هل نعيش قريباً عصر غرف الأخبار «المظلمة» والمؤسسات الإعلامية «المؤتمتة»

الذكاء الاصطناعي وواقع الاعلام المصري ومستقبله (1)



«المصانع المظلمة»: مصطلح جديد ظهر بقوة مؤخراً عن المصانع التي تُدار بالكامل بدون أي تدخل بشري باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي توفيراً للمال والطاقة وحتى العنصر البشري؛ ويبقى السؤال: هل نعيش قريباً عصر غرف الأخبار «المظلمة» والمؤسسات الإعلامية «المؤتمتة»، ونشاهد على شاشتها مذيعين «روبوت» يكتب لهم نشراتهم وكلاء نماذج اصطناعية محدد لهم بدقة ملامح السياسات التحريرية ويتمتعون بمواهب «اصطناعية» تنافس الرؤى الإبداعية لبني البشر؟!

 

هذا السؤال الملحّ جعلنا نفتح هذا الملف عن واقع الإعلام المصري ومستقبله في ظل الاستخدام المتسارع لحظياً لأدوات الذكاء الاصطناعي في صناعة الإعلام المقروء والمسموع والمرئي.

وإذا عدنا بآلة الزمن للوراء قليلاً، وتحديداً في 30 نوفمبر 2022، مع إطلاق أول نموذج من نماذج الذكاء الاصطناعي الذي لاقى شهرة كبيرة وهو «ChatGPT» الذي أطلقته شركة OpenAI  الأمريكية، والذي وصل عدد مستخدميه إلى 100 مليون مستخدم بعد شهرين فقط من إطلاقه، وهو ما جعل الكثير من الصحفيين – وبالطبع المصريين منهم - يستخدمونه كأداة بحث سهلة وسريعة ودقيقة معاً.

وكان من أول الأسئلة التي وجهها الصحفيون إلى نماذج المحادثات الذكية: ما هو الذكاء الاصطناعي، وما هي أنواعه، وما هي آليات عمله، وكيفية توظيفه بشكل مثمر في خطة العمل في المؤسسات الإعلامية؟

أما الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) فهو قدرة برامج الحاسوب على محاكاة العقل البشري والقيام بمهام كانت تحتاج عادةً إلى ذكاء بشري، من فهم لطبيعة اللغة، والتعرف على الصور، واتخاذ القرار، والقدرة على التنبؤ بالمستقبل؛ لذلك كان من المهم التفرقة بين أربعة مصطلحات مهمة، وهي:

  • التعلم الآلي (Machine Learning): أن تتعلم الآلة من البيانات بدلاً من أن تُبرمج على كل حالة. مثال: اقتراحات «قد يعجبك أيضاً» في منصات الفيديو.
  • الذكاء الاصطناعي التقليدي (Predictive AI): يحلل ما هو موجود ويتنبأ به أو يصنّفه، مثل كشف الرسائل المزعجة أو ترشيح الأخبار حسب اهتمامك.
  • الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI): يُنتج محتوى جديداً: نصاً أو صورة أو صوتاً أو فيديو. وهذا هو الذي أحدث الضجة الحالية.
  • النماذج اللغوية الكبرى، وهي (Large Language Models): برامج تم تدريبها على كميات ضخمة من النصوص والبيانات والصور، فصارت تتنبأ بالكلمة التالية بدقة تكفي لتكتب مقالاً أو تلخص تقريراً؛ وهي جاهلة جهلاً تاماً بالحقيقة التي يعرفها ويعيش تفاصيلها الصحفي الآدمي؛ لذلك فقد تخطئ هذه النماذج بكل ثقة وثبات لتنتج لنا ما يسمى بإعلام «الهلوسة» (Hallucination).  
غرف الاخبار المظلمة

لذلك تترسخ قاعدة ذهبية دائمة للتعامل مع أدوات ونماذج الذكاء الاصطناعي، وهي «إنسان – روبوت – إنسان» (Human – AI – Human)، والتي تقوم على فهم هندسة الأوامر (Prompt Engineering)  لهذه الأدوات وكيفية تسخيرها بل و«استعبادها» وليس توظيفها فحسب لصالح العمل الصحفي والإعلامي لزيادة الإنتاجية وتحسين الجودة وحتى محاربة التزييف العميق الذي تقوم به أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها في توليد النصوص وإنتاج الصور والفيديوهات.

ختاماً: لا ينبغي أن نخشى «غول» الذكاء الاصطناعي المرعب، أو أن نتعامل معه كأنه «عفريت» من الجن نقوم بتسخيره لحلب لبن العصفور الإعلامي أو جلب الحبيب الصحفي الغائب في ثلاث ثوانٍ؛ بل ينبغي التعامل معه بوصفه مرحلة من المراحل العديدة التي تعاملت بها الصحافة وتعاطاها الإعلام مع كل متغير من المتغيرات التقنية التي اخترعها المهندسون ووظفها المبدعون لخدمة القراء والمستمعين والمشاهدين وحتى المتصفحين المحترمين.

أحمد السباعى

أحمد السباعى

رئيس تحرير الموقع الرسمى للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

هل نعيش قريباً عصر غرف الأخبار «المظلمة» والمؤسسات الإعلامية «المؤتمتة»

«المصانع المظلمة»: مصطلح جديد ظهر بقوة مؤخراً عن المصانع التي تُدار بالكامل بدون أي تدخل بشري باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي...

"مسافة السكة" بمظلة دستورية.. الموقف المصري بين الردع الدفاعي وضوابط القرار

ليست القوة الحقيقية أن تمتلك الدولة القدرة على خوض الحرب، بل أن تمتلك من الحكمة ما يجعلها تعرف متى تستخدم...

​صَحْوَةُ عربية تُوَاجِهُ المنصات الرقمية

​في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل والتطبيقات الرقمية العالمية وما تبثه من محتوى متنوع يصل إلى الأطفال والشباب على مدار...

باب الحرية : الذكرى الـ53 لمعركة الكرامة أكتوبر.. كابوس الصهـاينة المستمر

مصر بدأت تحديث جيشها مبكراً وكأنها كانت تقرأ المستقبل تل أبيب تجرعت الهزيمة فى الحرب وفشلت فى كسر وجدان المصريين...