الإعلام المستدام في زمن المنصات المتكاملة!

اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل أضحى الخبر متاحا للجميع ما جعل الإعلام ليس مجرد وسيط ناقل للأحداث أو مُفسّر للوقائع، بل تحوّل إلى فاعل أساسي في تشكيل الوعي الجمعي، وبناء القيم، وتوجيه مسارات التنمية.

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

من هنا يبرز سؤال مهم:
هل يمكن الحديث عن “إعلام مستدام” قادر على ضبط الرسالة الإعلامية بما يحقق نوعًا من الاستقرار الإعلامي، ويُسهم في عملية التنمية الشاملة خاصة في ما يتعلق ببناء الإنسان، في زمن الإعلام الاجتماعي والمنصات المفتوحة؟

دعونا في البداية نعرف المصطلحات ونوضح المفاهيم ..

أولًا: مفهوم الإعلام المستدام والاستقرار الإعلامي

الإعلام المستدام لا يعني إعلامًا ثابتًا أو جامدًا، بل إعلامًا واعيًا بدوره المجتمعي، قادرًا على الاستمرارية، ومتوازنًا بين الحرية والمسؤولية، وبين السرعة والدقة، وبين التأثير والالتزام الأخلاقي.

نحن أمام إعلام لا يلهث فقط وراء “الترند”، بل يضع في اعتباره الأثر بعيد المدى للرسالة الإعلامية على الفرد والمجتمع.

أما الاستقرار الإعلامي، فهو ليس نقيض التنوع أو التعدد، بل حالة من التوازن في الخطاب العام، تمنع الفوضى المعلوماتية، وتحدّ من خطاب الكراهية، والشائعات وبث الأخبار الكاذبة والتضليل، دون المساس بحرية التعبير الاستقرار الإعلامي يعني وجود بيئة إعلامية قادرة على احتواء الاختلاف، وتنظيم تدفق المعلومات، وتقديم سرديات مسؤولة تسهم في تعزيز الثقة المجتمعية بدل تقويضها.

ثانيًا: الإعلام والتنمية الشاملة… من الاقتصاد إلى بناء الإنسان

التنمية الشاملة لم تعد مقتصرة على النمو الاقتصادي أو البنية التحتية، بل أصبحت عملية متكاملة يكون بناء الإنسان في قلبها: وعيًا، وتعليمًا، وقيمًا، وقدرةً على التفكير النقدي. وهنا يلعب الإعلام دورًا محوريًا، بوصفه أحد أهم أدوات التنشئة الاجتماعية الحديثة.

الإعلام المستدام يمكن أن يكون شريكًا أساسيًا في التنمية عبر:

نشر ثقافة العمل والإنتاج.
تعزيز قيم المواطنة والانتماء.
دعم التعليم غير النظامي ونشر المعرفة.
تسليط الضوء على قصص النجاح والنماذج الإيجابية.
فتح نقاشات عامة حول قضايا التنمية بطريقة عقلانية ومتوازنة.

في المقابل، الإعلام غير المنضبط قد يتحول إلى عامل هدم، يُعمّق الإحباط، ويُشجّع السطحية، ويُعيد إنتاج الصور النمطية السلبية، ويُضعف ثقة الفرد في ذاته وفي مجتمعه.

ثالثًا: بناء الإنسان في عصر الفضاءات المفتوحة

يواجه الإنسان المعاصر سيلًا هائلًا من الرسائل الإعلامية اليومية، القادمة من مصادر لا حصر لها، بعضها مهني ومسؤول، وكثير منها عشوائي أو موجّه أو مضلل.

في هذا السياق، يصبح بناء الإنسان تحديًا مضاعفًا، لا يتعلق فقط بتوفير المعلومة، بل بتمكين الفرد من:

التمييز بين الخبر والرأي.
التحقق من المصادر.
فهم السياق.
مقاومة الاستقطاب الحاد.
التعامل الواعي مع المحتوى الرقمي.

الإعلام المستدام هنا لا يكتفي بإنتاج المحتوى، بل يُسهم في بناء الثقافة الإعلامية (Media Literacy)، أي تعليم الجمهور كيف يستهلك الإعلام بوعي، لا أن يكون ضحية له. وهذا شرط أساسي لتحقيق الاستقرار الإعلامي في عالم مفتوح بلا حراس تقليديين للبوابة الإعلامية.

رابعًا: تحوّل المتلقي إلى شريك في صناعة المحتوى

من أبرز الفوارق بين إعلام القرن الحادي والعشرين وإعلام القرن الماضي، أن المتلقي لم يعد سلبيًا. لقد تحوّل إلى منتج للمحتوى يقوم بالنشر والتعليق المؤثر ، أحيانًا أكثر من المؤسسات الإعلامية التقليدية.

هذا التحول ألغى احتكار الرسالة الإعلامية، وفتح المجال أمام أصوات جديدة، وهو أمر إيجابي من حيث توسيع دائرة التعبير والديمقراطية الإعلامية؛ لكنه في الوقت ذاته أوجد تحديات جسيمة، أبرزها:

انتشار الأخبار الزائفة.
تسييس المحتوى الشخصي.
تغليب العاطفة على العقل.
تصاعد خطاب الكراهية والاستقطاب.

في هذا الواقع، يصبح الحديث عن إعلام مستدام أكثر إلحاحًا، ليس بوصفه إعلامًا مؤسسيًا فقط، بل منظومة قيم ومعايير تشمل الصحفي، وصانع المحتوى، والمتلقي على حد سواء.

خامسًا: الإعلام الاجتماعي… بين الفرصة والمخاطر

وسائل التواصل الاجتماعي (Social Media) تمثل ساحة مركزية للإعلام المعاصر. فهي أداة فعّالة للتعبئة، والتوعية، والمشاركة المجتمعية، لكنها في الوقت نفسه بيئة خصبة للفوضى المعلوماتية. ومن دون أطر أخلاقية ومهنية، تتحول هذه المنصات إلى عامل زعزعة للاستقرار الإعلامي والاجتماعي.

الإعلام المستدام لا يعادي الإعلام الاجتماعي، بل يسعى إلى دمجه في منظومة إعلامية مسؤولة ووضع معايير مهنية لصناع المحتوى. وتشجيع المحتوى الهادف والتنموي.

وتعزيز دور المنصات في محاربة التضليل دون قمع حرية التعبير.

ويمكن القول في التحليل النهائي إن الحديث عن الإعلام المستدام لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية في عالم شديد التعقيد.

إن الإعلام القادر على ضبط رسالته، دون مصادرة التنوع، هو وحده القادر على تحقيق قدر من الاستقرار الإعلامي، الذي يُعد شرطًا أساسيًا للتنمية الشاملة وبناء الإنسان وفي عصر أصبح فيه كل فرد مشروع وسيلة إعلام!

إن الرهان الحقيقي لم يعد على السيطرة على الرسالة، بل على رفع وعي صانعها ومتلقيها.

هنا فقط يمكن للإعلام، بكل أشكاله، أن يتحول من مصدر قلق وفوضى، إلى قوة بناء، واستدامة، وتنمية!

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الصياد
الصياد
الصياد

المزيد من مقالات

بردية خوفو والسحرة

"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...

الإعلام المستدام في زمن المنصات المتكاملة!

اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

"المدجاي" عيون مصر الساهرة

بينما كانت حضارات العالم القديم تتخبط في صراعات بدائية، كانت أرض النيل تُرسي دعائم أول نظام شرطي وقضائي عرفته البشرية....