1919 كان يتكون من الأفندية، وهم الموظفون المدنيون وخريجو المدارس العليا والمتوسطة وطلابها، وهؤلاء هم الذين خرج منهم فى الوقت ذاته معظم كتّاب هذا النوع الجديد وقرائه على الأقل بسبب معرفة القراءة والكتابة عاملا أوليا، يتجمعون حول الفكرة وتحقيقها، وكانت قصة (فى القطار) أول نص قصصى مصرى معروف لا يعتمد على الترجمة أو التمصير أو التعريب أو التقليد عموما، ويحقق معظم أركان القصة القصيرة، وقد نشرت للمرة الأولى فى جريدة السفور فى 17 يونيو عام 1917، فى تاريخ يوازى تلك الأزمة التى أشرنا إليها سلفا.

أما الدكتور يسرى عبدالله، فقد ذهب فى بحثه "تنويعات القصة القصيرة وتحولاتها فى الآن وهنا" إلى أنه لا يمكن التعاطى مع مشهد القصة القصيرة بوصفه كتلة صماء ثابتة، من جهة أو بوصفه مشهدا منغلقا على ذاته من جهة ثانية، وإنما ثمة تنويعات متعددة داخله، وانفتاحا على الفنون الأخرى فى إطار التراسل بين الأنواع الأدبية المختلفة. موضحا أنه "من العسير والعبثى فى الآن نفسه أن نحيط بالمشهد القصصى الراهن فى تنوعه الخلاق، وإن كان من المنهجى أن نقف على بعض ملامحه وسماته. ونحن إذ نفعل ذلك فإن ثمة أسئلة جمالية تبرز، تتصل بحدود النوع الأدبى وماهيته، سؤال المعيار فى النص القصصى، مستقبل النوع، انفتاحاته وتجلياته فى الآن وهنا".

وأضاف عبدالله أن المنطق الديمقراطى للكتابة والممثل لروحها الحقيقية التى لا تفتر، ولا تموت، يجعل من التجاور صيغة للوجود الجمالى، ومن ثم سنرى حضورا متواترا لأجيال متعددة فى لحظتنا الراهنة؛ تكتب نصها وفق موجات جمالية تتآزر فى تشكيل بنية المشهد القصصى الراهن، وتنحو الدراسة إلى معاينة بعض تمثيلات جمالية ونوعية تبرز مناحى مركزية فى المشهد الراهن، حيث نصبح أمام سرديات متعددة، من بينها سردية المعنى؛ سردية مساءلة الجاهز، سردية اليومى، سردية التحليق.

وتوقف عبدالله فى البحث عند عدد من المجموعات القصصية بالتحليل، مثل مجموعة "معركة درنة" للكاتب علاء أبوزيد، ومجموعة "أنا وأنتِ" للقاص الكبير أحمد الخميسى، ومجموعة "تاكسى أبيض" للقاص شريف عبدالمجيد، ومجموعة "الحور العين تفصص البسلة" للكاتبة صفاء النجار، ومجموعة "عادى جدا طبعا" للقاصة المصرية صفاء عبدالمنعم وغيرها من المجموعات القصصية لكتاب معاصرين.

الجلسة البحثية الثالثة أدارها الدكتور أحمد عفيفى الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، وشارك فيها الناقد الكبير سيد الوكيل، والدكتورة سارة قويسى، وعمر شهريار.. جاء بحث الوكيل بعنوان "القصة القصيرة وتحولاتها"، وأشار فيها إلى أن البدايات الأولى للسرد كانت متأثرة بالحكايات والأساطير والخرافات.  وهذه ظاهرة عالمية.. فنحن نراها عند الإغريق لنصوص المسرح الأولى عند سوفوكليس تأثرت بالأساطير الإغريقية مثل أوديب الملك. انتيجونا. مضيفا أن المقامات حكايات تتناول الحياة اليومية لكنها إبداع خالص المؤلفة وليست مرويات عن.. وهذا تأكد مع الكتابة والتدوين بمعنى أن كل حكاية هى من صنع كاتبها.

وقال الوكيل إن "المقامات هى الفن الذى اقترب لمفهوم القصة كما نعرفها الآن، من حيث هو إبداع خالص لمؤلفه. غير أن المقامات الأولى لم تخلص إلى طبيعتها السردية. فظلت تراوح بين النثر والشعر، وتضمن الأخبار والمعارف والطرائف، كما ظلت مثقلة ببلاغة لغوية القص، وهدفها الإمتاع، لكن القيمة الأهم التى أضافتها المقامة، هى اقتراب الحكاية من واقع الحياة اليومية. لكن فن المقامة لم يتطور..لماذا؟ غياب مفهوم علم الجمال الذى عرفه الغرب منذ أرسطو".

وانتقل الوكيل للحديث عن قيمة "ألف ليلة وليلة" فى الأدب العربى، والاستفادة منها كثيرا فى الأدب المحلى أو العالمى، موضحا أن الحكى فى ألف ليلة كان مبشرًا بالمعنى الدقيق لمصطلح السرد، ففى هذا الفضاء التخيلى الواسع، كل شىء متاح لتوظيفه بداخل الحكاية الأصل: أشعار، وألغاز، وأخبار، ومُلح، ومواعظ وحكم، بل وشخصيات لها ما لها من القيمة والشيوع. وفى ألف ليلة أيضًا، يصبح للزمن حساب، ودور مهم فى التشكيل السردى، ومن ثم بناء الحكاية، فحكاية (تودد) تروى عبر زمن طويل، وتتعدد شخصياتها (الأب، الابن، الجارية، الخليفة هارون الرشيد، فقهاء القصر ورجاله).

وجاء بحث الدكتور سارة قويسى بعنوان "النسوية والقصة القصيرة"، وتناولت فيه العلاقة بين الحركة النسوية والكتابة، وقالت: لماذا اتجهت المرأة إلى الأدب، وأجندة الكتابة النسوية التى بدأت بتقليد هذا الفن فى البداية، ومن ثم الكتابة عن قضية المساواة والمرحلة النفسية، والمرأة الجديدة والمرأة والمجتمع وشعورها بالانتماء الذى يظهر فى بعض المواقف ويختفى حين تتبدد الأزمة، والجيل الجديد من الكاتبات الذى انقسم إلى جيل يكتب عن المرأة وقضاياها على طريقة الأجندة النسوية القديمة،  وجيل جديد هرب من ضيق العالم إلى رحابة الكتابة فعاد للكتابة والتدوين عما يدور بداخل المرأة وعلاقتها بالرجل مرة أخرى، وأغفل الحديث عن المرأة المعاصرة فأخذ يغازل الذكريات والوحدة والألم النفسى.

ثم توقفت قويسى سريعا أمام أهم الركائز التى كونت شكل الكتابة النسوية، وكيف كونت المرأة عالما قامت فيه بتهميش الرجل أو ترويضه من أجل تقديم عالما موازيا تتخلص فيه من سلطة الرجل التى ترصدها فى بعض الأحيان، ثم توقفت الباحثة عند اللغة المستخدمة فى الوصف التى تحولت مع جيل الستينات والسبعينات من لغة معيارية سائدة يستخدمها الرجل الكاتب والمرأة الكاتبة إلى لغة خاصة، حيث قررت المرأة الكتابة عن رؤيتها للعالم بلغة خاصة تختلف تمام الاختلاف عن لغة الرجل.

وعقب انتهاء الجلسات البحثية، انعقدت جلسة قراءات فى القصة القصيرة، وأدارتها الروائية والقاصة أسما عواد، وقرأ فيها الأدباء الشباب نصوصهم القصصية، ومن ضمن هؤلاء الأدباء أحمد حنفى، وسارة طوبار، ومحمد ممدوح، وثناء حسن، وحنان عزيز، وطارق جادو، وسوسن رضوان. وعقب قراءة النصوص عقب عليها نقديا الناقد الدكتور حسام جايل، والناقد الكبير شوقى عبدالحميد يحيى، موضحين مواضع القوة والضعف فى القصص المقروءة، وقدما ملاحظاتهما للأدباء.

أخيرا، ما كان لهذا الملتقى أن ينعقد لولا جهود عدد من الأدباء والأديبات الشباب الذين قاموا على التحضير له وتنسيق فعالياته بشكل تطوعى، ومنهم القاصة ميرفت ياسين، والقاص محمد حسنى عليوة، والقاصة نرمين دميس، والكاتبة عبير سليمان، والناقدة سحر عبدالمجيد، وغيرهم من الجنود المعلومين الذين جاءوا من محافظات مختلفة ومدن بعيدة بحثا عن نجاح ملتقاهم، لذا لم يكن غريبا منحهم شهادات تقدير فى نهاية الملتقى، اعترافا بما بذلوه من جهود كبيرة فى التنسيق والمتابعة على مدار الشهور الماضية حتى يخرج اليوم فى أفضل شكل ممكن.

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات