المقهى الدبلوماسي.. السياسة والفن.. ترامب وحلمي

لا أقصد أبدا الجمع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والفنان أحمد حلمي في جملة واحدة.. وإنما جمعهما توقيت الموقف الصادر من كليهما..

فمنذ تولي ترامب الرئاسة الأمريكية وحلف اليمين.. 20 من شهر يناير الماضي.. إلا وأخرج من جوفه سيلا من التصريحات النتنة والتي يملي فيها بأحلامه وخيالاته على العالم لينفذها له..

فهذا الشعب يترك بلده لشعب أخر.. وهذا البلد يستقبل هذا الشعب ويعطيه أرضه.. وهذه الدولة تتولى الإنفاق على هذه المهزلة.. وهذه الدولة شماله يضمها إليه.. وأيضا ضم بنما وجرينلاند ليصبحوا جزءا من بلاده.. وهذه الحدود نغلقها بسور مع الدولة التي في الجنوب..وأخذ يضاعف الجمارك على بضائع الدول شرقا وغربا..

أخذ هذا "الترامب" يعيد رسم خريطة العالم وفقا لهواه وبما يتوافق مع مصالحه ومصالح طفله المدلل إسرائيل.. ضاربا بكل القوانين والأحكام والقرارات .. بل والأعراف والاتفاقيات عرض الحائط.. غير أبه بنقد أو رفض أو حتى سب صريح.. فهو لا يسمع إلا صوته .. ولا يرى إلا ما يريد هو أن يراه..

وسواء استدعى أو قدم دعوة.. اختر ما شئت من الأسلوبين.. لبعض الزعماء العرب.. لزيارة أمريكا ومقابلته الأسبوع القادم.. فكان الله في عونهم في مقابلة هذا المعتوه.. ولكن عليهم توخي الحرص والحذر في تحركاتهم وتصريحاتهم وفيما سيدور بينهم وبينه من حوار.. وليتقوا الله في بلادهم وشعوبهم .. حافظين كرامتهم وكرامة من خلفهم..

وبينما أتمتم وأقول.. ربنا يسترها ويعديها على خير.. فإذا بصديقي العزيز على المقهى الدبلوماسي يقول لي مقاطعا.. هو إيه اللي عمله الفنان أحمد حلمي.. ليه الدنيا مقلوبة عليه وبيشتموا فيه اليومين دول..

فاعتدلت في جلستي.. وأخذت رشفة من قهوتي الفرنسية.. وقلت له..بداية كده.. أنا مش مع أي حد يشتم أي حد لأي سبب.. لكن خليني أقولك حاجة.. واسمح لي إني ولأول مرة أعبر عن قناعتي الشخصية واللي قد يختلف معي فيها الكثير .. بل وقد يتهمونني بالرجعية ويصفوني بالتخلف.. وهم أحرار إن فعلوا.. ولكن هذه رؤيتي الخاصة..

وأذكرك يا صديقي بالمثل الشعبي المعروف.. إن طلع العيب من أهل العيب ما يبقاش عيب.. وهذا للتقريب والتشبيه فقط ولا اقصد منه الإساءة لأحد مثلا.. ولكن دعني أذكرك ببعض الأمور..

هل تعلم أن القضاء المصري قديما كان يتعامل مع المشخصاتي أو الممثل أو المؤدي أو المهرج أو الأراجوز .. وكل من يشتغل في أعمال اللهو والتسلية بأنه لا تُقبل شهادته أمام المحكمة.. وذلك حتى الخمسينيات من القرن الماضي.. وذلك حتى أطل علينا من يقولون أن الفن أو التمثيل رسالة وهو الذي يشكل وجدان الأمم.. وبه يقاس تقدم الشعوب..

وللأسف هذا ما روج له اليهود الذين يسيطرون على صناعة السينما في هوليود وغيرها.. وأصبحت الأفلام والمسلسلات والمسرحيات تملأ حياتنا.. تعصف بثوابتنا وقيمنا وأخلاقنا.. وتشوه كل جميل في حياتنا الحاضرة والماضية.. وتبث سمومها لتغيب بها عقولنا وضمائرنا.. وتعلي من الغرائز والشهوات لتتحكم فينا..

وليصبح المخرج الذي يدير أي لوكيشن تصوير وكأنه الحاكم بأمره الذي ينصاع له كل فريق العمل وهم مغمضي العيون .. فيأمر هذه بأن تتعرى وتخلع ملابسها.. ويأمر هؤلاء بممارسة القبلات والأحضان والنوم في فراش واحد كالزوجين.. بحجة أن هذا يستدعيه الدور ويتطلبه العمل وفقا لرؤية المخرج الإله.. والكل مسلوب الإرادة.. لا يملك إلا أن يقول حاضر.. وينفذ التعليمات بل ويجودون من تلقاء أنفسهم.. طمعا في مزيد من الشهرة والمال..

ويا أيها المصور السينمائي.. المخرج يريد أخذ هذا المشهد من قريب فهو يريد أن يبرز هذا الجزء من جسم الفنانة.. فينفذ.. والفنانة تعلم وتنبسط.. فهذا المخرج أعاد مشهد الاغتصاب عشر مرات .. وهذا المخرج أعاد القبلة عشرين مرة.. وهذا.. وهذا.. لماذا.. لأنه غير واقعي.. والمخرج يريد المشهد واقعي.. فنرى مالا يجب أن نراه.. ونسمع مالا يجب أن نسمعه.. فتتلوث أسماعنا وأبصارنا.. بل وقلوبنا وعقولنا..

ثم بعد ذلك كله يقولون أنه رسالة.. نعم هو رسالة سيئة السمعة.. بل ويتندر أحدهم قائلا إنه كان يحضر تصوير إحدى المشاهد الساخنة التي تمثل فيها زوجته.. فلما أحس أن الممثل الذي يقوم بالدور أمام زوجته يستشعر الحرج فلا يقوم بأداء المشهد بالسخونة والطبيعية المطلوبة.. قام وانصرف من اللوكيشن.. لا غيرة على زوجته .. حاشا وكلا.. ولكن ليفسح المجال لزميله ليؤدي الدور بشكل طبيعي كما يطلبه منه المخرج..

وحتى أكون منصفا.. أستثني من ذلك بعض الأعمال النادرة التاريخية والدينية وبعض الاجتماعية والتي تمثل نسبة ضئيلة جدا مقارنة بما يتم بثه وإذاعته.. وحتى هذه الأعمال لا تخلو من بعض المغالطات التاريخية ..

وأنا هنا لا أريد أن أتكلم في المنظور الديني لهذه الأمور حتى لا يقال أنني متشدد وأنتمي لجماعة إرهابية مثلا.. ولكن ألا ينطبق عليهم قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19).. كما ينطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه، متفق عليه..

فهذا الممثل أو المشخصاتي.. هذا الفنان القدير الكبير .. يستطيع أن يبكي إذا أراد ويضحك من قلبه إذا أراد.. يستطيع أن يحزن أو يفرح إذا أراد.. وهذا من مقياس جدارته وكفاءته وقدرته العالية على التمثيل.. حتى أصبحت حياتهم الشخصية بين الناس الطبيعيين ما هي إلا فيلم كبير.. لا تستطيع ابدا أن تثق في صدق كلامهم ولا مشاعرهم ولا مواقفهم.. فهم ممثلون قديرون.. يتلونون حسبما تقتضيه المصلحة أو الظروف..

وللأسف تخريب الأخلاق والذوق العام وإفساد الأخلاق لهو أشد مما يخربه ويفسده العدو بسلاحه ونيرانه.. فالبيت الذي يتهدم.. يمكن بناء غيره.. أما الإنسان الذي يضيع.. فمن الصعب جدا استرجاعه..

ويتفق مع ذلك الكاتب التشيكي الفرنسي ميلان كونديرا الذي يقول: "إن النضال ضد الحماقة الفكرية أصعب من النضال ضد محتل غاصب".. "فالنضال ضد من يخربون الذوق العام يحتاج وعيا وعزيمة لا تفتر لإزالة ما يرسخونه في الوجدان من شوائب تستهدف جهازه المناعي، فلا يعود قادرا أو راغبا في تمييز التشوهات"..

ولعلني أذكر أيضا رأيا للفنان محمود حميدة قاله في لحظة صراحة مفرطة في إحدى لقاءاته التليفزيونية.. مما ينطبق عليه قول" وشهد شاهد من أهلها"..

قال محمود حميدة:"الفن مش رسالة بل تسالي.. فالفن أو التمثيل غير قادر على التغيير.. ووظيفته فقط هي التسلية.. رساله إيه وبتاع إيه احنا هنضحك علي نفسنا.. الناس بتتفرج علينا علشان تتسلى وتلاقي أراجوز.. ولا واحدة قلعت أكتر مالبست.. ويطلع واحد يقولك الفن بيتقاس بيه تقدم الشعوب .. أمال العلم والصناعة والتكنولوجيا والدين بيتقاس بيهم إيه ؟! .. لما يكون الفن مقياس للتقدم..
المصيبة السودة إن حتي بعد كل ده معندناش فن حتى ينافس السينما العالمية..".. وإلى هنا ينتهي كلام محمود حميدة..

فهل انت بعد كل ده شايف أن الموضوع يستحق أننا نطلع نملا الدنيا ضجيج من اللوم على أحمد حلمي أو غيره لموقف صدر منه سواء بطريقة عفوية أو تمثيلية أو حتى ساخرة.. يا صديقي الموضوع برمته لا يستحق.. وخسارة والله الوقت اللي بنضيعه في الأمور دي.. خلينا بقى نفوق ونشوف الأمور صح ونركز في مسؤولياتنا واللي واجب علينا.. ولا إيه رأيك..

فقال صديقي وهو يهم بالقيام وهو يمصمص شفتيه.. والله عندك حق.. الرأي رأيك.. خلينا نشوف اللي ورانا ونسعى على أكل عيشنا..
وللحديث بقية..
لمزيد من المقالات

المقهى الدبلوماسي.. الإسراء والمعراج.. وثورة يناير

Katen Doe

حمودة كامل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل

المزيد من مقالات

كيف يصنع التعلّق اختياراتنا العاطفية؟

حين ننجذب دون وعي: كيف يصنع التعلّق اختياراتنا العاطفية؟ لأن القلب لا يختار دائمًا بحرّية… بل بما اعتاد عليه.

بردية خوفو والسحرة

"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...

الإعلام المستدام في زمن المنصات المتكاملة!

اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...