إنذارات بلا صفارات

كيف تحولت الأوبئة إلى أداة في إدارة التوازن الدولي؟

لم يكن الإعلان عن تسجيل حالات محدودة لفيروس «نيباه» في الهند حدثًا صحيًا بالمعنى التقليدي، بقدر ما كان رسالة سياسية غير معلنة داخل نظام دولي يعيش حالة توتر مستقر.

نهال الشافعى
ماجستير علوم سياسية و استراتيجية
ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية

 

فالعالم، منذ جائحة كوفيد-19، لم يعد يتعامل مع الفيروسات باعتبارها أزمات طبية، بل بوصفها متغيرات استراتيجية قادرة على إعادة ترتيب الأولويات، واختبار جاهزية الدول، وقياس قدرتها على إدارة القلق قبل إدارة المرض.

اللافت أن المشهد الآسيوي الحالي يخلو من المظاهر الصاخبة للأزمات. لا إغلاق شامل، ولا تحذيرات دولية، ولا بيانات هلع من منظمة الصحة العالمية.

ومع ذلك، تتحرك المطارات، تُفعّل آليات الفحص، وتُدار الإجراءات بهدوء شديد. هذا التناقض الظاهري يعكس تحولًا أعمق في بنية النظام الدولي: الخطر لم يعد يُعلن، بل يُدار والطوارئ لم تعد لحظة استثنائية، بل حالة ذهنية دائمة داخل مؤسسات الدولة.

في هذا السياق، يصبح فيروس نيباه مجرد “ذريعة تحليلية” لفهم كيف تُدار القوة اليوم. فالدول الكبرى لا تخشى المرض بقدر ما تخشى فقدان السيطرة على الإيقاع العام: حركة السفر، تدفق التجارة، استقرار الأسواق، وثقة المجتمعات. أي خلل مفاجئ في هذه المنظومة، حتى لو انطلق من بؤرة جغرافية بعيدة، قد يتحول إلى ضغط سياسي أو اقتصادي غير مباشر، يُستثمر في لحظات حساسة.

وهنا تبرز أهمية موقع مصر داخل هذه المعادلة. فمصر ليست دولة هامشية يمكنها مراقبة المشهد من بعيد، بل تمثل عقدة ارتكاز في حركة الإقليم، وممرًا حيويًا بين قارات، ونقطة توازن في محيط شديد الاضطراب. أي موجة قلق عالمية، صحية كانت أو غير ذلك، تمر عبر مصر، حتى وإن لم تمسها بيولوجيًا.

التحول الأهم أن الدولة الحديثة لم تعد تنتظر الخطر حتى يطرق بابها. ما نشهده اليوم هو شكل من أشكال “الحرب الباردة غير المعلنة”، حيث تُستخدم الأزمات المحتملة، ومنها الصحية، كوسائل اختبار للقدرة على الصمود، والانضباط المجتمعي، وكفاءة الدولة في إدارة المعلومات.

في هذا النوع من الصراع، لا تُطلق الرصاصات، لكن تُقاس الدول بمدى هدوئها، وقدرتها على منع الذعر، والحفاظ على الثقة.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة باعتبارها نموذجًا متقدمًا في إدارة هذا النوع من التهديدات.

فمصر، بعد تجربة كورونا، لم تعد تتعامل مع الأمن الصحي كملف تابع لوزارة بعينها، بل كجزء من منظومة الأمن القومي الشامل.

لم يكن الهدف منع الخطر فقط، بل منع انتقاله من المجال الصحي إلى المجال السياسي أو الاجتماعي، وهو التحدي الأصعب.

الأخطر في الأزمات الحديثة ليس الفيروس، بل الرواية المصاحبة له. فالإعلام العابر للحدود، ومنصات التواصل، قادرون على خلق واقع موازٍ يتقدم على الواقع الفعلي، ويضغط على الدول من الداخل.

وهنا تظهر إحدى أدوات القوة الناعمة الصلبة في آن واحد: إدارة الخطاب.

مصر أدركت مبكرًا أن السيطرة على المعلومة، وتوحيد الرسالة، ومنع الفراغ المعلوماتي، لا يقل أهمية عن أي إجراء صحي أو أمني.

ما يحدث في الهند، وما يقابله من تحركات محسوبة في آسيا، يعكس عالمًا لا يعيش في حالة حرب مفتوحة، ولا في سلام كامل. إنه عالم إدارة الأزمات قبل وقوعها، وتحويل الاستعداد إلى روتين يومي.

وفي هذا العالم، تصبح الدول المستقرة، القادرة على امتصاص الصدمات دون ضجيج، هي الركائز الحقيقية للنظام الدولي.

من هنا، لا يُفهم دور مصر فقط كدولة تحمي حدودها، بل كدولة تساهم في استقرار محيطها عبر منع انتقال العدوى السياسية قبل الصحية، ومنع تحوّل القلق إلى فوضى.

فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد في إعلان الطوارئ، بل في جعلها غير ضرورية.

فيروس نيباه لن يتحول إلى جائحة، على الأرجح، لكنه كشف حقيقة أكبر: العالم لم يعد يفصل بين الصحة والسياسة، ولا بين الوقاية والسيطرة. ومن يفهم هذه القاعدة، لا يُفاجأ بالأزمات، بل يحوّلها إلى فرص لإثبات الجدارة.

وفي زمن تُدار فيه الحروب بصمت، تظل الدول القادرة على الحفاظ على الاستقرار دون استعراض، هي الأكثر نفوذًا.. حتى وإن لم ترفع صوتها.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

إنذارات بلا صفارات

لم يكن الإعلان عن تسجيل حالات محدودة لفيروس «نيباه» في الهند حدثًا صحيًا بالمعنى التقليدي، بقدر ما كان رسالة سياسية...

"البطالة الإلكترونية" ظاهرة تعصف بالتحول الرقمي!

لم يعد التحول الرقمي وعدًا خالصًا بالتطوير ورفع الكفاءة، بقدر ما أصبح، في كثير من السياقات، مصدرًا لقلق متزايد بشأن...

نفس الحكاية بوجهٍ مختلف: لماذا نكرر العلاقات المؤلمة؟

كثيرون يقولون بعد نهاية علاقة متعبة: “لا أفهم لماذا يحدث لي هذا دائمًا.” يتغير الأشخاص، تختلف التفاصيل، لكن الإحساس الأخير...

الألعاب الالكترونية من الترفيه الى التأثير

لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت أنظمة رقمية معقّدة تُصمَّم وفق مبادئ هندسية دقيقة تجمع بين هندسة...