في عام 2017، داخل أحد مراكز رعاية المسنين في مدينة أوساكا اليابانية، كانت سيدة في الثمانين من عمرها تجلس بهدوء وهي تحتضن روبوتًا صغيرًا مغطى بالفرو الأبيض يشبه فقمة البحر Seal. كانت تكلّمه وتبتسم له وكأنه كائن حي. هذا الروبوت، المعروف باسم PARO، لم يكن حيوانًا حقيقيًا، لكنه أصبح جزءًا من الروتين اليومي لكثير من المسنين في اليابان.
الدكتور عمرو الغفاري دكتور الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي عين شمس
هذا المشهد، الذي وثّقته دراسات طبية ونفسية، يعكس التحوّل العميق الذي أحدثته الروبوتات الاجتماعية في علاقتنا بالتكنولوجيا، ويطرح سؤالًا مركزيًا: هل نحن أمام صديق يخفف الوحدة، أم تهديد نفسي يتسلل بصمت؟
من الآلة الصامتة إلى الكائن المتفاعل
بدأت فكرة الروبوتات الاجتماعية بالظهور الجاد في أوائل الألفية الجديدة، لكن التحول الحقيقي جاء بين 2010 و2020 مع تطور الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعرّف على المشاعر.في طوكيو – اليابان، طوّرت شركة SoftBank Robotics عام 2014 الروبوت الشهير Pepper، المصمم للتفاعل مع البشر عبر تحليل تعابير الوجه ونبرة الصوت. ومنذ إطلاقه، استُخدم Pepper في المدارس، والمستشفيات، والمتاجر في اليابان وفرنسا والولايات المتحدة.تقنيًا، يعتمد هذا النوع من الروبوتات على كاميرات ثلاثية الأبعاد، ومستشعرات حركة، وميكروفونات دقيقة، إضافة إلى خوارزميات تعلّم آلي مدرّبة على ملايين البيانات السلوكية، ما يسمح لها بمحاكاة ردود فعل “اجتماعية” تبدو طبيعية للإنسان.
حين يصبح الروبوت رفيقًا
في عام 2018، نشرت جامعة VU Amsterdam في هولندا دراسة ميدانية أُجريت داخل دور رعاية المسنين، حيث تم استخدام روبوتات اجتماعية لفترات طويلة. النتائج أظهرت انخفاضًا ملحوظًا في الشعور بالوحدة والاكتئاب لدى بعض النزلاء، خاصة المصابين بالخرف المبكر.اللافت أن عددًا من المشاركين أطلقوا أسماء على الروبوتات وتعاملوا معها باعتبارها “كائنات أليفة”، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشرًا نفسيًا يحتاج إلى مراقبة دقيقة.
أما في الولايات المتحدة، فقد أجرت جامعة University of Southern California بين 2019 و2021 تجارب على استخدام روبوتات اجتماعية مع أطفال مصابين باضطراب طيف التوحّد. وأظهرت النتائج تحسنًا في مهارات التواصل البصري والاستجابة الاجتماعية، مقارنة بجلسات العلاج التقليدية وحدها.
الفن والتصميم حيث تلتقي الهندسة بالمشاعر
الجانب الفني في تصميم الروبوتات الاجتماعية يُعد عنصرًا حاسمًا. ففي مختبرات MIT Media Lab في كامبريدج – ماساتشوستس، يعمل مهندسون منذ 2015 بالتعاون مع مصممي شخصيات وفنانين على دراسة تأثير حركة العين، وانحناءة الرأس، وتوقيت الابتسامة على تقبّل الإنسان للروبوت.
هذه الأبحاث جاءت لتجنّب ما يُعرف علميًا بـ “وادي الغرابة”، وهو مفهوم طُرح لأول مرة عام 1970 على يد العالم الياباني ماساهيرو موري، ويشير إلى شعور النفور الذي ينتاب الإنسان عند رؤية كائن يشبه البشر بدرجة غير مكتملة.
الجانب النفسي المقلق علاقة بلا تبادل حقيقي
في تقرير صادر عام 2020 عن جامعة كامبريدج – المملكة المتحدة، حذّر باحثون من أن التفاعل طويل الأمد مع الروبوتات الاجتماعية، خاصة لدى الأطفال وكبار السن، قد يؤدي إلى اعتماد عاطفي غير صحي.التقرير أشار إلى حالات أظهر فيها أطفال ارتباكًا في فهم مفهوم “المشاعر”، نتيجة تعاملهم مع روبوتات تستجيب عاطفيًا بشكل مبرمج وليس إنساني.
الخصوصية وتسجيل المشاعر في صمت
في عام 2021، نشرت منظمة Human Rights Watch تقريرًا حذّرت فيه من المخاطر المرتبطة بجمع البيانات من الروبوتات الاجتماعية، خاصة تلك المستخدمة في المنازل والمدارس.فالروبوتات تسجّل الصوت، وتراقب السلوك، وتحلل الانفعالات، ما يخلق مخزونًا ضخمًا من البيانات الحساسة، غالبًا دون وعي المستخدم الكامل بكيفية استخدامها أو تخزينها.
هل المشكلة في الروبوت أم في المجتمع؟
تشير منظمة الصحة العالمية في تقريرها الصادر عام 2022 حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الصحة النفسية، إلى أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن تكون أداة داعمة فعالة، لكنها تتحول إلى خطر عندما تُستخدم كبديل عن العلاقات الإنسانية، أو كحل سهل لمشكلات اجتماعية أعمق مثل العزلة ونقص الدعم الأسري.
وفي نهاية رحلتنا من اليابان إلى أوروبا وأمريكا، تثبت الوقائع أن الروبوتات الاجتماعية ليست مجرد تجربة تقنية، بل ظاهرة إنسانية ونفسية معقدة. فهي تحمل وعودًا حقيقية بتخفيف الوحدة ودعم الفئات الهشّة، لكنها في الوقت ذاته تفرض تحديات أخلاقية وفنية ونفسية لا يمكن تجاهلها.
وبينما يتقدم الذكاء الاصطناعي بخطى متسارعة، يبقى السؤال مفتوحًا:هل نصمّم روبوتات تشبه الإنسان… أم نعيد تعريف معنى الإنسانية نفسها؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهر رمضان يمثل قيمة كبرى في العالم الإسلامي على مدى التاريخ وارتبط بمفردات دينية تراثية محفورة في ذاكرة العالم الإسلامي...
في كل مناسبة سعيدة، يُفترض أن نشعر بالفرح تلقائيًا. رمضان، العيد، خطوبة، زفاف، نجاح، لقاء عائلي… لكن الواقع أن كثيرين...
إذا أردت أن تعيش لحظة من لحظات الأنس الروحي، وأن تلمس بقلبك شيئًا من بهاء المدينة المنورة، فما عليك إلا...
يشهد قطاع الإعلام تحولاً جذرياً لا يقتصر على الأدوات والمنصات فحسب، بل يمتد ليطال ماهية المهنة ذاتها وطبيعة الأدوار داخل...