الخيامية صناعة مصرية تطورت لخدمة كسوة الكعبة

حكايات رمضانية

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة حصرية عبر (موقع أخبار مصر) نقدم سلسلة مقالات لا تكتفي بسرد التواريخ، بل تفتش في ضمير الزمن لتبوح بأسرار الحجر وحكايات البشر؛ نكشف فيها الستار عن صفحات مطوية من مجدنا الوطني، لنعيد قراءة الهوية المصرية برؤية معاصرة تربط أصالة الماضي بتطلعات المستقبل."

د. عبد الرحيم ريحان
عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للآثار


تنسب صناعة الخيام إلى عصر بناة الأهرام حيث كانت مظلة لرئيس العمال وخيمة لرحلات الملك تلك الخيمة التي أضيفت إليها رقع القماش لتزيينها فكانت البداية الحقيقية لفن الخيامية بزخرفة ازدهرت في الفترة القبطية كما تشير قطع مطرزة كثيرة بالمتحف القبطي في القاهرة وأول مدينة إسلامية أنشأها عمرو بن العاص في مصر هي الفسطاط وتعنى الخيمة

الخيامية فن مصري

الخيامية فن مصري والمصطلح مشتق من كلمة خيام وهو صناعة الأقمشة الملونة التي تستخدم في عمل السرادقات وارتبطت شهرتها قديمًا بكسوة الكعبة المزينة بخيوط الذهب والفضة، والتي كانت تقوم مصر بتصنيعها حتى فترة ستينيات القرن العشرين وإرسالها إلى الحجاز في موكب مهيب يعرف باسم المحمل.

وتتواجد هذه الحرفة بكثرة في شارع الخيامية بالقرب من باب زويلة آخر شارع الغورية.

أول مؤسسة عرفت بإدارة الكسوة كانت تقع بمنطقة تحت الربع- باب الخلق - وكانت الكسوة تحمل على الجمال في احتفالية كبيرة من مصر إلى السعودية في موسم الحج وكانت الاحتفالية تسمى بالمحمل.

يقع شارع الخيامية أمام باب زويلة بالقرب من منطقة «تحت الربع» وهو أحد أشهر أسواق القاهرة المسقوفة وقد سمي بهذا الاسم نسبة لتلك الحرفة وكان باب زويلة يغلق ليلاً ويفتح في النهار وكان يسمح للتجار بالدخول صباحًا لمباشرة أعمالهم وأماكن الورش التي تتواجد فيها الآن.

وكانت قديمًا إسطبلاً للخيول والطابق الذي يعلوه كان أماكن لمبيت التجار الذين يأتون من المغرب والشام، وقد كان لهؤلاء التجار خيام يستخدمونها في سفرهم، وكانوا يعملون على إصلاحها في تلك المنطقة، كما كان يحرص كل منهم أن تختلف خيمته عن الخيام الأخرى ومن هنا بدأت مهنة الخيامية.

التصميم

يبدأ تنفيذ الخيامية برسم التصميم الذي سيتم تنفيذه على القماش وغالبًا ما يستخدم قماش التيل لأنه سميك ثم يقوم بتخريم الرسم وتوضع بودرة مخصصة لطبع الرسم على القماش حتى يقوم الفنان بعملية التطريز إذ يقوم الفنان بقص وحدات القماش وتطريزها مع بعضها البعض.

وقد يقوم بعمل ما يسمى «تفسير» وهو عبارة عن حياكة خيوط فوق القماش وذلك لعمل الملامح إذا كان التصميم عبارة عن منظر طبيعي وذلك لإضفاء روح على التصميم وغالبًا ما تكون التصميمات مصرية قديمة أو إسلامية هذا بالإضافة إلى الآيات القرآنية والمناظر الطبيعية من أوراق النباتات وأكثرها زهرة اللوتس والمتتاليات الهندسية الشكل الإسلامية الطابع والمربعات والزخارف الإسلامية المشتقة والقلوب والدوائر والحكايات الشعبية من مصر وبلاد فارس وتركيا ومنها جحا والحمار فضلا عن المشاهد العصرية كما في بائع العرقسوس وألعاب التحطيب القروية التي يشتهر بها ريف مصر.

وفي كتاب (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) المعروف بالخطط المقريزية, نسبة إلى مؤلفه تقي الدين أبي العباس أحمد بن علي المقريزي, المتوفى سنة 845 هـ, وصف لمسالك القاهرة وشوارعها كما رآها, وكأنها مدينة الحرفيين تعرف بهم المسالك, بدءًا من الشارع الأعظم, قصبة القاهرة, باب الخرنفش حيث بدأت صناعة الخيامية.

وقد أرخ الدكتور يونان لبيب رزق الاحتفالات الخاصة بنقل الكسوة لحج العام 1344 هـ, بأنها بدأت بنقل الكسوة من محل صنعها بالخرنفش إلى ميدان محمد علي فسار أمامها بلوكان (صفان) من أورطة المشاة التاسعة بموسيقاها وعلمها وتبعت الجماهير هذا الموكب الفخم حتى الميدان وفي المساء عرضت الكسوة في المصطبة وتوافد الناس زرافات لرؤيتها ولما انتظم عقد الحضور من الأمراء والأعيان أديرت عليهم المرطبات والحلوى وكان الشيخ أحمد ندا والشيخ علي محمود يرتلان آيات القرآن الكريم حتى مضى الهزيع الأول من الليل.

في اليوم التالي أجريت مراسم احتفال تشييع المحمل والتي رأسها الملك وحضرها الوزراء وكبار موظفي القصر وغيرهم من كبار العلماء والموظفين والتجار والأعيان, والكل بكساوي التشريفة الكبرى والنيشانات، وتم استعراض الحامية المصرية وأسلحتها أمام الملك وأطلق 21 مدفعا عند تشريف جلالته ميدان محمد علي و21 مدفعًا مثلها عند انصرافه منه.

ويقول إبراهيم حلمي في كتابه (كسوة الكعبة المشرفة وفنون الحج) إن الفنان كان يختار خط الثلث لكل حزام ويكتب بخيوط الخيش البارز وتحته شريطان زخرفيان بأسلوب الزركشة البارزة ويحصر كل شريط بين خطين توريقا على جانبي فرع نبات يأخذ شكل موجة الماء بانحناءاته وتأتي الكتابات بين أقواس مورقة فتمنح الزركشة تماثلها وتوازنها البصري.

استخدام الخيامية

تستخدم الخيامية في خيمة رمضان الشهيرة وفى زينة رمضان في المتاجر والأسواق وفى غير رمضان في سراداقات العزاء وأفراح الشوارع والمناسبات المختلفة منها الموالد وغيرها.

كما يتم استخدامها في أزياء راقصي التنورة وأزياء الدراويش وكسوة الدواب كالإبل وسرادقات المولد النبوي وموائد الرحمن في شهر رمضان والمعلقات الجدارية للأضرحة داخل المساجد وكسوة الكعبة والبيارق والأعلام أعلام مشايخ الطرق الصوفية؛ وتلك الأخيرة لا يمر العام على مدن مصر دون أن ينالها من مشهد تلك الرحلات الصوفية؛ وإنما سميت الأعلام بيارق لأنها مرفوعة على عصا تنتهي بالبيرق وهو الحلية النحاسية تحمل لفظة الجلالة أو هي مفرغة على شكل نجمة أو هلال.

وترفع هذه البيارق الأعلام يوم الاحتفال بذكرى أحد مشايخ الطرق الصوفية ربما لحاجة البعض لاقتفاء أثرهم أو هي تعبير عن ذلك الشعور الجارف بالحب نحوهم.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ام علي والقراصيا
موائد الرحمن حكايات رمضانية
حكايات رمضانية فانوس رمضان
د. عبد الرحيم ريحان
عبد الرحيم ريحان

المزيد من مقالات

الدكتور أسامة الأزهري: رمضان شهر تعظيم الشعائر وتكبير الله

رمضان شهر التكبير، وشهر تعظيم شعائر الله؛ والسؤال: من أين جاء هذا المعنى؟ هذا المعنى مستفاد من الآية الجامعة التي...

باب العزب

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

دار كسوة الكعبة

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

الخيامية صناعة مصرية تطورت لخدمة كسوة الكعبة

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...


مقالات