على مائدتي التي لا أغيرها في المقهى الدبلوماسي .. وبين الأصدقاء الذين أسعد برفقتهم.. جلست أحتسي قهوتي الفرنسية المفضلة عندي.. كعادتي.. في إحدى أمسيات شهر رمضان الكريم..
فجاءني صديقي العزيز الذي لطالما يسألني عما يريد أن يعرفه واستغلق عليه فهمه من الأمور.. وبادرني بسؤاله.. هو انت إيه رأيك في العلاقات بين مصر والصين.. فاعتدلت على مقعدي وأجبته قائلا..
التشابه التاريخي والتلاقي الحضاري بين الشعبين المصري والصيني وضع قواعد راسخة للعلاقات السياسية والدبلوماسية بين الدولتين..
الصين ومصر.. أو مصر والصين.. عدد سكان يشكل خُمس سكان العالم.. الحضارة الصينية والحضارة المصرية القديمة من أقدم الحضارات التي تتميز بالخصائص الفريدة المشتركة.. شعبان في قارتين مختلفتين.. رغم بعد المسافة المكانية بينهما.. إلا أن علاقات الأخوة والصداقة والتعاون المختلفة والشراكة الاستراتيجية الشاملة جمعت بين الشعبين والدولتين في نسيج متناغم جعل العلاقات بين الصين ومصر تمر بعصرها الذهبي في الوقت الحالي..
واليوم.. ونحن نشهد بدء العقد الثانى للشراكة الاستراتيجية بين البلدين.. ونحن أيضا على أعتاب الاحتفال بمرور 68 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.. نستعرض بإيجاز ملامح علاقات الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين البلدين.. وماهية أطر التعاون المختلفة بينهما.. ودور مصر من خلال المبادرة الصينية "الحزام والطريق" أو"طريق الحرير الجديد".. والتغيرات الإيجابية في التنمية الوطنية المصرية وحياة المصريين بفضل التعاون الصيني المصري.. والأمال والتطلعات المرجوة من هذه الشراكة الاستراتيجية المشتركة..
فمصر كانت أول بلد عربي وإفريقي يقيم علاقات دبلوماسية مع الصين.. ومصر كانت سباقة في الانضمام لمبادرة "الحزام والطريق" وأصبحت عضوا مؤسسا في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية.. مصر والصين شريكان أساسيان حققا نتائج إيجابية خلال العقد الماضى فضلا عن أن مصر دولة حضارية عريقة ويحبها السائحون الصينيون كثيرا..
علاقات الصداقة المتميزة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الصيني شي جين بينغ.. والزيارات المتبادلة بين الزعيمين هي القاطرة التي تدفع العلاقات بين البلدين.. الرئيس عبد الفتاح السيسي قام بزيارة الصين 6 مرات.. كانت أولها في عام 2014.. كما أن الرئيس الصيني شي جين بينغ قام بزيارة تاريخية لمصر في عام 2016.. وفي عام 2022.. التقى الرئيس شي جين بينغ والرئيس عبدالفتاح السيسي مرتين لمناقشة الصداقة التقليدية وسبل تعزيز التنمية والتعاون بين البلدين وتوصلا إلى توافقات مهمة..وفي أوائل عام 2024 .. قام عضو المكتب السياسى للجنة المركزية للحزب الشيوعى الصينى وزير الخارجية الصينى وانغ يي بزيارة لمصر جسدت الصداقة والعلاقات الوطيدة بين البلدين.. ولكنها لم تكن زيارته الأولى للقاهرة .. بل سبقتها زيارتان فى 2020 و2021 ..
ففي الوقت الذي تؤكد فيه مصر أن هناك صين واحدة.. فإن الصين تؤيد الرؤية المصرية لإحلال السلام في الشرق الأوسط وحل القضية الفلسطينية.. كما تدعم الصين مصر باعتبارها عضوا جديدا فى مجموعة البريكس..
ولهذا.. حققت الصداقة التاريخية بين البلدين إنجازات عديدة عادت بفوائد هائلة على البلدين والشعبين.. وشهدت الأعوام الـ68 تطورا مزدهرا للتعاون المتبادل المنفعة وحقق التعاون بين البلدين تطورا شاملا ومعمقا في كافة المجالات، مثل المواصلات والاتصالات والتعدين وصناعة الغزل والنسيج وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي وعلوم الفضاء والمدينة الذكية والطاقة الجديدة والمتجددة والتدريب والتعليم المهني والتعليم العالي، بالإضافة إلى مجالات الزراعة والتجارة والآثار وقطاعات الطاقة والنقل ومجال الفضاء ومجال التنقيب بإنشاء مركز تنقيب عن الآثار تحت الماء فى الإسكندرية والتعاون التجاري والاقتصادي..
ويعد محور قناة السويس ومنطقة تيدا الصناعية ومنطقة المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة أمثلة جيدة لهذا التعاون.. حيث بلغت حجم الاستثمارات الصينية في مصر سبعة مليارات دولار، بينما تجاوز عدد الشركات الصينية العاملة في مصر 1500 شركة.. ومنها الشركة الصينية العامة للهندسة الإنشائية التي تقوم بتنفيذ المشروع الضخم منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة.. فضلا عن التعاون الطبى بين الصين ومصر لمكافحة مرض فيروس كورونا الجديد (كوفيد-19).. كما درب مشروع "تكوين الكفاءات لهواوي" ICT حوالي 30000 شاب مصري.. وقدم مساهمات مهمة في استقرار الاقتصاد المحلي وتحسين معيشة الناس، الأمر الذي يجعل التعاون الودي بين البلدين أقوى وأكثر ترسخا في قلوب الشعبين.. فالمنتجات المصرية الزراعية مثل البرتقال والعنب والبلح حازت على الترحيب في الصين.. وتحرص الصين على استيراد المزيد من المنتجات المصرية عالية الجودة وتشجيع المزيد من الشركات الصينية على الاستثمار في مصر، بما يحقق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك ..
ففي يوليو 2023.. شاركت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي، بالعاصمة الصينية بكين في منتدى العمل الدولي من أجل التنمية المشتركة.. وعلى هامش هذه المشاركة تم توقيع العديد من وثائق التعاون ومذكرات التفاهم التي تعزز الشراكة المصرية الصينية وتدفع جهود التنمية في الدولة.. كما تتضمن بندًا بإنشاء آلية للتشاور على مستوى الإدارات.. فضلا عن العمل على صياغة استراتيجية متكاملة للتعاون الإنمائي بين مصر والصين لمدة 3-5 سنوات لأول مرة في ضوء العلاقات المشتركة بين البلدين.. تتضمن المجالات والمشروعات التي سيتم تنفيذها من خلال برنامج التعاون الإنمائي..
كما وقعت وزيرة التعاون الدولي مع رئيس الوكالة الصينية للتعاون الإنمائي الدولي 4 وثائق تعاون.. لإتاحة منح صينية لتوريد معدات لوزارة النقل.. وإنشاء مركز التدريب المهني بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. وإعداد دراسة الجدوى الخاصة بمعمل السلامة الحيوية المستوى الثالث لصالح وزارة الصحة..
وفي أكتوبر 2023.. وعلى هامش فعاليات الدورة الثالثة لمنتدى الحزام والطريق في بكين، شهد الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، نيابة عن رئيس الجمهورية، توقيع مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون بين مصر والصين في مجال مبادلة الديون من أجل التنمية.
وقعت مذكرة التفاهم الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي، ولو تشاو هوي، رئيس الوكالة الصينية للتعاون الإنمائي الدولي.. حيث وافقت الصين على برنامج لمبادلة الديون مع القاهرة وإعلان شركات صينية ضخ استثمارات بأكثر من 15 مليار دولار في إنتاج الوقود الأخضر والتصنيع، إضافة إلى تقديم تمويلات ميسرة لإنشاء المرحلتين الثالثة والرابعة من مشروع القطار الكهربائي الخفيف..
وفي السنوات الأخيرة.. أقام الجانبان المصري والصيني أنشطة متنوعة مثل الأسابيع الثقافية ومهرجانات الأفلام ومعارض الآثار ومعارض الصور.. والتي لاقت ترحيبا كبيرا من شعبي البلدين..
وبعد توقيع البلدين على مذكرة تفاهم بشأن البرنامج التنفيذي لسفر المجموعات السياحية الصينية إلى مصر في عام 2002.. ازداد عدد السياح الصينيين إلى مصر بشكل سريع.. ففي عام 2018 وصل عدد السياح الصينيين إلى مصر 500 ألف شخص..
في يناير عام 2023.. أُدرجت مصر في قائمة الدفعة الأولى من الدول التجريبية لاستئناف المجموعة السياحية الصينية الصادرة من وزارة الثقافة والسياحة الصينية.. وتوجد اليوم 17 علاقة توأمة بين المقاطعات والمدن المصرية والصينية..
وفي سبتمبر عام 2022.. أُطلق المشروع التجريبي لتعليم اللغة الصينية في المدارس المتوسطة المصرية.. كما يوجد ما يقرب من 30 جامعة مصرية تفتح تخصص اللغة الصينية.. وتم إنشاء 4 معاهد كونفوشيوس وفصلي كونفوشيوس وورشتي لوبان..
ولنعد بالذاكرة إلى هذا اليوم في التاريخ.. انه 31 مايو عام 1956 .. عندما اتخذ قادة الصين ومصر قرارا استشرافيا واستراتيجيا لإقامة العلاقة الدبلوماسية بشكل رسمي بين البلدين..
واليوم.. ونحن على وشك الاحتفال بمرور 68 عاما على إقامة هذه العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.. نستطيع القول بأن هذه ال68 عاما هي "عصر ذهبي" للعلاقة بين البلدين يستحق الاحتفال به..
هذه هي الصين.. ثاني أكبر اقتصاديات العالم.. والتي ستصبح قريبا الاقتصاد الأول عالميا.. كما أنها الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة في العالم..
فماذا ننتظر من العلاقات الصينية المصرية والتعاون بين البلدين في العقد المقبل.. هناك فرصة لزيادة المواءمة بين الاستراتيجيات التنموية والعمل على تنفيذ مبادرات التنمية العالمية وحسن تنفيذ مشاريع التعاون الهامة للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر.. نأمل في المزيد من التعاون الناجح والمثمر في مجالات أكثر.. ونتطلع للمزيد من التوسع في الشراكة الاستراتيجية بما يحقق المنفعة المتبادلة لكلا الشعبين والبلدين..
نريد أن يعرف الشعبان المزيد عن بعضهما.. نريد أن يتحدث المصريون الصينية بطلاقة.. وأن يتعلم الصينيون اللغة العربية فيتحدثونها كأهلها .. نريد إنشاء مدارس صينية في مصر لنقل التجربة الصينية في التعليم إلى مصر.. نريد الكثير والكثير.. فمازال لدى الدولتين والشعبين المزيد ليقدمه كل منهما للآخر..
وهنا قام صديقي من على مائدتي بعد ما شكرني وهو يقول.. ربنا يديم العلاقات الطيبة بين مصر والصين على الدوام.. فبادلته التحية.. وانا اقول.. فليحفظ الله مصر والصين..
وللحديث بقية..
لمزيد من المقالات
المقهى الدبلوماسي.. رمضان أهلا.. وتعثر مفاوضات الهدنة في غزة
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في السنوات الأخيرة، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مفهوم تقني يُتداول في أروقة المختبرات أو شركات التكنولوجيا، بل أصبح لاعبًا...
"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...
قبل أن تتحرك الجيوش، وقبل أن تُفرض العقوبات، وقبل أن تُعلن التحالفات الجديدة، تكون هناك جهة واحدة قد اتخذت قرارها...
سباق محموم بين منصات الإعلام على تحقيق أعلى نسب مشاهدة، وتحوّل الشاشات إلى ساحات مفتوحة للجدل والاستقطاب، أدى إلى دفع...