لم أعرف السبب الذي جعلني مقلا في ارتياد مقهاي الدبلوماسي.. فبعد أن كنت أتردد يوما تلو الآخر.. أصبح يمر الأسبوع.. والشهر.. ولا أقصد هذا المكان العزيز على قلبي.. وكأن حالة من الملل أصابتني من كل ما ومن أحب.. فلم اعد أحتمل رؤية أو سماع أحد.. لقد أصبحت الماكن والأشخاص مسوخ وصور باهتة .. دون أدنى سبب.. وكأن الزهد في الدنيا قد أصاب كل شئ الأشخاص والماكن وحتى الأعمال التي اعتاد المرء أن يفعلها بحب لم تعد تلقى ذات الشغف والاهتمام..
ولكنني اليوم وبدون أية مقدمات.. وجدت قدماي تأخذاني لطاولتي المفضلة في المقهى الدبلوماسي.. وبعد أن أخذت رشفة من قهوتي الفرنسية.. وضعت رأسي بين يدي وذهبت في غفوة أو إغماءة أو ربما حلم راودني..
وإذا بي أسال نفسي.. هو احنا يوم إيه وفي شهر إيه.. وفي سنة كام.. ووجدتني وكأنني أجيب على نفسي.. النهاردة الإثنين 30 يونيو سنة 2025.. وإذا بي أكرر السؤال.. مصححا.. لا.. هجريا.. ولا أدري لماذا.. وأحاول الإجابة عن الأسئلة.. فأجدني عاجزا عن التذكر.. وأخذت أفرك جبهتي علني أعرف..
وإذا بيد تربت على كتفي.. وصوت يناديني.. يا أستاذ.. يا أستاذ.. مالك بس فيه إيه.. اصحى.. فوجدتني أفتح عيناي وكأنني أستيقظ من نوم عميق.. لأجد صديقي العزيز ينادي علي.. فاعتدلت في جلستي قائلا.. أهلا أهلا.. مافيش حاجة.. اطمئن..
وبعد السلامات والترحيب.. وجدتني أسأل صديقي.. هو احنا مش كنا من كام يوم بنحتفل بالعام الهجري.. فقال لي.. أيوة.. فقلت له.. طيب التاريخ الهجري النهارة إيه.. فنظر إلي مندهشا فارغا فاه .. وهو يقول.. انت اللي بتسألني.. ما اعرفش.. فوقفت في وسط المقهى مكررا سؤالي على كل الموجودين.. وانا في دهشة مما أفعل.. فلم أجد مجيبا.. وهنا قال لي صديقي.. هو فيه إيه يا أستاذ.. إيه الحكاية..
فقلت.. الحكاية هي أننا بنضيع وبننحدر في بئر غويييط.. ولو فضلنا كده.. هننزل ومش هنقدر نطلع منه تاني.. فقال صديقي.. بئر إيه.. أنا مش فاهم حاجة.. فقلت له يا صديقي العزيز أنا هاشرح لك.. وشعرت وكأنني بدأت أستعيد ذاكرتي..
في البداية احنا النهاردة 5 من شهر المحرم سنة 1447.. وشهر المحرم ده واحد من الأشهر الحرم اللي ربنا قال عنها في سورة التوبة - الآية 36 "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ ".. عندنا 3 شهور متتابعين وهم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم.. وشهر منفرد هو شهر رجب..
المشكلة يا صديقي أننا بطلنا نعرف.. توقفنا عن حفظ المعلومات والاحتفاظ بيها في عقولنا وذاكرتنا.. وده على أبسط المعلومات الأولية.. اللي هي ليست معلومات معقدة أو متخصصة .. زي مثلا ما هي شهور العام الهجري.. هتلاقي كتير ما يعرفوش إنهم .. المحرم وصفر وربيع أول وربيع تاني وجمادى أول وجمادى ثاني ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة.. ومعلومات تانية بسيطة كتير ممكن نكون بنستخدمها في تفاصيل حياتنا وبرضه بنجهلها وما نعرفهاش..
وعارف ده سببه إيه.. أنه أصبح عندنا عزوف عن المعرفة والاحتفاظ بالمعلومة.. وبدلا ما نستفيد من التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والشات جي بي تي وجوجل وغيره من محركات البحث.. أصابتنا حالة من الكسل والخمول والاستسهال .. وأصبح طلب المعلومة والاحتفاظ بها أمر مستهجن.. وأصبح للمعلومة قيمة سوقية.. بمعنى .. المعلومة تساوي كام.. هتفيدني بإيه.. وجهلنا أن أي معلومة لها قيمة.. وإن المعلومات تكمل بعضها البعض..
يجب اننا نعيد الروح لثقافة القراءة وان تبعث الكتب من جديد حتى تستعيد المكتبات روادها ويسترجع الكتاب محبيه ونعود لنرى شابا في إحدى وسائل المواصلات ممسكا بكتاب يقرأه.. ولا مانع ان تقرا الكتاب من على النت أبدا.. المهم أن تقرأ لتعرف وتتعلم..
لازم نؤمن بأن بالعلم والمعرفة والثقافة وأيضا بالأخلاق تبنى الأمم وتنشأ الحضارات.. وإننا يجب أن نيفق من غفوتنا وننقذ الأجيال القادمة.. أولادنا وبناتنا.. لازم نعلمهم أهمية وقيمة العلم والمعرفة والحفاظ عليها.. أملا في مستقبل أفضل.. بدل ما نضيع في غياهب الجهل والتخلف والازدراء..
وهنا قام صديقي وهو يقول.. يسلم بقك.. الله ينور عليك.. أنا فهمت وعرفت.. ويارب الناس كلها تفهم وتعرف..
وللحديث بقية..
لمزيد من المقالات
المقهى الدبلوماسي.. المشهد السياسي.. الروح والنفس
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
حين ننجذب دون وعي: كيف يصنع التعلّق اختياراتنا العاطفية؟ لأن القلب لا يختار دائمًا بحرّية… بل بما اعتاد عليه.
"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...
اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...
تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...