لا للفقر في ظل القرآن

قبل أن يتخذ الرئيس جمال عبد الناصر قراراته الاشتراكية في ستينات القرن الماضي لتوزيع الثروة انحيازا للفقراء لتحقيق العدالة الاجتماعية .. كان مطلوبا من الإعلامي أحمد سعيد – مؤسس إذاعة " صوت العرب " – أن يهيئ أذهان الشعب لهذه القرارات ، فقدم حلقات في شهر رمضان تؤكد أن القرآن الكريم قد سبق إلي العدالة الاجتماعية ، وأن التعبيرات التي جاءت بعد ذلك كالاشتراكية ما هي إلا مسميات لمعني واحد أخذوه عن النبع الإسلامي الذي سبق كل الثورات والنظريات ، وتعميما للفائدة رأي أحمد سعيد أن يعيد نشر حلقاته الإذاعية في كتاب بعنوان " لا للفقر في ظل القرآن " قدم له المفكر الإسلامي الكبير خالد محمد خالد الذي كتب قائلا :

" إن القرآن ضمير قبل أن يكون " قانون "، من أجل ذلك يحاول الكاتب أن يرد العلاقة بين الغني والفقير إلي هذا الضمير ، سالكا في رحلته دربا غير مطروق . يتناول قيم العدالة في القرآن الكريم ، والتي تحولت إلي نظام اقتصادي علي أيدي الخلفاء الراشدين والتابعين والأئمة المجتهدين .

وقد أبلي الفقه الإسلامي بلاء حسنا في هذا السبيل مما يجعل الإسلام كله وليس القرآن الكريم وحده هو المنهج الذي ينطوي علي فلسفة العدالة الاجتماعية، ووسائله وغاياته من خلال التجربة الإسلامية المطورة والمتطورة .

ويري المؤلف أن القرآن الكريم قد خلا تماما من نظرية محددة تحكم حركة المال في المجتمع ، فلا آياته عن المال والملكية والإنفاق قالت بما نسميه اليوم بالاقتصاد الحر ، أو الاقتصاد الموجه ، ذلك أنها تقول :

" إن نظام المالك والملكية والإنفاق في هذه الأرض يجب أن يقوم علي القاعدة التي تتفق مع أسس الخلق الإلهي والعدل الرباني بما يحقق للناس حياة لا قهر فيها ولا استغلال ولا تفاوت في الدخول والثروات .

إذن فالجهد الإسلامي بالعقل والفكر والتجربة وبالعمل هو الذي تقع عليه اليوم كما كان بالأمس مسئولية تحويل القيم القرآنية إلي نظم إسلامية ، بمعني آخر أن القرآن ضمير قبل أن يكون قانونا .

ويقدم المؤلف استنتاجه فيقول :

" مهما اختلفنا في التاريخ كسجل لحركة الحياة .. فإنه منذ هبوط آدم وحواء إلي الأرض ، وقتل قابيل لأخيه هابيل .. فإن ذلك ليس أكثر من تأكيد للقاعدة التي تحكم البشر : قاعدة الشهوة أو الاشتهاء والأثرة والاستئثار .

إذن فقد كانت أولي خطواتنا علي الأرض بداية الصراع بين الخير والشر ، بين العدل والظلم ، بين الإيثار والأثرة – ويتساءل أحمد سعيد : هل نحن بشر نسكن الأرض متراحمين متعاطفين أم نحن ذئاب نسكن الغابة متقاتلين ؟ !

إن القرآن الكريم ينقل إلينا قول الله جل جلاله عن أبينا آدم عليه السلام : " إني جاعل في الأرض خليفة " ، وقوله لنا : " إني مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون " – فهل يكون خلفاء أعدل العادلين وأرحم الراحمين ظالمين وبغاة وقساة ؟ .. والله سبحانه يخبرنا بأن المال ماله ، وأنه استخلفنا فيها ليكون لكل منا حظه المعلوم ، حتي لا يكون دولة بين الأغنياء منا .

ويري المؤلف أنه ليست هناك ملكية وإنما هناك حيازة – ويضرب لنا الأمثال .. حيث يقف بنا أمام قصة قارون الذي زعم أنه المالك والصانع وقال : " إنما أوتيته علي علم عندي " ، مع أن المال مال الله ، والله فضل بعضكم علي بعض في الرزق ، كوسطاء في إيصال الرزق إلي الغير .

وهذه التركيبة لعملية الرزق والتعايش .. جعل الله فيها المرزوق الأول : الغني ، والمرزوق الثاني : الفقير .. شريكين من حيث منبع رزقهما ومصدره وهو الله سبحانه وتعالي ، بدليل الآية الكريمة : " فما الذين فضلوا براد رزقهم علي ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء " .

ويمضي المؤلف عارضا بعض مظاهر النظام الاقتصادي في الإسلام .. كالزكاة .. حد أدني للإنفاق ، وإعادة النظر في زيادة الإنفاق حق واجب ، ومبدأ الأرض حق لمن يفلحها ، والملكية فوق الحاجة المشروعة والمعقولة ترف وأسرع الطرق إلي الطغيان ، وأن الإنفاق بر ، ونقص البر عقوق ، والعقوق هنا موجه لا لفرد بل للمجتمع كله .. الذي يجب أن يشيع فيه العدل الاجتماعي ، ويكون الاكتناز الذي هو ضد الإنفاق إثما مبينا ، والاكتناز لا يعني فقط غياب الإنفاق بل يعني كذلك غياب الاستثمار .. يقول الله سبحانه وتعالي :

" والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم " .

واستثمار المال في خير المجتمع وإنعاش الاقتصاد القومي هو في سبيل الله .

ثم يواجه المؤلف أحمد سعيد مشكلة العصر ، وهي المصادرة والتأميم .. متسائلا : ماذا في مصادرة الأموال وتأميم الممتلكات ، أو تخصيص رزق الله الشائع المنفعة لبعض الناس دون الآخرين ؟.

ومن البداهة أنه حين تقوم ضرورة ملحة بتأميم صناعة ما أو مصادرة أرض ما لتحقيق منفعة اجتماعية لازمة ، فإن الدولة تملك هذا التصرف في حدود الحق والعدل .

ويري المؤلف أن المال علي اختلاف أنواعه تحكم حركته في الإسلام عدة قواعد أصولية قرآنية ونبوية .. أولاها : أن الملكية وظيفة شرعية ، وثانيها : أن الأحكام الشرعية وظيفة تستهدف تحقيق صالح العباد ، وثالثها : إباحة الغني في الإسلام مقيدة بالتقوي وفق النصوص القرآنية والنبوية .

وأخيرا فإن المعدمين المطحونين يملكون في ظل القرآن والسنة حقوقا فيما فاض من مال عن حاجة الأغنياء ، الأمر الذي يرتب عليه وعلي الدولة واجب أخذها وإعادة توزيعها لحماية المجتمع من الفتن ، وتأمين المسيرة العادلة للتنمية .

ويختتم أحمد سعي كتابه بهذا الحديث القدسي الجليل :

" المال مالي ، والفقراء عيالي ، والأغنياء وكلائي ، فمن منع مالي عن عيالي أذقته ناري ولا أبالي ".

 	إبراهيم عبد العزيز

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

الدكتور أسامة الأزهري: رمضان شهر تعظيم الشعائر وتكبير الله

رمضان شهر التكبير، وشهر تعظيم شعائر الله؛ والسؤال: من أين جاء هذا المعنى؟ هذا المعنى مستفاد من الآية الجامعة التي...

باب العزب

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

دار كسوة الكعبة

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

منزل زينب خاتون

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...