"بين التميّز والإثارة" أين تقف البرامج الحوارية اليوم؟

سباق محموم بين منصات الإعلام على تحقيق أعلى نسب مشاهدة، وتحوّل الشاشات إلى ساحات مفتوحة للجدل والاستقطاب، أدى إلى دفع المحاور والحوار التليفزيوني اليوم إلى معادلة معقّدة: " كيف يحقق التميّز المهني دون الانزلاق إلى الإثارة الرخيصة؟ وكيف يوازن بين حق الجمهور في المعرفة ، وضغوط سوق الإعلان التي تفضّل الصوت العالي على الاداء المحترف ؟"

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

لم يعد هذا السؤال مجرد أداة لفتح النقاش ، بل أصبح موقفًا مهنيًا وأخلاقيًا، يحدد أين يقف المحاور؟

هل يقف في صف المصداقية أم مع الإثارة المؤقتة؟

إن الأخلاقيات والمهنية خط الدفاع الأول عن التميّز ويبقى الالتزام الأخلاقي هو الفاصل الحقيقي بين الإعلام المهني والإعلام الاستعراضي وتفرض النزاهة على المحاور تحرّي الدقة والموضوعية، وتجنب تضليل الجمهور أو اجتزاء التصريحات لخدمة عناوين صادمة أو تحقيق مايسمى ( الترند) .

ويمثل الاحترام جوهر العلاقة مع الضيف، حيث تُدار الخلافات الفكرية دون إساءة أو تهكّم، مهما بلغت حدة الآراء.
أما الشفافية، فتتجلى في وضوح مصادر المعلومات والإفصاح عن أي تضارب محتمل في المصالح، فيما يشكّل الحياد ضمانة أساسية لعرض الآراء المتعددة، دون تحويل المنصة إلى منبر دعائي أو أداة تصفية حسابات وعن طريق التوازن تتحقق معادلة الموضوعية والانصاف !

ولاشك أن الاستعداد والبحث الاستباقي وإدارة التوقعات وراء الكاميرا يصنع الفارق حيث أن التميّز لا يولد على الهواء، بل يُصنع في كواليس مناقشات فريق الإعداد واي برنامج حواري بلا اعداد جيد يحكم على نفسه بالفشل!
ويمنح البحث العميق في موضوع الحلقة ودراسة خلفيات الضيوف المعرفية المحاور قدرة على تفكيك الخطاب وكشف التناقضات بهدوء ورصد السيناريو الناجح.

ويساعد الإعداد الذكي، القائم على خطة مرنة وأسئلة مدروسة، على إدارة الحوار دون الوقوع في فخ المفاجآت غير المحسوبة!

كما أن امتلاك معرفة عامة واسعة يتيح للمحاور ربط القضايا بسياقاتها الأوسع، ويمنحه ثقة التعامل مع التحولات المفاجئة في مسار النقاش ويساعده على ذلك اليقظة والقراءة الجيدة للأحداث الجارية!

وتجمع مهارات المقابلة بين السؤال الجريء والانضباط المهني

ولا تكمن في عصر الإثارة قوة المحاور في تميز ادائه وتفاعله فقط بل في جودة إنصاته حيث يسمح الاستماع الفعّال ببناء أسئلة متابعة تكشف العمق الحقيقي لإجابات الضيف وتبرز أهمية الأسئلة الحادة المفتوحة التي تحفّز التفكير والتفسير، بدلا من الاكتفاء باستفزاز لحظي يخدم البحث عن “الترند”!

ويظل التحكم في الوقت عنصرًا حاسمًا، يوازن بين منح الضيف حق الشرح، والحفاظ على إيقاع الحلقة دون مقاطعات غير مبررة أو استرسال ممل.

ولا يكتمل التأثير دون إتقان الأدوات ويعكس النطق الواضح بلغة سليمة احترام المحاور لجمهوره، فيما تساهم لغة الجسد المتزنة والتواصل البصري في تعزيز الثقة!

كما أن التعاون مع فريق الإعداد والإخراج يحوّل البرنامج إلى عمل جماعي متماسك، يقلل الأخطاء ويزيد من جودة الرسالة!

لهذا الإعلامي الذي يتوقف عن تطوير نفسه باستمرار يتراجع مستواه المهني ولهذا يحتاج دائما إلى مايسمى التقييم الذاتي الذي يعد ضرورة لا رفاهية، عبر مراجعة الأداء وتحليل نقاط القوةوالضعف.

ويكمل ذلك التعلّم المستمر من التجارب الناجحة وورش التدريب، إلى جانب التكيف مع العصر الرقمي، حيث لم تعد الحلقة تنتهي بانطفاء الكاميرا، بل تمتد إلى تفاعل الجمهور على المنصات المختلفة !

ولحظة الاختبار الحقيقي عندما:
يتعامل المحاور مع المواقف الصعبة ويكشف الاحتراف الحقيقي في الأزمات !
يواجه المحاور الضيف المنفعل بإعادة صياغة ذكية للأسئلة، لا بالتصعيد والصوت العالي وتدار المواقف المتوترة بالهدوء وضبط النفس، لا بردود فعل انفعالية مستفزة !

وحتى الأخطاء الفنية، حين تُعالَج بسلاسة، قد تتحول إلى دليل على مهنية المحاور ويمكن القول إن راس مال العاملين في البرامج الحوارية بناء العلاقات الموثوق فيها ويعتمد النجاح المستدام على شبكة علاقات مهنية قائمة على الثقة والاحترام مع مصادر وضيوف ومتخصصين معروف سيرهم الذاتية وتاريخهم العلمي في التخصص كما أن السمعة الطيبة داخل الوسط الإعلامي وخارجه تبقى أحد أهم أصول المحاور، وإن كانت غير مرئية !

خلاصة القول يقف المحاور التليفزيوني اليوم بين التميّز والإثارة، عند مفترق طرق فإما أن يختار طريق المصداقية والاحتراف طويل الأمد، أو ينجرف وراء إثارة سريعة تستهلكه قبل أن تصنع له قيمة ويبقى الرهان الحقيقي متمثلا في قدرة المحاور على الجمع بين الجرأة والمسؤولية، ليظل السؤال في البرنامج الحواري آداة وعي لا مجرد وسيلة جذب واستثارة عابرة.

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الصياد
الصياد
الصياد
الصياد

المزيد من مقالات

بردية خوفو والسحرة

"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...

الذهب لا يتحدث… لكنه يسبق الجميع

قبل أن تتحرك الجيوش، وقبل أن تُفرض العقوبات، وقبل أن تُعلن التحالفات الجديدة، تكون هناك جهة واحدة قد اتخذت قرارها...

"بين التميّز والإثارة" أين تقف البرامج الحوارية اليوم؟

سباق محموم بين منصات الإعلام على تحقيق أعلى نسب مشاهدة، وتحوّل الشاشات إلى ساحات مفتوحة للجدل والاستقطاب، أدى إلى دفع...

كيف يصنع التعلّق اختياراتنا العاطفية؟

حين ننجذب دون وعي: كيف يصنع التعلّق اختياراتنا العاطفية؟ لأن القلب لا يختار دائمًا بحرّية… بل بما اعتاد عليه.